منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام، دخل لبنان مرحلة سياسية مختلفة عن السنوات التي سبقتها. انتهى الفراغ الرئاسي، تشكلت حكومة جديدة وعاد الحديث عن الدولة والإصلاح والسيادة واستعادة العلاقات العربية والدولية إلى الواجهة، وتبدو دول الخليج في مقدمة الدول العربية التي كانت متحمسة للعودة إلى لبنان. لكن انتقال السلطة لا يعني بالضرورة انتقال البلاد إلى نظام مختلف في طريقة إدارة الدولة.
المشكلة الأساسية أن أي سلطة جديدة ترث دولة مثقلة بتراكمات سياسية ومالية وإدارية وقانونية لا يمكن تغييرها بمجرد تغيير المسؤولين. وهذا تحديداً ما يجعل الإصلاح في لبنان أكثر تعقيداً من تشكيل حكومة جديدة أو إقرار مجموعة من القوانين. وفي هذا الإطار جاء تقرير صندوق النقد الدولي حول الحوكمة والفساد في لبنان، الصادر في حزيران/ يونيو 2026، ليقدم تشخيصاً واضحاً لهذه المشكلة. يتحدث التقرير عن نقاط ضعف واسعة في الحوكمة، تفاقمها أطر قانونية قديمة وتشتت مؤسسات الرقابة وضعف المؤسسات وهشاشة سيادة القانون. كما يشير إلى مشكلات في إدارة المالية العامة، والرقابة على القطاع المالي وحوكمة مصرف لبنان ومكافحة غسل الأموال واستقلال القضاء.
الأهمية في هذا التشخيص أنه لا يتعامل مع الفساد باعتباره نتيجة سلوك أفراد فقط، لكنه يربطه بطريقة عمل المؤسسات نفسها. فعندما تكون الرقابة مجزأة والصلاحيات متداخلة والقدرة على المحاسبة محدودة، يصبح تغيير الأشخاص أقل تأثيراً مما يبدو.
وعليه، كشف الانهيار المالي منذ عام 2019 كل ذلك بوضوح. فالأزمة لم تكن نتيجة قرار منفرد أو حكومة واحدة، بقدر ما كان نتيجة تراكم طويل من الاختلالات في المالية العامة والقطاع المصرفي والسياسة النقدية والإدارة الاقتصادية. ومع انهيار الليرة وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات وتجميد ودائع المودعين، أصبح الإصلاح الاقتصادي مرتبطاً بإعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها.
لذلك يعد القطاع المصرفي مثال واضح على أزمة لبنان العميقة. فإعادة هيكلته ليست مسألة تقنية منفصلة عن السياسة، لأنها تتعلق بتوزيع الخسائر وبمسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف وبمصير أموال المودعين. وفي شباط/فبراير 2026، شدد صندوق النقد خلال زيارته للبنان على ضرورة أن تكون استراتيجية إعادة هيكلة المصارف متوافقة مع المبادئ الدولية وقابلة للاستمرار مالياً، بالتوازي مع وضع إطار مالي متوسط المدى.
لكن المشكلة لا تتوقف عند المصارف. حتى القوانين التي يتم إقرارها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذها. وهذا أحد أوجه الأزمة اللبنانية: هناك هوّة عميقة ودائمة بين النص القانوني والممارسة. قد يصدر القانون، لكن تطبيقه يتعثر بسبب ضعف الإدارة أو نقص الموارد أو تضارب الصلاحيات أو التدخل السياسي.
ويشير تقرير صندوق النقد إلى أن مؤسسات الرقابة ومكافحة الفساد في لبنان تعاني من قيود كبيرة في الموارد والقدرة على التنفيذ، وأن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لم تصل بعد إلى كامل فاعليتها المؤسسية. كما يلفت إلى ضعف استقلالية بعض الجهات الرقابية وتعرضها لمخاطر التأثير الخارجي.
لذلك فإن هذه المعطيات تضع حكومة نواف سلام ورئاسة جوزاف عون أمام مهمة تتجاوز إدارة الملفات اليومية. فالمطلوب ليس اتخاذ قرارات إصلاحية دون تغيير البيئة التي كانت تجعل الإصلاح نفسه صعباً. وهذا يعني الدخول في ملفات تمس مصالح سياسية واقتصادية وإدارية تشكلت منذ عقود. هنا تظهر المحاصصة والزبائنية كجزء من المشكلة فالتعيينات العامة في لبنان لم تكن دائماً منفصلة عن توازنات القوى السياسية، والإدارة العامة لم تعمل دائماً وفق معيار الكفاءة وحده. وفي ظل دولة تعاني أصلاً من ضعف مؤسساتها، يصبح النفوذ السياسي قادراً على التأثير في القرار الإداري والاقتصادي، حتى عندما تتغير الحكومة.
أما بالنسبة لحزب الله والذي يرى البعض في لبنان وخارجه أنه مشكلة المشكلات. الحقيقة أنه لا يمكن تجاهل دوره في هذه المعادلة. فالسلاح خارج مؤسسات الدولة والدور الإقليمي للحزب شكّلا طوال سنوات أحد أهم العوائق أمام حصرية القرار السيادي، كما أثرا في علاقة لبنان بعدد من الدول العربية والغربية. وتراجع قدرة الحزب على فرض بعض المعادلات التي كانت قائمة سابقاً يفتح مجالاً مختلفاً أمام الدولة.
لكن تحويل حزب الله إلى التفسير الوحيد لأزمة لبنان سيكون تبسيطاً للمشكلة، فالمحاصصة والزبائنية وضعف الرقابة وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية ليست ظواهر بدأت مع الحزب، كما أنها لم تكن محصورة في جهة سياسية واحدة. هذه بنية أوسع استفادت منها قوى متعددة، وبقيت قائمة رغم تغير التحالفات والحكومات.
لذلك فإن تراجع نفوذ طرف سياسي، مهما كان حجمه، لا يؤدي تلقائياً إلى إصلاح الدولة. قد يغير ميزان القوى، لكنه لا يغير بالضرورة المؤسسات التي أنتجت المشكلات نفسها.
الأمر ذاته ينطبق على العلاقة مع دول الخليج. استعادة الثقة العربية تحتاج إلى أكثر من زيارات رسمية وتصريحات سياسية. الملفات التي تهم الدول العربية والمجتمع الدولي مرتبطة بقدرة الدولة اللبنانية على ضبط حدودها، مكافحة التهريب، حماية النظام المالي، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للاستثمار والعمل الاقتصادي.
لذلك فان الثقة العربية والدولية ستُقاس في النهاية بما يحدث داخل المؤسسات اللبنانية، ومن ذلك استقلال القضاء وفاعلية الأجهزة الرقابية والكفاءة في الإدارة العامة وضبط الإنفاق والمالية العامة، كلها ملفات ستحدد ما إذا كان التغيير السياسي الحالي قادراً على التحول إلى تغيير فعلي في طريقة إدارة الدولة.
وهذا يعني أن الإصلاح المطلوب من لبنان يجب أن لا يكون شكلياً، يمكن للمجتمع الدولي تقديم الدعم والخبرات والتمويل، لكنه لا يستطيع أن يحل مكان المؤسسات اللبنانية في تنفيذ الإصلاحات. وتجارب السنوات الماضية أظهرت أن المشكلة لم تكن دائماً في نقص الخطط أو الدراسات. ففي تقريره الأخير، يشير صندوق النقد إلى أن جهود إصلاح المالية العامة تعثرت لسنوات بسبب الجمود السياسي وضعف الدعم السياسي للإصلاحات البنيوية، رغم وجود برامج ومساعدات دولية سابقة.
وهنا تكمن الصعوبة الحقيقية أمام السلطة الحالية. بعض الإصلاحات التي يحتاجها لبنان ستؤثر في أشخاص ومؤسسات ومصالح تملك نفوذاً سياسياً. إصلاح التعيينات يقلص قدرة القوى السياسية على توزيع المواقع. تشديد الرقابة يحد من هامش المناورة. إصلاح القطاع المصرفي يعيد فتح ملف الخسائر والمسؤوليات. وتقوية القضاء والأجهزة الرقابية تعني عملياً إعطاء مؤسسات الدولة قدرة أكبر على مساءلة أصحاب النفوذ.
وعليه، فإن التغيير السياسي، مهما كان مهماً، لا يكفي وحده. لا يحتاج لبنان إلى تغيير الأشخاص فقط، ولا يمكن اختزال الإصلاح في حكومة أو رئيس أو حزب. المطلوب تغيير العلاقة بين السلطة والمؤسسات، بمعنى أن تصبح القوانين قابلة للتطبيق وأن تكون الرقابة قادرة على الوصول إلى الملفات الحساسة، وأن تقوم الإدارة على معايير مهنية أكثر من ارتباطها بموازين القوى.
وهذا هو الاختبار الفعلي للمرحلة الجديدة. ليس ما إذا كان لبنان قد غيّر طبقته الحاكمة بالكامل، لكن بمدى قدرته على منع الطبقة الجديدة، أياً كانت مكوناتها، من استخدام الأدوات القديمة نفسها.
