شهدت منطقة الخليج خلال الأسبوع المنصرم ذروة توتر إقليمي غير مسبوقة منذ أشهر، قبل أن تتراجع حدته تدريجيًا بفعل حراك دبلوماسي خليجي كثيف، أعاد ضبط الإيقاع عند حافة الانفجار.
تزامن تصاعد احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران مع اشتداد الضغوط الداخلية في طهران التي تراجعت حدة التظاهرات فيها، بالإضافة إلى استمرار تعقيد الملفات الإقليمية المفتوحة، وعلى رأسها اليمن، في مشهد يعكس انتقال المنطقة من منطق التصعيد المفتوح إلى منطق أكثر تعقيدًا قوامه إدارة الأزمات لا حسمها.
في مطلع الأسبوع، بدا أن خيار الضربة العسكرية الأميركية ضد إيران بات أقرب من أي وقت مضى، على خلفية توسّع الاحتجاجات الداخلية، بالتوازي مع تزايد الانتقادات الغربية لسلوك طهران الأمني وتراكم ملفات خلافية مرتبطة بالعقوبات والبرنامج النووي وحماسة الرئيس ترامب للتدخل العسكري. غير أن هذا المسار لم يلبث أن واجه مقاومة خليجية واضحة، قادتها السعودية وسلطنة عُمان وقطر، عبر قنوات مباشرة وغير معلنة مع واشنطن وطهران على حد سواء. هذا الحراك لم يكن تعبيرًا عن اصطفاف سياسي بقدر ما عكس إدراكًا خليجيًا مشتركًا بأن أي مواجهة عسكرية واسعة ستُترجم فورًا إلى تهديد مباشر لأمن دول مجلس التعاون الخليجي والممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي برمته.
في الخلفية، استمر المشهد الإيراني الداخلي في لعب دور العامل الضاغط على الإقليم. فقد شهدت إيران أسبوعًا إضافيًا من الاحتجاجات المتقطعة التي انطلقت من مطالب اقتصادية واضحة، قبل أن تكتسب أبعادًا سياسية أعمق في ظل تدهور العملة، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع فجوة الثقة بين الشارع والدولة. ورغم لجوء السلطات إلى أدوات أمنية تقليدية، شملت الاعتقالات وحجب الاتصال عبر الإنترنت فإن ما كان لافتًا في هذه الجولة هو استمراريتها، لا حدّتها، ما وضع القيادة الإيرانية أمام معادلة دقيقة بين تشديد القبضة داخليًا وتفادي تصدير الأزمة خارجيًا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. لم يمنع ذلك القادة السياسيين في إيران من تنفس الصعداء بعد تراجع حدة الاحتجاجات نهاية الأسبوع، يضاف لذلك نجاحهم في تسليط الضوء على أعمال العنف التي قامت بها عناصر تقول السلطات الإيرانية أنهم مدفوعون من الخارج.
يمنيًا، تحوّلت التطورات جنوب اليمن خلال هذا الأسبوع إلى مرآة تعكس عمق التباينات داخل التحالف الداعم للشرعية. شهدت محافظات جنوبية تحركات عسكرية متسارعة أعادت خلط الأوراق الميدانية مع تقدم قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة سعوديًا، في مناطق كانت تُعدّ حتى وقت قريب نطاق نفوذ حصري للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا. لم يقتصر الأمر على تغيّر خطوط السيطرة بل ترافق مع مؤشرات تفكك داخل بنية المجلس نفسه، سواء عبر انسحابات ميدانية أو تباينات علنية حول القيادة والقرار، وهو ما أضعف من قدرته.
هذا التطور أعاد إلى الواجهة سؤالًا مؤجلًا حول مستقبل الترتيبات الأمنية والتفاهمات السياسية في الجنوب. هل لا يزال نموذج “تقاسم النفوذ” بين الرياض وأبوظبي قابلًا للاستمرار أم أن الوقائع الجديدة تدفع باتجاه إعادة صياغة الأدوار بشكل أكثر وضوحًا وأقل ازدواجية؟ ورغم حرص العاصمتين على تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، تكشف الأحداث المتسارعة حجم الخلافات المتصاعدة، وأن الجنوب اليمني بات نقطة اختبار فعلية لمدى تماسك هذا التحالف لا مجرد كونه خلافًا تكتيكيًا عابرًا.
السعودية سعت إلى احتواء تداعيات التصعيد عبر تكثيف حضورها السياسي مع مؤسسات الشرعية اليمنية، وتأكيد دعمها لمجلس القيادة الرئاسي بوصفه الإطار الوحيد القادر، نظريًا، على إعادة ضبط المشهد ومنع تفكك المعسكر المناهض للحوثيين. غير أن هذا المسار يبقى محفوفًا بتحديات كبرى، في ظل تعدد مراكز القوة وتداخل حسابات الإقليم واستمرار غياب أي أفق لتوافق سياسي شامل ينهي الحرب ويعيد تعريف شكل الدولة اليمنية.
اقتصاديًا، تفاعلت أسواق الطاقة والمال في الخليج هذا الأسبوع مع الإيقاع المتسارع للتطورات العالمية، في صورة تعكس حساسية الأسواق لأي تغير في منسوب المخاطر الإقليمية.
سجّل خام برنت ارتفاعًا مؤقتًا مع تصاعد الحديث عن ضربة عسكرية محتملة قبل أن يتراجع بأكثر من 4% مع انحسار هذا السيناريو، في حركة تؤكد أن السوق بات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات السياسية قصيرة الأجل. هذا النمط انعكس أيضًا على البورصات الخليجية التي شهدت تذبذبًا حذرًا بين عمليات جني أرباح وانتقائية استثمارية، في ظل ضغوط الطلب العالمي من جهة ومؤشرات متباينة على تعافي الأنشطة غير النفطية من جهة أخرى.
على المستوى الوطني، برزت السياسات المالية بوصفها خط الدفاع الأول أمام هذا المناخ غير المستقر. شكّلت موازنات عام 2026 اختبارًا عمليًا لقدرة دول الخليج على الموازنة بين الانضباط المالي والحفاظ على معدلات النمو. في هذا السياق، اتجهت سلطنة عُمان إلى مقاربة أكثر شمولًا وتمتد إلى معالجة الاختلالات الاجتماعية الاقتصادية المتراكمة، وإلى جانب إقرار الميزانية العامة على أساس سعر نفط متحفظ يبلغ 60 دولارًا للبرميل، أطلق السلطان هيثم بن طارق حزمة قرارات واعتمادات مالية لافتة، شملت تخصيص تمويلات إضافية لقطاع الإسكان، وتوسيع برامج الدعم السكني في محاولة لمعالجة الطلب المتراكم وتحسين الاستقرار الاجتماعي، بوصفه شرطًا ضروريًا لأي إصلاح اقتصادي مستدام.
كما شملت القرارات العُمانية ضخ اعتمادات جديدة لتحفيز الاستثمار، سواء عبر دعم المشاريع المتوسطة والصغيرة، أو عبر تحسين بيئة الأعمال وتوسيع دور الصناديق الحكومية في تحريك رأس المال المحلي. وتأتي هذه الخطوات منسجمة مع الإطار المالي لخطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026–2030)، التي تراهن على تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز مساهمة قطاعات الصناعة التحويلية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، بما يقلّص تدريجيًا الاعتماد على العائدات النفطية، ويمنح الاقتصاد العُماني هامشًا أوسع لمواجهة الصدمات.
في السعودية، مؤشرات الانفتاح المالي تواصلت كجزء من استراتيجية الرياض لتحصين الاقتصاد من تقلبات الأزمات متلاحقة في المنطقة، عبر تسريع فتح السوق المالية أمام المستثمرين الأجانب وتعزيز جاذبية الرياض كمركز إقليمي لرأس المال. يمكن قراءة هذا المسار في إطار سعي السعودية إلى تعويض أي تباطؤ محتمل في العائدات النفطية بتدفقات استثمارية مستقرة وربط الأسواق المحلية بالأسواق العالمية. أما بقية دول الخليج، فقد عكست موازناتها توجهًا عامًا نحو ضبط الإنفاق، وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتوسيع دور الخدمات والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي، مع تفاوت في وتيرة التنفيذ من دولة إلى أخرى.
في المحصلة، يكشف المشهد الاقتصادي الخليجي هذا الأسبوع عن معادلة مزدوجة تتضح في تأثيرات سلبية قصيرة الأجل تفرضها تقلبات السياسة الإقليمية، قبالة تحولات هيكلية أعمق تسعى من خلالها دول الخليج، وعلى رأسها عُمان والسعودية، إلى إعادة تعريف دور الدولة الاقتصادي، ليس فقط كمدير للأزمات بل كمحرك للاستثمار والاستقرار الاجتماعي في بيئة إقليمية ودولية مضطربة ومفتوحة على الكثير من المفاجآت.
منشورات أخرى للكاتب