هل يمكن وصف علاقة الصين بالخليج وإيران باعتبارها معادلة متساوية الأضلاع؟ لا تبدو الإجابة سهلة دون اكتشاف الخيط الناظم الخفي لرؤية الصين لمنطقة الخليج. تتحرك الصين كما يبدو وفق معادلة غير متناظرة في التعامل بين الطرفين مصحوبة بحسابات الطاقة والممرّات والاستثمارات المتنوعة، جنبا الى جنب مع حسابات المخاطر في بيئة شديدة التعقيد والتداخلات والعقوبات الدولية على طرف، ومع وجود قواعد عسكرية ونفوذ تاريخي للولايات المتحدة.
منذ اتفاق بجين بين السعودية وإيران في مارس/آذار 2023، بدا أن الصين فتحت لنفسها باباً جديداً إلى الشرق الأوسط. فهي لم تعد تظهر فقط بوصفها المشتري الأكبر للطاقة، بل بوصفها قوة قادرة على جمع خصمين كبيرين حول طاولة واحدة. ومع إعلان البيان الثلاثي في حينه استئناف العلاقات الدبلوماسية، إعادة فتح السفارات، الالتزام باحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كانت الصين تشق طريقها نحو حضور سياسي وازن تجلت قيمته في أن بيجين أظهرت أنها تتقن فن التحرك الدبلوماسي حين تلتقي مصالح الأطراف عند نقطة التهدئة.
كانت السعودية عشية الوساطة الصينية تواقة لخفض التوتر مع إيران التي كانت بدورها تحثّ الخطى لكسر عزلتها الإقليمية. هنا انتهزت الصين الفرصة وهي تضع نصب عينيها الحفاظ على أمن الممرات والتدفق الحرّ للطاقة.
وبين الولايات المتحدة التي ذهبت إلى اتفاق مع إيران عام 2015 دون استشارة حلفائها في دول الخليج عقب عقود من السياسات الهادفة لتعميق الخلافات بينها وبين إيران، وبين الصين التي دخلت المنطقة لتصنع نفوذا سياسيا متدرجا من بوابة التشابك الاقتصادي واختبار حدود التقارب وإدارة الخلافات بشكل هادئ بما يضمن استقرارا نسبيا مناسبا للاستثمار، يبرز الفرق الجوهري بين الرؤية الصينية التي تقوم على صناعة النفوذ الهادئ متجنبة ارتداء خوذة الشرطي وبين الولايات المتحدة التي أسست نفوذها على عسكرة المنطقة وخلق نزاعات وتوترات واسهمت في تحويل المنطقة إلى أكبر سوق عالمي لشراء الأسلحة.
لم تعد إشكالية النموذج الصيني محصورة في التباين الدبلوماسي أو السياسي مع الولايات المتحدة فحسب، بل تجاوزت ذلك لتكشف عن خلل بنيوي في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة والقائمة على منح نفسها تفويضاً مطلقاً للهيمنة، ما يجعل من تمددها العسكري عبئاً استراتيجياً يرتدّ سلباً على مصالح حلفائها عند أول اختبار حقيقي. وكما فعل أوباما في اتفاقه مع إيران على غير علم دول الخليج، ذهب ترمب هو الآخر الى الحرب دون استشارة دول الخليج أيضًا، غير عابئ بمصالح حلفائه ولا بالمخاطر المتأتية على اقتصاديات وأمن شعوب دول الخليج من حربه على إيران ما يكشف عن نمط متجذر في الإدارات الأمريكية المتعاقبة يتجاوز التباينات الحزبية في البيت الأبيض. هذا المسلك يكشف عقيدة سياسية ترى في دول الخليج رصيداً مضموناً يمكن المغامرة به، وتوظيفه في أجندات واشنطن دون مراعاة لأدنى استحقاقات الشراكة الاستراتيجية.
رغم ذلك تجلّت محدودية التأثير الأمريكي في الأزمات الإقليمية حين اضطر ترمب إلى استحضار الدور الصيني كوسيط للضغط على طهران لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً. استجابة الجانب الصيني لهذا الملف جسّد حقيقة مفادها، أن الصين، رغم شراكتها المتينة مع طهران إلا أن مصالحها الحيوية تتقاطع مع استقرار ممر الطاقة، فهي وإن كانت تحتاج إلى إيران، إلا أنها بحاجة قصوى إلى ضمان التدفق الحرّ للنفط.
وهكذا، تتبدى إيران في الحساب الصيني كحليف محدود، لا مطلق. في زمن العقوبات والسلم البارد، تفيد إيران بجين. تمنحها نفطاً مخفّضاً، وتوفر لها ورقة في مواجهة النفوذ الأمريكي، وتفتح هامشاً إضافياً في لعبة التوازنات الكبرى.
لكن حين يقترب الخطر من الملاحة والطاقة، يمكن لإيران نفسها أن تتحول إلى عبء. فالصين التي تستفيد من النفط الإيراني لا تريد أن يصبح هذا النفط سبباً في رفع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتباك المصانع التي يقوم عليها صعودها.
ولهذا لم تتجاوز العلاقة مع إيران بالنسبة للصين أكثر منها علاقة منفعة تحت الضغط: عقوبات، خصومات، شبكات شحن معقدة، ومسارات مالية حذرة. وبالتالي ليست شراكة مفتوحة على المؤسسات والأسواق وذلك بالمقارنة بدول الخليج، حيث تمتد الروابط معها إلى الطاقة والموانئ والتقنية والاستثمار والتمويل والبنية التحتية والاستهلاك.
يستخلص مما سبق أن الصين تنتهج استراتيجية التوازن الحذر. فهي تتبنى سياسة اقتصادية تميل كفتها نحو الخليج، بينما تحتفظ بعلاقة أمنية مع إيران تتيح لها توظيف نفوذها دون أن تتحمل التبعات الجيوسياسية المترتبة على ذلك إلاّ أن هذه الاستراتيجية سرعان ما تصطدم بواقع محدوديتها، فبجين تجد نفسها عاجزة حين تتحول لغة الصراع من أروقة السياسة إلى لغة الصواريخ، وتصبح خطوط الملاحة والموانئ الاستراتيجية رهينةً للاضطرابات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي: أي نوع من النفوذ تبنيه الصين في الخليج؟
الجواب الأقرب للمنطق أنها تبني نظام نفوذ، لا نظام حماية. نفوذ يقوم على التجارة والتكنولوجيا والاستثمار والطاقة والدبلوماسية الهادئة. أما الحماية فتحتاج إلى قواعد وأساطيل والتزامات دفاعية. وهذه أدوات ما زالت الصين بعيدة عن استخدامها في الخليج بالطريقة الأمريكية، وربما لا ترغب في استخدامها أصلاً ما دام بإمكانها تحصيل المكاسب من دون دفع فواتير باهظة.
تجد دول الخليج نفسها اليوم أمام معادلة مركبة تمنحها هوامش أوسع للمناورة، وتؤكد في الوقت ذاته أن العالم لم يعد يدور في فلك الأحادية الأمريكية، فالتوجه نحو بجين يمثل فرصة لتعزيز الشراكات الاقتصادية ونقل التكنولوجيا وموازنة الضغوط الخارجية. ومع ذلك، يظل هذا التنويع الاستراتيجي محفوفاً بمخاطر سوء التقدير، فالصين وإن بدت شريكاً اقتصادياً لا غنى عنه، إلا أنها لم تكتسب بعد صفة الضامن الأمني القادر على الحماية في لحظات الصدام الكبرى.
من هذا المنطلق، تبرز دلالات اتفاق بكين لعام 2023 بحدودها الواقعية، إذ أثبتت الصين قدرةً فائقة على لعب دور الوسيط متى التقت المصالح الإقليمية عند نقطة التهدئة، لكنها عجزت عن تأسيس منظومة ردع أمني مستدامة أو تقديم بديل استراتيجي متكامل عن المظلة الأمريكية.
أما عن آفاق هذه العلاقة الصينية الإيرانية الخليجية، فهي تتأرجح بين ثلاثة مسارات: أولها، استمرار التحوط غير المتماثل القائم على تعميق المصالح الاقتصادية مع الخليج مع الإبقاء على قنوات تواصل مفتوحة مع طهران. وثانيها، احتمالية انحياز صيني أكثر وضوحاً نحو دول الخليج في حال تهديد طهران المستمر لأمن الملاحة في مضيق هرمز. أما المسار الثالث، فيتمثل في توسع الدور الصيني ليشمل أمن الطاقة ليس عبر القواعد العسكرية بل من خلال الضغط الدبلوماسي والضمانات الاقتصادية، وربما الانخراط في هندسة أطر أمنية إقليمية تدمج إيران في النظام الاقتصادي الدولي حال التوصل إلى تسويات كبرى لاحقة.
