في 28 فبراير 2026، كان الهدف الأمريكي الإسرائيلي المعلن من الحرب على إيران يتمحور حول تدمير البرنامج النووي الإيراني، إضعاف القدرات العسكرية وشبكات الوكلاء، وصولًا إلى مراهنة كبرى، أقنع الإسرائيليون الحلفاء بها، ملخصها أن النظام الإيراني سيسقط.
بعد ستة أشهر، نحن أمام تحول دراماتيكي في جوهر الصراع، انتقلنا من خلاله إلى فضاء مختلف تمامًا، ويتمحور بشكل كامل، حول حركة الملاحة في مضيق هرمز؛ واقعها ومستقبلها. هذه النقلة مهمة جدًا لأنها تعني أن الحرب فشلت حتى الآن في تحقيق نهايتها وفق السيناريو الذي بدأت فيه، لقد تحولت من حرب لإعادة تشكيل إيران إلى حرب حول شروط عمل النظامين الاقتصادي والأمني في الخليج.
الذي عرفناه حتى الآن، هو أن الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة انتصارًا استراتيجيًا. تلقت إيران ضربات موجعة، قُتل المرشد الأعلى للثورة السيد علي خامنئي وكبار القادة العسكريين في اليوم الأول للحرب، البنية العسكرية تضررت، صادرات النفط الإيرانية تراجعت بنحو 85% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب والريال الإيراني يواصل النزيف. رغم ذلك، النظام لا يزال متماسكًا، والأهم من ذلك، هو أن طهران لا تزال قادرة على فرض كلفة إقليمية وازنة من خلال الصواريخ والمسيّرات التي تصيب السفن المارة من مضيق هرمز. التجربة الفنزويلية التي تحقق فيها الرئيس ترامب نجاحًا منقطع النظير لم تتكرر هنا، صحيح أن القوة العظمى في العالم، وحليفتها الأقوى إقليميًا “إسرائيل”، نجحتا في تدمير جزء لا يستهان به من قدرات إيران، لكنهما عجزا عن إسقاط النظام أو حتى في تغيير سلوكه السياسي.
ورغم تكرار الرئيس ترامب بإسهاب عن منجزات الحرب والقضاء على البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن أحد أكثر التحولات دلالة هو أن واشنطن انتقلت فعليًا إلى أولويات أكثر تواضعًا وإلحاحًا، ونقطة الارتكاز تبقى ثابتة عند إعادة تصدير النفط والغاز عبر هرمز وخفض أسعار الوقود. ومع اقتراب الانتخابات النصفية في الكونجرس وتراجع التأييد الشعبي بين الأمريكيين للحرب إلى نحو 31%، أصبحت كلفة الحرب على إيران جزءًا من حساباتها. يشمل ذلك حزمة العقوبات الجديدة التي أعلن عنها هذا الأسبوع، فقد جاءت العقوبات أقل حدة مما كان متوقعًا.
إيران لا تريد عودة الحرب، وهي دون شك منهكة ومتعبة. رغم ذلك، هي تؤمن بأن تماسكها وقدرتها على إيذاء النظام الاقتصادي المحيط بها، كفيلان بخروجها من الأزمة بما يساعدها على إعادة الإعمار ومعالجة جزء من مشاكلها الداخلية المتفاقمة. لا تستطيع إيران الانتصار على الولايات المتحدة وإسرائيل، وما تقوم به في مضيق هرمز أو عبر استهداف دول الخليج لا يمكن تصنيفه باعتباره مجرد أعمال انتقامية متفرقة؛ هي سياسة تقوم على توسيع الكلفة على الجميع حتى ينضج الحل السياسي الذي تنتظره وتبحث عنه أكثر من أي طرف آخر.
بالنسبة لدول الخليج، ولعقود، ارتكز التصور الأمني الخليجي على أن القواعد الأمريكية تردع إيران وتحمي دول المجلس. هذه الحرب كشفت الجانب الآخر من المعادلة، وهو أن وجود تلك القواعد يجعل دول الخليج، باستثناء عُمان، جزءًا من مسرح الحرب الأمريكية الإيرانية. ورغم أن دول الخليج لا تجد بديلًا للاستمرار والمضي في هذا التحالف والاعتماد على الأمريكيين، يبدو النقاش حول جدوى إعادة بناء بعض المنشآت والقواعد الأمريكية الكبيرة في الخليج محتدمًا في واشنطن، وصادمًا للعواصم الخليجية، خصوصًا ما يتعلق بالقواعد الأمريكية في الكويت وقطر والبحرين، التي اتضح للأمريكيين أنها قواعد مكشوفة أمام صواريخ إيران ومسيّراتها. وإذا كانت الكويت وقطر ستتكفلان بكلفة إعادة بناء هذه القواعد، فإن قدرة البحرين على فعل ذلك مشكوك فيها.
وفي ظل أن لا وجود لرؤية خليجية مشتركة للموقف الراهن، تتعمق الإشكالية وتزداد ضبابية الصورة. تتصرف الإمارات بازدواجية وتأرجح بين مسار الدولة المرتبطة بتحالف جاد وعميق مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، وبين الدولة الصائدة للفرص الاقتصادية. مؤخرًا، ذهبت الإمارات إلى وقف التعاملات المالية والاقتصادية مع إيران بعد التصعيد الأخير، قبل ذلك، كانت الإمارات ذاتها من أعادت رحلات الطيران بين دبي وطهران، ما يشي بأن أبوظبي باتت تتبنى مواقف متأرجحة بمراهنات مفتوحة على شتى السيناريوهات المحتملة. وبالنتيجة، لقد فقد الإماراتيون جزءً معتبرًا من ثقتهم في واشنطن وتل أبيب.
السعودية التي كانت تبدو أكثر ميلًا لردع طهران، سرعان ما تراجعت خشية الانزلاق إلى حرب مباشرة مع إيران أو حلفائها في العراق واليمن. قبالة ذلك، تقف عُمان بين مطرقة الرئيس ترامب الذي كرر تهديداته لمسقط مرتين متتاليتين وبين سندان الحرس الثوري الذي يرفض الاستجابة لشروط واشنطن. بالنسبة لقطر، تبدو الدوحة التي خفضت مؤخرًا موازناتها المالية لبعض الإدارات بنحو 30% وللمساعدات الخارجية بنحو 85%، الأكثر تضررًا، إذ لا تجد لغازها المسال منفذًا بديلًا عن المضيق المغلق. بالنسبة للكويت والبحرين، تتموضع الدولتان في هامش إدارة الأزمة داخليًا لا المشاركة في صناعة يومياتها أو تحديد مآلاتها. وكمحصلة، يمكن القول أن هذه الأزمة، اختبرت إمكانية دول الخليج الاعتماد على سياسة أمنية خليجية موحدة، وأن نتيجة الاختبار كانت فشلًا ذريعًا.
إسرائيل التي دخلت الخليج باعتبارها شريكًا أمنيًا واعدًا لدول الخليج في مواجهة إيران، أصبحت جزءًا من المعضلة الأمنية في الخليج. كانت المساهمة الإسرائيلية في حرب الخليج بالغة الأذى على إيران، لكنها بالتوازي، لم تمنح دول الخليج في دفاعها عن سيادتها أراضيها، أي أفضلية ما خلا بعض المضادات التي سلمتها للإمارات. يمكن اعتبار إسرائيل أكثر الرابحين في هذه الحرب، استطاعت تل أبيب إشعال حرب تقودها الولايات المتحدة بجيشها الذي أصبح يعاني من نقص الذخيرة، وتكتوي بنيرانها، عسكريًا واقتصاديًا، عواصم الخليج. وفي لحظة ما، خرجت تل أبيب من الحرب بهدوء وتركت المسرح لبقية الحلفاء للاستمرار فيها منفردين.
رغم ذلك، تدرك دول الخليج اليوم فشل استراتيجية “المعسكر الإسرائيلي الخليجي”، دلالة ذلك على الأقل، لجوء السعودية لبناء تحالف واتفاقية دفاعية فريدة من نوعها، الشركاء فيها هم تركيا وباكستان، وليس تل أبيب، كما كان المطلوب منها أمريكيًا. المناورة السعودية ليست عملية استبدال للتحالف مع الولايات المتحدة، لكنها انتقال بارد من المراهنة على الحليف الواحد إلى شبكة من الحلفاء.
اليوم، لا سبيل إلى عودة مضيق هرمز إلى ما قبل 28 من فبراير. لقد تغيرت إعدادات المنطقة وخارطتها. المطلوب الآن، سواءً في واشنطن أو طهران، هو أن تنتهي هذه المعركة “بلا هزيمة”. السيناريو الأرجح، هو أننا أمام مرحلة تسويات هشة وتصعيدات محسوبة. يجب على أي تسوية لهذا الوضع المعقد أن تجيب على أسئلة لم يعد بالإمكان تجاهلها: من يضمن الملاحة في المضيق؟ ما حدود الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؟ ما الضمانات التي تحصل عليها إيران مقابل عدم تعطيل الطاقة؟ كيف تُحمى دول الخليج سيادتها وأراضيها؟ وكيف تتخارج الولايات المتحدة وإيران من الحرب دون هزيمة؟
حطمت هذه الحرب توازنات الدول والنظام الذي كان قائمًا في الخليج، إيران لم تعد قابلة للاحتواء، الولايات المتحدة لا تريد تقديم الحماية لدول الخليج ومضيق هرمز على مدار العام، إسرائيل فقدت اندفاعتها وحماستها بأنها القادرة على إعادة إنتاج الإقليم وفق ما تريد، وأخيرًا، دول الخليج لم تعد متسقة في سياساتها أو متفقة على ما يجب عليها أن تفعل.
في المحصلة، لم تغيّر الحرب إيران كما أراد خصومها، لكنها غيّرت الخليج على نحو بات من الصعب إصلاحه من جديد.
