أفرزت الحرب الأخيرة في الخليج تداعيات لم تقتصر على الجوانب الأمنية والاقتصادية، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي الخليجي، حيث برزت مظاهر متزايدة من الاحتقان والاستقطاب في الفضاء العام، ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي. ومع بروز تباينات في مواقف بعض الحكومات الخليجية تجاه التعاطي مع الحرب وملفات إقليمية أخرى، انتقلت الخلافات السياسية إلى المستوى الشعبي ومنصات التواصل الاجتماعي، واتخذت في بعض الحالات أشكالاً من التخوين والشيطنة والتحريض على الكراهية تجاه دول أو شعوب بسبب مواقف حكوماتها. كما امتد هذا الخطاب أحياناً إلى فئات اجتماعية ومكونات وطنية داخل بعض دول الخليج استناداً إلى خلفيات مذهبية أو ثقافية أو قبلية، رغم عدم ارتباطها المباشر بتلك الخلافات.
ويمكن فهم هذا التحول في سياق أن الأزمات الحادة غالباً ما تسهم في إبراز الانقسامات الكامنة داخل المجتمعات، كما قد تعكس بصورة سلبية التباينات السياسية القائمة بين الدول والحكومات. وفي ظل أجواء الاستقطاب هذه، قد لا يقتصر الخلاف على السياسات والمواقف الرسمية، بل يمتد ليطال الشعوب والفئات الاجتماعية المرتبطة بها، وهو ما يحول الخلاف السياسي إلى حالة من التوتر والاستهداف القائم على الهويات والانتماءات الاجتماعية والوطنية.
وقد ساهمت مشاركة شخصيات عامة ومؤثرين وإعلاميين خليجيين وعرب، إضافة إلى أشخاص يُنظر إليهم على أنهم قريبون من دوائر صنع القرار في بلدانهم، في زيادة انتشار هذه الخطابات السلبية عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي بعض الحالات، أدى غياب مواقف رسمية واضحة تجاه خطاب الكراهية أو الدعوات إلى الحد منه إلى نشوء انطباعات متباينة بشأن مدى القبول أو التساهل مع هذا النوع من الخطاب في بعض الدول.
من المهم أن تلتفت إلى أن طبيعة منصات التواصل الاجتماعي عززت من هذه الديناميات وتأثيراتها السلبية. فخوارزميات المنصات الرقمية لا تعمل بوصفها أدوات محايدة لترتيب المحتوى، بل تؤثر في تشكيل أولويات النقاش العام من خلال آليات انتقائية. ونظراً إلى أن المحتوى المثير للجدل أو القادر على استثارة ردود فعل قوية يحقق عادة معدلات تفاعل أعلى بين الجمهور، فإنه يحظى بفرص أكبر للانتشار والوصول. وفي أوقات الأزمات والاستقطاب السياسي، قد يسهم ذلك في تضخيم حضور الخطابات المتشددة أو الإقصائية مقارنة بحجمها الفعلي على أرض الواقع، ويخلق انطباعاً بأنها أكثر انتشاراً وتأثيراً داخل المجتمع مما هي عليه في الواقع، بما يوسع دوائر الاستقطاب ويشجع على المزيد من التفاعل مع هذه الخطابات التصادمية، وبالنتيجة، يزيد من آثاؤها السلبية.
في المقابل، يثير تصاعد هذه الظاهرة أسئلة تتعلق بالتوازن بين ضرورة مكافحة خطاب الكراهية وحماية حرية الرأي والتعبير. فالنقاش العام حول القضايا السياسية المحلية والإقليمية أمر مطلوب ويمثل جزءاً طبيعياً من المجال العام، إلا أن التحدي يتمثل في الحد من الخطابات التي تستهدف الأفراد والجماعات والشعوب على أساس هوياتهم أو انتماءاتهم أو آرائهم حيال خلافات سياسية، من دون تقييد النقاش المشروع حول السياسات والقرارات العامة.
تشير تجارب خليجية سابقة إلى أن الخطابات المتشنجة التي رافقت أزمات سياسية سابقة بين دول الخليج لم تنتهِ آثارها بانتهاء تلك الأزمات. فعلى الرغم من عودة العلاقات الرسمية بين الدول إلى طبيعتها في عدد من الحالات، استمر بعض النفور والحساسيات الاجتماعية التي ترسخت خلال فترات التوتر أو حيال بعض الفاعلين الذين كان لهم دور سلبي إبان تلك الأزمات، وهو ما يعكس قدرة الخطاب العام على ترك آثار تتجاوز الظرف السياسي الذي نشأ فيه.
وفي هذا السياق، اتجهت بعض دول الخليج خلال السنوات الأخيرة إلى تبني سياسات أو تشريعات تستهدف الحد من خطاب الكراهية والتحريض. فقد صدرت في السعودية تحذيرات رسمية تؤكد مساءلة مروجي هذه الخطابات بغض النظر عن طبيعة الفئات المستهدفة. كما أصدرت سلطنة عُمان مؤخراً تشريعاً يتضمن أحكاماً تجرّم الأفعال أو الخطابات التي من شأنها الإضرار بعلاقات السلطنة مع الدول الشقيقة والصديقة. ولا يزال من المبكر تقييم الأثر العملي لهذه الإجراءات على مستوى الحد من خطاب الكراهية أو الاستقطاب الاجتماعي، إلا أنها تعكس إدراكاً متزايداً للمخاطر التي قد تترتب على تصاعد هذه الخطابات. وفي الوقت ذاته، يظل ضمان عدم تحول هذه التدابير إلى قيود على حرية التعبير أو النقد الموضوعي أحد التحديات الرئيسية التي يجب الحذر منها.
تكشف هذه التطورات أن إدارة آثار الأزمات الإقليمية يجب ألا تقتصر على الجوانب السياسية والأمنية، بل تشمل أيضاً معالجة الانعكاسات الاجتماعية التي تفرزها. فاستمرار الاستقطاب وخطابات التخوين والكراهية لفترات طويلة قد يترك آثاراً تتجاوز الأزمة نفسها وزمنها، ويؤثر في العلاقات بين مكونات المجتمع الواحد وشعوب المنطقة، حتى بعد انتهاء أسباب التوتر السياسي التي أدت إلى ظهورها.
وفي ضوء ذلك، تبدو الحاجة قائمة إلى مقاربات متوازنة تجمع بين حماية حرية التعبير والحد من خطاب الكراهية والتحريض، وتعزز التمييز بين النقد المشروع للسياسات واستهداف الجماعات البشرية. كما تبرز أهمية الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها المؤسسات الإعلامية والتعليمية، إلى جانب الجهات التنظيمية والفاعلين على منصات التواصل الاجتماعي، في الحد من انتشار المحتوى التحريضي وتعزيز ثقافة الحوار واحترام التعددية. وقد يسهم تبني مثل هذه المقاربات في الحد من الآثار الاجتماعية للاستقطاب، والحفاظ على الروابط المجتمعية بين شعوب الخليج خلال الأزمات وما بعدها.
