رافقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران افتراضات لدى بعض الدوائر الخارجية بأن الضربات العسكرية والضغط الاقتصادي يمكن أن يحولا المكونات القومية واللغوية في إيران إلى جبهات داخلية، ما ينتهي بإسقاط النظام الحاكم في طهران. كان التصور أن العرب والأكراد والأذريين والبلوش سيشكلون نقاط ضعف قابلة للتفعيل ضد الدولة. لكن ما ظهر، حتى الآن، لا يوفر أدلة على تحول هذه المكونات إلى اصطفاف جماعي واسع ومنظم لصالح قوة خارجية أو مشروع انفصالي.
لا يعني ذلك غياب حالة الإحساس بالمظالم أو الاحتجاج أو المعارضة لدى هذه القوميات، خصوصًا ما يتصل بملفات اللغة والتمثيل والتنمية والعدالة وطبيعة المعالجات الأمنية للدولة المركزية في طهران. كان الخطأ في الرهان الخارجي هو استسهال تحويل هذه المظالم إلى تنبؤ آلي بالتحرك الاحتجاجي، وكأن الهوية القومية وحدها برنامج سياسي، وكأن الحرب توسع قدرة الناس على التنظيم والحركة.
السؤال عن غياب الجبهة الداخلية ليس كافيًا، علينا أن نبحث في سبب إخفاق قراءة التنوع الاجتماعي الإيراني واعتباره خريطة عسكرية جاهزة للاستثمار. فالعرب والأكراد والأذريون والبلوش ليسوا كتلاً سياسية متجانسة، هي مجتمعات تتداخل فيها الفوارق الطبقية والمذهبية والمحلية بين جيل وآخر، وتختلف فيها مواقف الناس من الدولة والحرب والخارج والعمل المسلح.
المقصود بـ”فشل المراهنة” ليس الزعم باختفاء المعارضة أو انتهاء التناقضات، لكنه نتيجة تبدو واضحة مع عدم توافر دليل مستقل خلال الحرب على تحول هذه القوميات إلى جبهة داخلية واسعة ومنظمة. وهذا هو الفارق بين وجود مظلمة اجتماعية وبين القدرة على تحويلها الى فعل سياسي منظم. في علم الاجتماع السياسي، وحتى تتحول المظلمة إلى تعبئة جماعية فهي تحتاج الى تنظيم محلي وموارد وفرصة سياسية ووسيط يربط المطالب بالفعل. صحيح أن الهوية قد تهيئ لغة للمطالبة، لكنها لا تنتج بمفردها حركة سياسية.
حدود الدليل: لماذا يلزم الحذر؟
لا توفر إيران في تعدادها الديموغرافي بيانات مباشرة عن الانتماء القومي أو اللغوي، ولا توجد مسوح أو استبيانات موثوقة تغطي هذه المجتمعات. أكثر من ذلك، تختلف قوة الأدلة من حالة إلى أخرى.
في الملف الكردي، نقلت رويترز في مارس/آذار 2026 عن مصادر مطلعة حديثًا عن اتصالات وخطط لفصائل كردية إيرانية متمركزة في العراق. لكنها أكدت أنها لم تتمكن من التحقق من حشد المقاتلين أو من تنفيذ الهجوم المقترح. أما بالنسبة إلى العرب والأذريين والبلوش، فلا يظهر في المصادر المستقلة دليل عملياتي مماثل على خطة خارجية واسعة حظيت بتأييد اجتماعي داخل إيران. من هنا، تفحص هذه المقالة فرضية عامة، ولا تدعي أن حجم الرهان أو آلياته كان واحدًا في الحالات الأربع.
تضيف المقابلة الأخيرة في 19 يوليو/تموز لوزير الخارجية الإيراني رواية صادرة عن طرف رسمي في الحرب. يقول عباس عراقجي إن الرئيس ترامب اتصل، في “اليوم الرابع” من الحرب، بقيادات إقليم كردستان العراق، وأضاف أنه أجرى في اليوم نفسه اتصالات بمسعود بارزاني وبافل طالباني ومحمد شياع السوداني وهاكان فيدان، محذرا من أي تحرك من الإقليم. ويلخص موقع حكومي إيراني جوهر الرواية: اتصالات ترامب بقيادات إقليم كردستان العراق، ثم اتصالات عراقجي بمسؤولي الإقليم ورئيس الوزراء العراقي ووزير الخارجية التركي وتحذيره من “التحرك والتآمر”.
من أواخر فبراير/شباط إلى مارس/آذار، ظهرت في الحالة الكردية – باعتبارها أكثر الصور وضوحًا للرهان الخارجي – فصائل في الخارج، خطط حدودية وحاجة معلنة إلى دعم جوي وسلاح متطور. ثم استمر النزاع، من الربيع إلى بدايات الصيف، بينما ظل الوصول المستقل إلى المعلومات محدودًا. في يوليو/تموز، وثقت تقارير ميدانية أن آثار الحرب على محطات الكهرباء والمياه والنقل، بالتوازي مع الخوف الذي دخل مباشرة في حسابات السكان، لا سيما في الجنوب. لا يثبت هذا التسلسل أن القصف “أنتج” الوطنية أو أنه أطفأ الاحتجاجات، لكنه يفسر، بوصفه استنتاجا تحليليًا، لماذا لم تتحول المظلمة في زمن الحرب تلقائيا إلى قدرة على التنظيم. في الحرب، يبدو أن الموارد والوقت والشبكات قد تستهلك في النجاة وتأمين الدخل وحماية الأسرة أكثر من أي شيء آخر.
في أحدث مؤشر ميداني متاح، أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من عشرين من سكان الجنوب، بينهم معارضون ومشاركون سابقون في احتجاجات. لم تسجل المقابلات تأييدا لتجدد الاحتجاج خلال القصف. وهذه مقابلات محدودة، ليست استطلاع رأي وطني أو عينة ممثلة للمجتمعات القومية، لكنها تقوض فكرة أن الأذى العسكري يطلق آليا انتفاضة في الأطراف. هذه ليست مسألة نفسية فردية فقط، هي مسألة موارد وفرص، فالحرب قد تضيق مجال الحركة العلنية وقد ترفع كلفة التنسيق وقد تدفع الشبكات المحلية الى توجيه طاقتها نحو الانشغال بالبقاء، عوض الاحتجاج.
بين الرواية الرسمية والمظالم
تشير المادة 15 من الدستور إلى أن اللغة الفارسية لغة الدولة والتعليم الرسمي، لكنها تجيز استخدام اللغات المحلية والإثنية في الصحافة والإعلام وتدريس آدابها. قبالة ذلك، تنص المادة 19 على مساواة المواطنين بصرف النظر عن القومية أو اللغة، فيما تحظر المادة 48 التمييز بين المحافظات والأقاليم في استغلال الموارد الطبيعية واستخدام الإيرادات الوطنية وتوزيع النشاط الاقتصادي.
وفي تقريرها إلى لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، تقول الحكومة الإيرانية إن الجماعات الإثنية متداخلة وغير معزولة، وإن التزاوج والتفاعلات الاجتماعية الطويلة أنتجا هوية وطنية مشتركة، كما تؤكد المساواة القانونية وعدم وجود تمييز عرقي. في المقابل، تقول مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن القمع في سياق احتجاجات 2022 أصاب الأقليات الإثنية والدينية على نحو غير متناسب، وسمت الأكراد والبلوش والأذريين والعرب الأهوازيين. ولا يلغي أي من المسارين الآخر، فالاندماج والروابط الوطنية قد يتعايشان مع مظالم حقيقية بشأن اللغة والخدمات والتمثيل والعدالة. ومن منظور سوسيولوجي، لا يتطابق الانتماء القومي مع الولاء السياسي، فقد تتعايش الهوية الوطنية والهوية المحلية داخل الفرد والجماعة، وتتبدل أولوية كل منهما بحسب الظرف الاجتماعي والسياسي.
تجمع خوزستان (الأهواز) بين النفط والحدود والتنوع السكاني وذاكرة الحرب العراقية الإيرانية، وهي عوامل تجعل اختزال عربها في “ورقة خارجية” خطأ تحليليًا. فالمطالب المرتبطة بالماء والبيئة والعمل والخدمات قائمة وواضحة، لكنها لا تسمح باختزال عرب خوزستان في هذا الوصف. تذهب دراسة مسحية منشورة في دورية إيرانية إلى أن الحرب العراقية الإيرانية عززت، لدى العينة التي بحثتها من عرب خوزستان، تلاقي الهوية الإثنية والوطنية. لا ينبغي تعميم نتيجة دراسة واحدة على جميع عرب الأهواز أو تحويلها إلى نفي للتمييز، لكنها تذكير علمي بأن الهوية العربية لا تعني تلقائيًا التعارض مع الانتماء الإيراني.
المقابلات المنشورة في يوليو/تموز جاءت لتضيف مؤشرًا محدودًا، لا عينة ممثلة لعرب خوزستان، فقد تحدثت رويترز إلى سكان من جنوب إيران، بعضهم ينتقدون الحكم وحملوا الضربات الخارجية مسؤولية تفاقم انقطاع الخدمات والخوف، ولم تسجل المادة الصحفية أي موجة احتجاج جديدة. لا يكفي ذلك للحكم على موقف عرب خوزستان كلهم، لكنه يضعف فرضية أن الضربات تطلق تلقائيًا احتجاجًا جديدًا في الجنوب. الأدق إذن أن يقال إن الرهان على أن الضربات ستنتج تأييدًا شعبيًا واسعًا لمشروع خارجي لم يتحقق، وبالتوازي، لا يمكن الزعم بأن عرب خوزستان كتلة مؤيدة للدولة أو أن قضاياهم قد انتهت.
الأكراد: الحالة الأكثر توثيقا
الحالة الكردية هي الأقرب إلى الاختبار المباشر للفرضية وهي المنطقة التي لاقت اهتمامًا سياسيًا وإعلاميًا، لأن وجود أحزاب وفصائل إيرانية في إقليم كردستان العراق أتاح تصور القدرة على تحريك جبهة حدودية فاعلة ومؤثرة.
تمتلك الفصائل الكردية أسلحة خفيفة، لكن أي تحرك كبير كان يحتاج إلى إسناد جوي أمريكي وإسرائيلي، بالتوازي، نفت قيادة إقليم كردستان العراق نيتها إرسال مقاتلين أو المشاركة في الحرب. توضح هذه المعطيات أن وجود تنظيمات معارضة لا يساوي امتلاكها شرعية اجتماعية داخلية أو قدرة مستقلة على تغيير ميزان القوى. فالارتهان لدعم عسكري خارجي يرفع قابلية الفصيل للاستهداف، ويجعل السكان يوازنون بين المطلب السياسي المشروع وبين خطر تحويل مدنهم إلى جبهة حرب. تكتسب هذه الكلفة وزنا أكبر في ضوء ما وثقته بعثة الأمم المتحدة من إعدامات لرجال أكراد خلال عام 2025، بتهم التعاون مع إسرائيل، وهي إجراءات قالت البعثة إنها افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة. لا يبرر ذلك القمع لكنه يفسر جانبًا من بيئة الخوف التي يتحرك فيها أي ناشط أو متهم بالصلة مع الخارج.
اللغة ليست تفويضا جيوسياسيا
يرتكز الرهان على المكون الأذري بناءً على القرب اللغوي والثقافي من أذربيجان. غير أن أي نظرة عميقة للمجتمع الأذري الإيراني ترسم صورة أكثر تعقيدًا، فالفارسية هي لغة المؤسسات والتعليم، في حين تظل الأذرية حاضرة بقوة في الأسرة والمدن الشمالية الغربية. نلاحظ أن المادة 15 من الدستور ذات صياغة سماحية، إذ لا إلزام فيها ببرنامج تعليم ثنائي اللغة. وبذلك، يكون مطلب اللغة والاعتراف الثقافي مطلبًا داخليًا قائمًا، لا دليلا بذاته على ولاء سياسي لباكو أو على نزوع انفصالي.
يوميات الحرب سلطت الضوء على مخاطر الحدود بدلًا من التأكيد على فكرة “الامتداد القومي”. في مارس/آذار، أجلت أذربيجان موظفي سفارتها في طهران وقنصليتها في تبريز بعدما اتهمت إيران بإرسال مسيرات إلى نخجوان، وهو ما نفته طهران.
لا تظهر في أي من المصادر خطة تشغيلية موثقة مماثلة للحالة الكردية تستند إلى تأييد اجتماعي أذري داخل إيران، ولا تقدم الشواهد المتاحة دليلاً مباشرًا على موقف اجتماعي أذري عام من الحرب. لذلك، لا يصح القفز من القرابة اللغوية أو التوتر بين باكو وطهران إلى افتراض وجود اصطفاف جيوسياسي داخل إيران.
في سيستان وبلوشستان، يتداخل البعد الإثني مع الغالبية السنية والجغرافيا الحدودية والحرمان الاقتصادي. وتصف مجموعة الأزمات الدولية المنطقة بأنها تعاني عجزًا اجتماعيًا واقتصاديًا وشحا بيئيًا وإقصاء سياسيًا وعنفًا متكررا، وهي عوامل تفسر قابلية الاحتجاج لكنها لا تختزل السكان في أي فاعل مسلح. قبل الحرب، وثقت جهات عدة احتجاجات في زاهدان ومطالب معيشية وسياسية، كما نقلت عن ائتلاف بلوشي تأكيده عدم التدخل المباشر في احتجاجات يناير/كانون الثاني خشية منح السلطات ذريعة للقمع.
خلال الحرب، رصدت وسائل الإعلام في كنارك، في شهادات محدودة مخاوف من الانفجارات وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء والمياه. لا تثبت هذه الشهادات غياب المعارضة، لكنها مجددًا، تجعل افتراض أن القصف يخلق فائضًا من القدرة التنظيمية افتراضًا ضعيفًا ومتسرعًا.
لماذا لم تتحول المراهنة إلى جبهة داخلية؟
أولًا، لأن الهوية ليست برنامجًا سياسيًا. يمكن للمواطن أن يطالب بتعليم لغته أو بالعدالة في توزيع الموارد أو بوقف القمع، ويرفض في الوقت ذاته أن ترتبط مطالبه بقصف أجنبي أو أي مشروع للتقسيم.
ثانيًا، لأن الحركة تحتاج وسيطًا موثوقًا بين التظلم والفعل. الفصائل في المنفى والخطاب الخارجي لا يكفيان. يجب أن يكون هناك تنظيم محلي وتمثيل متنوع وخطة لحماية المدنيين وأفق سياسي مقنع بعد القتال. في الحالة الكردية، أظهر الاعتماد على الدعم الخارجي وغياب الضمانات الإقليمية قصورًا في هذه الشروط.
ثالثا، لأن الحرب تغير الأولويات ولا تحسم الولاءات. وتظهر الشهادات الميدانية تضاعف العبء المعيشي والخوف. الاستنتاج بأن ذلك قد يضعف الحشد المعادي للدولة هو استنتاج مرجح، لكنه ليس قانونًا اجتماعيًا يصلح لكل منطقة وفترة.
رابعًا، لأن كلفة الارتباط بالخارج مرتفعة. حين تتعامل الدولة مع اتهام الصلة بجهة معادية كمسألة أمن قومي، يزداد خطر العمل العلني، خصوصًا على الحدود.
خامسا، لأن المعرفة نفسها ناقصة. خصوصًا وأنه لا وجود لإحصاء إثني حديث أو لاستطلاع شامل في زمن الحرب، ولا وصول كامل للآليات الأممية إلى البلاد.
ما لم تؤيده الشواهد المتاحة حتى الآن هو القراءة التي تتعامل مع العرب والأكراد والأذريين والبلوش كأزرار يمكن ضغطها من الخارج. لا تنفي هذه النتيجة وجود مظالم عميقة أو حركات احتجاج أو مطالب ثقافية وسياسية مشروعة، لكنها ترفض، في الوقت نفسه، تحويل تلك المظالم إلى دليل مسبق على القبول بالحرب أو الانفصال.
الحرب المستمرة منذ فبراير/شباط لم تنتج، جبهة إثنية داخلية عريضة. لكنها أيضًا لم تحل التناقضات التي سبقتها. والتمييز بين هاتين الحقيقتين هو ما يجعل القراءة السوسيولوجية أدق: القوميات غير الفارسية في إيران ليست أدوات سهلة أو متاحة للخصوم الخارجيين، لكنها أيضًا، ليست صامتة أو متجانسة أو منسجمة مع الحكومة في طهران.
