انخفضت القيمة التعادلية للريال الإيراني مقابل جميع العملات الأخرى انخفاضاً هائلاً فأثر بشدة على معدلات التضخم وبالتالي على مستوى معيشة المواطنين. يأتي هذه الانخفاض نتيجة تضافر عدة عوامل خارجية وداخلية: خارجية ترتبط بالدرجة الأولى بالعلاقة مع الولايات المتحدة، وداخلية تتعلق بالمؤشرات الاقتصادية لاسيما الميزانية العامة وميزان المدفوعات.
يتسم نظام الصرف بالازدواجية، هنالك سعر صرف رسمي للريال يحدده البنك المركزي، ففي مطلع يوليو 2023 بلغ سعر صرف الدولار 42 ألف ريال، ووصل في بداية ديسمبر 2025 إلى 639 ألف ريال. ثم في 25 سبتمبر 2026 إلى 1.72 مليون ريال (بيانات البنك المركزي). والسعر مستمر بالتراجع يوميا.
لكن هذا السعر الرسمي يُستخدم فقط من قبل الحكومة لاستيراد بعض السلع الضرورية، وهو بالتالي لا يعكس حقيقة القيمة التعادلية للعملة. أما السعر الثاني والأهم فهو سعر السوق الموازية الذي يشمل جميع عمليات الصرف الأخرى، حيث هبط سعر الريال حتى وصل في 25 سبتمبر 2026 إلى 2.36 مليون ريال للدولار، وهو أيضاً مستمر بالانخفاض.
أسباب التراجع عديدة
نجم هبوط الريال عن عدة عوامل خارجية وداخلية. وفي مقدمة هذه العوامل الحرب التي أدت إلى تدمير منشآت مدنية وعسكرية إيرانية، وهو ما أثر بقوة على الأداء الاقتصادي فهبط سعر الصرف. لا يمكن فصل العمليات العسكرية الأمريكية عن سعر صرف الريال، فكل عملية عسكرية أمريكية ضد إيران كانت تقود إلى تراجع السعر. وبذلك، لا تقتصر الهجمات الأمريكية على تدمير تلك المنشآت فحسب بل تسعى أيضاً إلى التأثير على المؤشرات الاقتصادية وفي مقدمتها القيمة التعادلية للريال المرتبطة مباشرة بمستوى معيشة المواطنين. وهكذا، أصبحت أهداف تلك الهجمات العسكرية اقتصادية واجتماعية وسياسية أيضًا.
ثاني العوامل هو الحصار البحري، إذ أفضى إلى تراجع الصادرات الإيرانية النفطية وغير النفطية. ويؤكد الإيرانيون على أن الحصار أشد ضرراً من العمليات العسكرية لأن إيران تعتمد اعتماداً أساسياً في تجارتها الخارجية على الممر البحري في الخليج. في عام 2025 كان معدل الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصين عند نحو 1.4 مليون ب/ي، وفي أغسطس 2026 هبط إلى 0.5 مليون ب/ي في حين يصرح الأمريكيون بأن الصادرات الإيرانية عن طريق الخليج باتت غير ممكنة، وكلما هبطت الصادرات على هذا النحو انخفض سعر صرف العملة.
ثالث العوامل هو عزلة إيران. تسعى واشنطن إلى خنق الاقتصاد الإيراني عن طريق منع الدول الأخرى من التعامل معه. ويؤثر هذا الوضع بشدة على حجم النقد الأجنبي فيتهاوى سعر الصرف. ولذلك، أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية عملية “المنبوذ الاقتصادي” التي تتناول تشديد العقوبات ومواجهة الأساليب التي تتبعها إيران لمقاومة العقوبات كالتعامل التجاري مع الصين بالمقايضة، ويدخل قرار الإمارات بقطع العلاقات المالية مع إيران في إطار هذه العملية، حيث كانت الإمارات شريكاً تجارياً مهماً لإيران. كما طلبت الوزارة الأمريكية من جميع الدول إيقاف تقديم الخدمات للطائرات الإيرانية.
العامل الرابع هو الاستهداف النقدي، إذ يسعى الأمريكيون إلى التأثير مباشرة على الريال لأهداف سياسية، فقد أعلنوا صراحة بأن القيمة التعادلية للدولار ستكون قريباً ثلاثة ملايين ريال.
على الأرض، أصبحت الأزمة الاقتصادية الإيرانية ورقة بيد الإدارة الأمريكية تستخدمها إلى جانب عملياتها العسكرية للضغط على طهران، ولا يمكن الاستغناء عن هذه الورقة إلا بتنازلات إيرانية، ومع غياب هذه التنازلات تتفاقم الأزمة وتزداد معاناة الإيرانيين.
ورغم الأهمية القصوى للأسباب المذكورة أعلاه، لا يجوز اختزال تدهور الريال بتردي العلاقة مع الولايات المتحدة. هنالك أسباب داخلية ساهمت بفاعلية في هذا التدهور. في مقدمة هذه الأسباب تراجع النمو. تسجل الأنشطة الاقتصادية الإيرانية تراجعاً حتى قبل الحرب بسبب العقوبات، وتزايدت حدته بعد الحرب وتشديد العقوبات. بلغ هذا التراجع 10.1% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة المالية 2026/2027 (تبدأ السنة المالية الإيرانية في 21 مارس وتنتهي في 20 مارس من السنة اللاحقة)، انعكس ذلك على جميع المؤشرات الاقتصادية: تزايد البطالة وارتفاع معدلات التضخم وتفاقم الفقر وانخفاض سعر صرف الريال.
ثاني العوامل الداخلية الفساد المالي، وهو سمة من سمات الاقتصاد الإيراني. وحسب التقرير الأخير لمنظمة الشفافية الدولية تحتل إيران المرتبة العالمية رقم 153 في الفساد المالي (المرتبة الأخيرة رقم 181 تعود لجنوب السودان)، وإيران وفق هذا التصنيف أكثر فساداً من العراق الذي يسجل المرتبة رقم 136. ومن البديهي أن يؤثر هذا الوضع على المؤشرات الاقتصادية بما فيها سعر التعادل.
أيضًا تأتي زيادة الطلب على الواردات كأحد العوامل الداخلية بالغة الأهمية، حيث أن ارتفاع الحاجة إلى العملات الأجنبية، وبفعل العرض والطلب، يساهم في انخفاض سعر الصرف. رابع العوامل الداخلية هو التكالب على تحويل الريال إلى عملة أجنبية، فمع استمرار هبوط سعر الصرف تُفقد الثقة بالسياسة النقدية والعملة المحلية، وهو ما يدعو الأفراد إلى تحويل مدخراتهم من الريال إلى عملات أجنبية. وزيادة هذا الطلب يقود بالضرورة إلى هبوط سعر صرف الريال. كما تخلق الهجمات العسكرية الأمريكية أو مجرد التلميح بها حالة نفسية لدى الإيرانيين تفضي إلى التهافت على الدولار رغم أنهم اعتادوا على مثل هذه الأحوال.
العامل الخامس هو العجز المالي، إذ تعاني ميزانية الدولة عجزاً مزمناً نجم عن عاملين أساسيين: العامل الأول تصاعد النفقات العسكرية بسبب الحرب الفعلية والاستعدادات لها. والعامل الثاني تقهقر الإيرادات النفطية بسبب العقوبات الاقتصادية والحصار البحري. ونتيجة تفاعل هذين العاملين يتصاعد عجز الميزانية.
قررت طهران منذ عدة سنوات تجنب الاعتماد على التمويل الخارجي لتغطية العجز المالي، وهذه الحالة تفسر ضعف مديونية الدولة الخارجية. في مارس 2026 بلغ حجم هذه المديونية 4.6 مليار دولار. أي ما يعادل 1.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي وهو من أضعف المعدلات في العالم.
بسبب هذه السياسة تلجأ الدولة في تمويل العجز إلى مصدرين: المصدر الأول الإصدارات النقدية الجديدة (طبع النقود)، وهكذا، تتضخم الكتلة النقدية المحلية فينخفض سعر الصرف ويرتفع التضخم.
والمصدر الثاني السحوبات من الصندوق الوطني للتنمية (الصندوق السيادي) التي أدت الى هبوط أصوله فانخفضت انشطته وضعفت المقدرة المالية والاستثمارية للدولة. ويسهم هذا الضعف في تراجع قيمة الريال.
إلى جانب ذلك، يلعب عجز ميزان المدفوعات دورا رئيساً في تكوين الاحتياطي النقدي الذي تستخدمه الدول عادة للدفاع عن عملتها في حالة تعرضها للهبوط. وكما هو معلوم، إذا سجل هذا الميزان فائضاً ارتفع الاحتياطي النقدي، والعكس صحيح، إذا سجل عجزاً هبط الاحتياطي. ويقود هذا الهبوط إلى إضعاف مقدرة الدولة المالية في تحسين سعر الصرف وإلى تزايد المديونية الخارجية وتدهور التصنيف الائتماني. في السنة المالية 2024/2025 سجل ميزان المدفوعات فائضاً مهماً قدره 804 مليون دولار رغم العقوبات. لكنه في 2025/2026 سجل عجزاً قدره 231 مليون دولار. نجم هذا العجز عن انخفاض فائض الميزان التجاري السلعي نتيجة تراجع الصادرات النفطية وغير النفطية، كما استمر حساب الخدمات وحساب الدخل وحساب رأس المال بالعجز.
عوامل مضادة
مقابل هذه الأسباب، هنالك عوامل أدت إلى عدم تدهور الريال بصورة أكبر مما هو عليه. فعلى خلاف دول الخليج الأخرى، إيران دولة صناعية وزراعية ومنتجة ومصدرة لمختلف المواد المدنية والعسكرية. يؤدي هذا العامل إلى الحد من الاستيراد ومن استنزاف الاحتياطي النقدي. ومن زاوية أخرى، وعلى الرغم من الأهمية القصوى للإيرادات النفطية إلا ان ميزانية الدولة تعتمد كذلك على الضرائب وعوائد القطاع العام، إذ أن أكثر من نصف إيرادات الميزانية هي إيرادات غير نفطية، ويسمح هذا التنوع في مصادر الإيراد العام بالصمود أمام هبوط الصادرات النفطية.
بالتوازي، لجأت الدولة إلى عدة وسائل نقدية لدعم الريال، منها أنه اشترت حوالي 150 طنًا من الذهب في 2024 و2025. يهدف هذا الشراء إلى كبح الطلب على الدولار والعملات الأجنبية الأخرى فيتحسن نسبيا سعر صرف الريال. إيران بلد منتج للذهب، ولديها 15 منجماً أهمها منجم زارشوران ومنجم شادان.
ويحاول الإيرانيون تجاوز النظام المصرفي المعتاد باستخدام العملات المشفرة، فقد ذكرت المصادر أن مبلغاً يعادل 10 مليارات دولار من العملات المشفرة جرى تداوله من قبل الإيرانيين في العام المنصرم.
ومن جهة أخرى يستخدم البنك المركزي الإيراني سعر الفائدة للحد من تدهور القيمة التعادلية للريال.
من الناحية المبدئية يتولى البنك المركزي رفع سعر الفائدة للتصدي لهبوط سعر الصرف. عندئذ يتصاعد الطلب على العملة المحلية عن طريق الاستثمارات فيرتفع سعر صرفها.
لذلك، وصلت أسعار الفائدة في إيران في 22 سبتمبر 2026 إلى 24.0% وهي من أعلى المعدلات في العالم، إذ يبلغ في السعودية نحو 4.5% وفي الولايات المتحدة 3.7% وفي الكويت 3.5% وفي منطقة اليورو 2.8%.
كما يؤكد البنك المركزي على أن إيران تملك مبالغ كافية من الاحتياطي النقدي لتحسين سعر الصرف. والواقع أن قسطاً كبيراً من هذا الاحتياطي يمثل أموالاً إيرانية محتجزة لدى عدة دول لا سيما الصين وكوريا الجنوبية والهند والعراق. وبالتالي، يصعب استخدامها حاليا، قد يفضي اللجوء المفرط للاحتياطي النقدي إلى أزمة أكثر حدة وخطورة تتجلى بنفاذ هذا الاحتياطي دون معالجة مقبولة لسعر الصرف.
تداعيات خطيرة
ورغم هذه الإجراءات، تتمخض عن تدهور سعر صرف الريال نتائج اقتصادية واجتماعية وخيمة. ويؤثر هبوط سعر الصرف تأثيراً مباشراً على معدلات التضخم وقيمة الدخول فينخفض مستوى المعيشة ويرتفع الفقر. بلغ حجم التضخم نحو 89% على أساس سنوي، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الرئيسة بنسب أعلى، كما تفاقمت تكاليف السكن والأدوية وجميع الخدمات.
حسب التقارير الواردة، تبلغ تكلفة الحد الأدنى لمعيشة أسرة مكونة من ثلاثة أفراد 920 مليون ريال شهريا في حين لا يتعدى الحد الأدنى للأجور 310 مليون ريال شهريًا.
وفيما تبذل الحكومة جهوداً لزيادة المرتبات، فقد أعلنت وزارة العمل في منتصف مارس 2026 زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 61%، إلا أن هذه النسبة رغم أهميتها لا تزال ضعيفة مقارنة بالأسعار.
يحاول الإيرانيون ردم الفجوة بين الإنفاق والدخل بالعمل الإضافي والاستدانة والسحب من المدخرات وبيع الممتلكات وحذف فقرات من سلة الاستهلاك. هكذا، يرتفع عدد الفقراء ارتفاعاً كبيرا.
اليوم، تدهور سعر صرف الريال بنسب عالية جداً بحيث لم يعد بالإمكان معالجته عن طريق الاحتياطي النقدي. أصبح البنك المركزي عاجزاً عن التصدي لهذا التدهور لأن الأزمة تتجاوز صلاحياته. لذلك، بات من الضروري، بالنسبة للإيرانيين، عقد اتفاق مع واشنطن لإنهاء حالة الحرب وتخفيف العقوبات وإلغاء الحصار البحري. كما يتعين في نفس الوقت إجراء إصلاحات تتناول المؤشرات الاقتصادية خاصة عجز الميزانية العامة وعجز ميزان المدفوعات.
