لطالما اعتاد العالم قراءة مشهد الخليج من زاوية ضيقة تنحصر في أسعار النفط، فإن ارتفعت انتعشت الميزانيات، وإن تراجعت اضطربت الحسابات. لكن هذا المنظور لم يعد صالحاً لمواجهة تعقيدات اليوم. فالأزمات المتراكمة حول إيران ومضيق هرمز تفرض واقعاً يتجاوز قيمة البرميل، لتصبح الأسئلة الحقيقية متعلقة بمدى تأمين الممرات المائية وقدرة السفن على العبور وكلفة التغطية التأمينية، كذلك مدى مرونة القطاع المصرفي في امتصاص الصدمات، فضلاً عن استمرارية حركة الطيران وسلاسل الإمداد في ظل أجواء مشحونة بالتوتر.
ضمن هذا المنظور، لم يعد التحدي كامناً في إدارة اقتصاد نفطي فحسب، بما يصل إلى صياغة اقتصاد أكثر مرونة. فالوفرة المالية، على أهميتها، لا تملك القدرة على فتح ممر مائي مغلق، ولا يمكنها طمأنة خطوط الملاحة المتخوفة، أو خفض كلف التأمين عندما تصبح الجغرافيا بحد ذاتها مصدر تهديد. المرونة الحقيقية تكمن في قدرة الدولة على إبقاء مفاصلها الحيوية نشطة تحت الضغط، من استمرار التصدير والتدفقات المالية وتأمين الموانئ والمطارات، والحفاظ على مستويات الثقة والخدمات غير النفطية، حتى لو تحول البحر نفسه إلى ساحة للصراع.
يظل مضيق هرمز العقدة والحل في آن معاً. إذ تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً عبرت هذا الممر في عام 2025، في ظل بدائل محدودة تتركز أساساً في السعودية والإمارات بطاقة استيعابية تتراوح بين 3.5 و5.5 مليون برميل يومياً. وتتجه نحو 80% من هذه الشحنات النفطية إلى الأسواق الآسيوية، يضاف إليها ما يفوق 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، حيث تعتمد قطر بنسبة 93% على هذا الشريان لتصدير غازها.
وتعزز بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية هذا المشهد المعقد، إذ توضح أن نحو خُمس تجارة الغاز المسال العالمية عبرت هرمز في عام 2024، وكان جلها من قطر بمتوسط صادرات يومية ناهز 9.3 مليار قدم مكعبة، مقابل نحو 0.7 مليار قدم مكعبة للإمارات، حيث استقطبت الأسواق الآسيوية، لاسيما الصين والهند وكوريا الجنوبية، نحو 83% من تلك التدفقات الحيوية.
إن هذه المؤشرات الرقمية تتجاوز البعد الجغرافي البسيط لترسم خارطة تفاوت في درجات الهشاشة الخليجية. فالسعودية والإمارات تمتلكان هوامش مناورة تشغيلية بفضل خطوط أنابيب تتيح لهما تجاوز هرمز جزئياً. في المقابل، تتمتع قطر بقوة مالية هائلة ومكانة محورية في سوق الغاز العالمي لكنها تظل مكشوفة جغرافياً لعدم وجود بدائل لوجستية عملية للمضيق. أما الكويت، فرغم ملاءتها المالية المتينة، إلا أنها تظل معتمدة كلياً على هذا الممر لتصدير نفطها.
بناءً على ذلك، لم تعد الوفرة النفطية وحدها مقياساً لقدرة الدول على الصمود في الأزمات. إن الدولة الأكثر مرونة هي تلك التي تنجح في صياغة مزيج ذكي يجمع بين الاحتياطيات النقدية والبنية التحتية البديلة والمؤسسات القادرة على اتخاذ القرارات السريعة والحاسمة. فالإدارة الاستراتيجية في السعودية، على سبيل المثال، تستفيد من خط أنابيب “شرق – غرب” لربط حقول النفط بموانئ البحر الأحمر، مما يمنحها ميزة الالتفاف الجزئي حول هرمز. وبالمثل، توظف الإمارات خط أنابيب “حبشان – الفجيرة” لتعزيز قدرتها اللوجستية بعيداً عن المضيق، بالتزامن مع تسريع وتيرة المشاريع الاستراتيجية الرامية لتأمين سلاسل التصدير خارج مناطق الاختناق البحري.
ومع ذلك، لا تقتصر تداعيات النزاعات على سيناريو الإغلاق التام للممرات المائية، فالضرر الاقتصادي يتحقق بمجرد ارتفاع كلف الشحن والتأمين، وتحول مسارات السفن، وإعادة تسعير المخاطر من قِبل المستثمرين. فالحرب لا تضرب ميدانياً فحسب، بل يمتد أثرها عبر شروط التمويل وحالة الحذر السائدة في المؤسسات المالية واللوجستية.
من هنا، يبرز التنويع الاقتصادي كسلاح ذي حدين، فبقدر ما نجحت دول الخليج في بناء قطاعات حيوية كالسياحة والطيران والخدمات المالية واللوجستية لتقليل الاعتماد على النفط، تظل هذه القطاعات شديدة الحساسية لعنصر الثقة والاستقرار الجيوسياسي. لذا، يحتاج الخليج إلى إعادة تعريف التنويع، فإذا كانت القطاعات التنموية تنكمش مع أول هزة أمنية، فإن التنويع هنا لا يعدو كونه نقلاً للهشاشة الهيكلية من قطاع النفط إلى قطاعات أخرى بدلاً من إنهائها.
وفي الأزمات الممتدة، يبرز الدور الدفاعي للصناديق السيادية كشريان حياة لتمويل العجز ودعم السيولة المحلية، شريطة مرونة تعبئتها دون تقويض أهداف الاستثمار طويل الأجل. أما سياسة ربط العملات بالدولار، فبينما تمنح الاستقرار النقدي، فإنها تقيد السياسة النقدية بإيقاع الاحتياطي الفيدرالي، مما يجعل إدارة السيولة بالغة الحساسية لأي ضغوط ائتمانية. ومع ذلك، يمتلك الاقتصاد الخليجي خبرة تراكمية صلبة في إدارة الأزمات الإقليمية، لكن التحدي الراهن يكمن في طبيعة الصدمة “المركبة” التي تختبر قطاعات الطاقة والممرات والتأمين والطيران والأمن السيبراني بشكل متزامن.
تأسيساً على ذلك، لم يعد ممكناً بناء الأمن الاقتصادي الخليجي على فرضيات تقليدية تضمن تدفق النفط الدائم وثقة الأسواق المطلقة، بل تفرض المرحلة الحالية الانتقال نحو هندسة اقتصاد الحرب عبر تأمين ممرات لوجستية بديلة، وتأسيس مظلة تأمين سيادية مشتركة، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وحماية البنية المصرفية والتحتية سيبرانياً.
الدرس الأبرز من هذه الحرب ليس ضعف الخليج، لكنه في امتلاك هذه الدول لقوة غير مكتملة الأركان، فالوفرة المالية لا تفتح الممرات المغلقة والتنويع يتطلب أماناً لترسيخ الثقة. ولم تعد الشراكات الاستراتيجية الدولية تُقاس بالبيانات الدبلوماسية، لكن بمدى فاعلية خطط الطوارئ والحلول البديلة المصاغة قبل أن تتحول التوترات البحرية إلى واقع مفروض.
