يصعب النظر إلى حرب الخليج الحالية التي بدأت بالهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، من دون أن تستدعي الذاكرة حرب الخليج الأولى، التي أشعلتها الهجمة الجوية العراقية على إيران في سبتمبر 1980، ثم امتدت لثماني سنوات. بالطبع، ليست الحربان واحدة؛ الأطراف مختلفة وموازين القوى تغيرت، كذلك أدوات الحرب وحجم الحضور الدولي فيها. لكن ثمة مشاهد مألوفة بصورة يصعب تجاهلها: ناقلات النفط، الألغام البحرية، الأساطيل الغربية، تهديد الملاحة، دول الخليج التي تجد نفسها مرة أخرى بين الجغرافيا والتحالفات، ثم ذلك البحث المتكرر عن مخرج سياسي يستطيع كل طرف أن يعود به إلى جمهوره ويقول: انتصرنا.
الألغام البحرية هي ليست أداة جديدة في الحسابات الإيرانية. خلال “حرب الناقلات” في الثمانينيات، نقلت طهران جزءًا من المواجهة إلى مياه الخليج واستهدفت الملاحة المرتبطة بدول الخليج الداعمة للعراق، وفي مقدمتها الكويت والسعودية، مستخدمة الألغام والزوارق السريعة وغيرها من أدوات الضغط. في سبتمبر 1987، ضبطت القوات الأمريكية السفينة الإيرانية Iran Ajr وهي تزرع ألغامًا قرب مسارات الملاحة، ثم جاءت الحادثة الأشهر في أبريل 1988 عندما اصطدمت الفرقاطة الأمريكية USS Samuel B. Roberts بلغم إيراني، لترد واشنطن بعد ذلك بعملية عسكرية واسعة ضد أهداف إيرانية. ولم تكن الفكرة الإيرانية آنذاك إيقاف “النفط العراقي” عند مضيق هرمز بقدر ما كانت أبسط من ذلك: إذا كانت دول أخرى تساعد بغداد على مواصلة الحرب، فلماذا تبقى كلفة هذه الحرب داخل الحدود الإيرانية والعراقية فقط؟
هنا تبدو المقارنة أكثر دلالة، لا في الألغام نفسها. فإيران التي لم واجهت صعوبة في مجاراة خصمها في كل أدوات القوة التقليدية، عوضت جانبًا من ذلك بالكثافة، وفي بعض مراحل الحرب كان العنصر البشري نفسه جزءًا من هذه المعادلة، مع الاعتماد على أعداد كبيرة من قوات الحرس والباسيج في الهجمات. اليوم تغيرت الأدوات، أصبحت المعادلة أقل كلفة بشريًا بالنسبة إلى طهران؛ فالمسيّرة أحادية الاستخدام تستطيع أن تؤدي جانبًا من وظيفة الاستنزاف نفسها، إذ تُطلق بأعداد كبيرة وتجبر الخصم على استخدام منظومات وذخائر أعلى كلفة لاعتراضها، وإذا سقطت فلا خسائر بشرية. بالطبع، لا يمكن مساواة الأمرين، لا عسكريًا ولا إنسانيًا، لكن من الصعب أيضًا تجاهل التشابه في طريقة التفكير: حين يصعب عليك التفوق على خصمك في القوة، حاول على الأقل أن تجعل استخدامه لهذه القوة أكثر كلفة.
ارقعة اللعب اليوم تبدو أكبر، في الثمانينيات تركز الضغط البحري الإيراني في الخليج ومضيق هرمز، أما اليوم فهناك شبكة من القوى المتحالفة مع إيران تستطيع أن تمد أثر الصراع إلى البحر الأحمر وباب المندب، كما فعل الحوثيون مرارًا مع الملاحة، وبذلك لم تعد ورقة تعطيل التجارة مرتبطة بهرمز وحده. لكن هذه الورقة تحمل تناقضًا يصعب تجاهله؛ فكلما نجحت إيران وحلفاؤها في تحويل هرمز والبحر الأحمر إلى مشكلة للاقتصاد العالمي، أصبح من الصعب إبقاء الصراع في خانة “إيران وخصومها”. عند نقطة ما، يبدأ المتضررون من اضطراب التجارة والطاقة في النظر إلى أدوات الضغط الإيرانية نفسها باعتبارها مشكلتهم هم أيضًا.
يعيدنا هذا، بطريقة ما، إلى الثمانينيات. فالولايات المتحدة لم تدخل الحرب العراقية – الإيرانية بوصفها طرفًا مباشرًا، لكن حرب الناقلات سحبتها تدريجيًا إلى الخليج. وفي 1987 بدأت عملية Earnest Willوأعيد تسجيل ناقلات كويتية تحت العلم الأمريكي لتتولى البحرية الأمريكية مرافقتها، ثم توسعت المهمة من مرافقة الناقلات إلى مكافحة الألغام، وصولًا إلى اشتباكات مباشرة مع الإيرانيين. شاركت دول أوروبية أيضًا في تأمين الملاحة، وإن لم تتحرك جميعها تحت قيادة أمريكية واحدة. الفارق مع اليوم لا ينحصر في أن الغرب كان كتلة متماسكة في الثمانينيات، فقد كانت هناك خلافات أيضًا، لكن لأن تعريف المهمة كان أسهل: يمكنك أن تعارض الحرب العراقية-الإيرانية، وألا تكون حليفًا لبغداد أو طهران، ثم تقول في الوقت نفسه إن إبقاء الخليج مفتوحًا أمام الملاحة الدولية مصلحة مستقلة. اليوم أصبح هذا الفصل أكثر صعوبة، لأن الولايات المتحدة نفسها طرف مباشر في الحرب، ولذلك فإن عبارة تبدو بسيطة مثل “حماية الملاحة” تحمل معها سؤالًا سياسيًا أكبر: أين تنتهي حماية التجارة، وأين تبدأ المشاركة في حرب واشنطن؟
الصين أيضًا لم تعد الصين التي عرفتها حرب الثمانينيات. خلال الحرب العراقية-الإيرانية تصرفت بكين إلى حد بعيد كتاجر سلاح براغماتي وباعت للطرفين، أما اليوم فهي أكبر مشترٍ للنفط الإيراني بفارق كبير، وتشير تقديرات أمريكية إلى أنها تستوعب أكثر من 90% من صادرات طهران. هذا لا يجعل الصين حليفًا عسكريًا لإيران، ولا يعني أنها مستعدة لتحمل كلفة حرب من أجلها؛ فالمصالح الصينية مع دول الخليج الأخرى أكبر بكثير مما قد يوحي به التركيز على علاقتها بطهران. لكنه يعني أن إيران اليوم تملك منفذًا اقتصاديًا مهمًا لم يكن موجودًا بهذا الوزن في الثمانينيات، ولذلك فإن افتراض أن الضغط العسكري سيترجم سريعًا وبصورة مباشرة إلى اختناق اقتصادي إيراني يحتاج إلى شيء من الحذر.
سوق النفط أيضًا تغيرت. إحدى مفارقات حرب الناقلات أن الخليج كان يحترق، بينما كان سوق النفط العالمي يعاني في منتصف الثمانينيات من وفرة كبيرة في المعروض، فانخفضت الأسعار بشدة، ولم تكن الحرب كافية وحدها لقلب معادلة السوق. اليوم يكفي أحيانًا أن يرتفع احتمال تعطل هرمز كي تتحرك أسعار الخام والشحن والتأمين قبل أن يتوقف برميل واحد فعليًا عن العبور. ومع انتقال الضغط أيضًا إلى البحر الأحمر، تصبح كلفة المخاطر أسرع في الوصول إلى المستهلك والأسواق، وهو ما يمنح إيران قدرة أكبر على تدويل الكلفة الاقتصادية للصراع حتى لو ظل تدويله السياسي أكثر تعقيدًا.
وبذلك نصل إلى الجزء الذي أراه أكثر إثارة للاهتمام في الحرب الحالية: مذكرة إسلام آباد. وقعت الولايات المتحدة وإيران المذكرة في يونيو الماضي، بعد أشهر من الحرب، وقدمت في حينها مخرجًا بدا قابلًا لأن يتعايش معه الطرفان. ليست بالطبع قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن ولا يمكن مساواتها قانونيًا بقرار مثل 598، لكن ما يهم هنا ليس الشكل القانوني بقدر الوظيفة السياسية التي أدتها. وفرت الإتفاقية للطرفين مخرجًا يستطيع كلاهما أن يسميه انتصارًا. كان بإمكان إيران أن تقول إنها صمدت أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وإن القوة العسكرية لم تسقط النظام ولم تجبره على الاستسلام، وإن خصومها اضطروا في النهاية إلى الجلوس معها والتفاوض. بالتوازي، كان بإمكان واشنطن، في المقابل، أن تقول إنها استخدمت القوة لإعادة إيران إلى التفاوض، وإنها فرضت ترتيبات جديدة تتعلق بالحرب والملاحة والأمن الإقليمي.
لا يمكن القول إن الروايتين صحيحتان بالضرورة؛ وقد لا يكون هذا مهمًا، فالسياسة – لحسن الحظ أحيانًا ولسوئه أحيانًا أخرى – لا تشترط أن يخسر أحد الطرفين بوضوح حتى يستطيع الآخر إعلان النصر. لكن المخرج لم يصمد، وعادت الحرب.
وهنا تحديدًا يصبح عام 1987 مثيرًا للاهتمام. ففي يوليو من ذلك العام أصدر مجلس الأمن القرار 598 وطالب بوقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود المعترف بها. أعلن العراق قبوله وتمنعت إيران في ذلك الوقت، ليستمر القتال عامًا آخر. كان منطق طهران مفهومًا في تلك اللحظة: بعد سبع سنوات من الحرب، لماذا تقبل الآن إذا كان في الإمكان القتال قليلًا وتحسين الشروط؟ المشكلة أن السنة الإضافية لم تحسن الشروط. استعاد العراق شبه جزيرة الفاو في أبريل 1988، ثم توالت الانتكاسات الإيرانية على الجبهة، وفي الخليج أصبحت المواجهة مع الولايات المتحدة أكثر مباشرة. وفي يوليو من العام نفسه، قبلت إيران أخيرًا القرار الذي كان مطروحًا قبل عام. لم يكن هناك عرض دبلوماسي سحري جديد؛ الذي تغير أساسًا هو كلفة الاستمرار.
حين دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أغسطس 1988، لم يكن أي من الطرفين قد خرج بمكسب جغرافي يفسر ثماني سنوات من القتال ومئات الآلاف من القتلى، وبعد نحو عامين، عادت الترتيبات الحدودية في جوهرها إلى نقطة قريبة جدًا من المكان الذي بدأت منه الحرب. لكن هذا لا يعني أن كل شيء عاد إلى مكانه. الحدود عادت لكن المنطقة لم تعد، تغيرت علاقة إيران بالعراق وتغيرت علاقتها بدول الخليج، وترسخ الوجود العسكري الأمريكي بصورة مختلفة، وأصبحت مياه الخليج جزءًا من معادلة أمن دولية أوسع. أي أن الحرب التي انتهت تقريبًا من حيث بدأت جغرافيًا، تركت وراءها إقليمًا مختلفًا تمامًا.
يجب أن نكون حذرين من المقارنة السهلة. العام 2026 ليس العام 1988، وإيران اليوم ليست إيران الثمانينيات، والولايات المتحدة ليست في الموقع نفسه، ولا أعتقد أن التاريخ يعمل بطريقة “كلاكيت” حرفية تعيد المشهد نفسه مع ممثلين مختلفين. لكن التاريخ أحيانًا يعيد المعضلة، وإن لم يعد المشهد. في 1987 كان أمام إيران مخرج لم ترَ أنها مضطرة إلى أخذه، فاستمرت عامًا آخر لأنها اعتقدت، أو أملت، أن استمرار القتال سيعطيها شروطًا أفضل، ثم عادت بعد عام إلى مخرج قريب منه، لكن بعد أن دفعت ثمن سنة إضافية من الحرب. تطرح مذكرة إسلام آباد السؤال نفسه، وهذه المرة على جميع الأطراف لا إيران وحدها. إذا كان قد وُجد بالفعل اتفاق يستطيع كل طرف أن يخرج منه، ويقف أمام جمهوره ويروي ما حدث باعتباره انتصارًا، فما المكسب الإضافي الذي تستحق محاولة الحصول عليه الآن استمرار الحرب؟ وكم ستكون كلفته؟ ربما كانت إحدى مشكلات الحروب أننا نفترض دائمًا أن أصعب شيء فيها هو العثور على المخرج. هذا ليس صحيحًا بالضرورة. أحيانًا، يكون المخرج أمام الجميع لكن الأطراف تمر بجانبه لأنها لا تزال تعتقد أن الجولة التالية ستمنحها مخرجًا أفضل. وقد تفعل، وقد تعيدها بعد أشهر أو سنوات وفاتورة أكبر إلى الباب نفسه.
