شهدت منطقة الخليج خلال الأسبوع الماضي مزيجًا من التوترات الإقليمية الحادة والملفات الداخلية العاجلة. ويعكس هذا المشهد طبيعة المرحلة الراهنة ما بين غياب سيناريوهات الحرب الشاملة أو التسوية النهائية، مع تصاعد الضغوط الخارجية والقرارات الصعبة داخلياً، وتأجيل بعض الأسئلة القديمة التي عادت للواجهة بقوة.
وفيما تتزايد احتمالات التصعيد بين طهران وواشنطن تحت إدارة الرئيس ترامب، تستمر دول الخليج في إدارة مخاطر محسوبة بانتظار ما ستؤول إليه القرارات الفاصلة.
في الوقت نفسه، أشعلت تغريدة ترامب جدلاً سياسياً كبيراً في العراق حول عودة نوري المالكي، وزادت الاستقطاب والجمود السياسي، بينما استمرت الخلافات الخليجية حول اليمن مع رسائل تهدئة بين الرياض وأبوظبي.
في الكويت، عادت قضية إسقاط الجنسيات في الكويت إلى الواجهة بقوة.
واشنطن وطهران: متى الحرب؟
استمرت احتمالات المواجهة الأميركية الإيرانية في فرض نفسها على المشهد، دون أن تتجاوز عتبة التهديد السياسي وتزايد الاستعدادات اللوجستية للطرفين. واشنطن واصلت استخدام لغة الضغط والردع وارسال المزيد من القوات البحرية وأسراب الطائرات، فيما حافظت طهران على معادلة التحدي اللفظي مقابل ضبط السلوك العملي، إدراكًا منها لكلفة أي انزلاق عسكري في لحظة داخلية مأزومة، يضاف لذلك استمرار جسر جوي من الصين وروسيا لنقل بعض المعدات العسكرية لطهران ما يمثل مستجدًا فارقًا ودخولاً صينياً وروسياً غير متوقعًا.
هذا التوازن الهش جعل المنطقة تعيش أسبوعًا آخر عند حافة التصعيد، حيث لم يُغلق سيناريو الحرب، لكنه لم يتحول إلى مسار فعلي. تتابع دول مجلس التعاون الخليجي هذا المشهد بقلق محسوب، مع إدراك متزايد بأن إدارة المخاطر باتت الاستراتيجية السائدة لدى جميع الأطراف. على هذا الصعيد، شهد الأسبوع تزايد الاتصالات الهاتفية بين إيران وقطر والسعودية وزير وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى واشنطن.
العراق: تغريدة ترامب تُفجّر المشهد السياسي
في العراق، انتقل التوتر من مستوى الكواليس إلى العلن عقب تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب حذّر فيها صراحة من إعادة تعيين نوري المالكي رئيسًا للوزراء، ملوّحًا بسحب الدعم الأميركي عن العراق في حال المضي في هذا الخيار.
هذا التدخل العلني، شكّل صدمة في المشهد السياسي العراقي، لا على مستوى المضمون وحسب، لكن أيضًا في توقيته وأسلوبه. واشنطن بعثت برسالة واضحة مفادها أن عودة المالكي تمثل، من منظورها، إعادة إنتاج لنموذج سياسي ترى فيه بوابة لتعاظم النفوذ الإيراني وتراجعًا عن أي محاولة لإبقاء العراق في موقع توازن بين المحاور.
ردّ المالكي جاء سريعًا وحادًا، رافضًا ما وصفه بـ” التدخل “ي السيادة العراقية”، ومؤكدًا أن اختيار رئيس الوزراء شأن داخلي لا يخضع لإملاءات خارجية. هذا ولئن ساهم في تعزيز الالتفاف حوله بوصفه مرشحًا “يتحدى الضغط الأميركي” لى بعض الأطراف الشيعة، إلا أنه أدخل على الحسابات السياسية المزيد من التعقيد والانقسامات، حيث يرى بعض القادة والنخب السياسية الشيعية أن المضي في ترشيح المالكي سيجر العراق إلى مواجهة الرئيس ترامب الذي يبدأ خطوات المواجهة بإعادة العقوبات المالية على العراق.
على الأرض، انعكست هذه المواجهة في مزيد من الجمود، ومن ذلك تأجيل جلسات البرلمان وتعثر توافقات الأكراد على انتخاب رئيس الجمهورية، وتصاعد الاستقطاب داخل القوى السياسية. بدا العراق هذا الأسبوع ساحة صراع أميركي – إيراني غير مباشر يرفع منسوب المخاطر على استقراره الهش ويطرح التساؤل ذاته: هل يستطيع العراق النجاة من تحوله إلى خط تماس مفتوح في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال؟
الخليج: اختلافات مُدارة ورسائل تهدئة
على مستوى مجلس التعاون الخليجي، استمرت الخلافات القائمة حول بعض الملفات الإقليمية، لا سيما اليمن، لكن دون انتقالها إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
ظهرت خلال الأسبوع رسائل تهدئة خجولة بين الرياض وأبوظبي، عكست إدراكًا مشتركًا بأن لحظة الإقليم الراهنة لا تحتمل تفجير خلافات إضافية داخل البيت الخليجي.
لا يعني هذا زوال التباينات لكن رغبة السعودية والإمارات في إبقاءها تحت السيطرة، بانتظار اتضاح مسار الصراع الإقليمي الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. المشهد الخليجي بدا أقرب إلى الرغبة في “تجميد الخلاف” منه إلى حله، في مقاربة واقعية تفضّل تقليل الخسائر على تسجيل النقاط. حيث أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن العلاقة مع الإمارات “مهمة للاستقرار الإقليمي”، وأن الرياض تضع علاقة قوية وبنّاءة مع أبوظبي كعامل استراتيجي وليس خلاف اليمن وحده. وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره البولندي، قال بن فرحان إن انسحاب الإمارات الكامل من اليمن إذا ثبت صحته يشكّل قاعدة لإعادة تعريف العلاقة بين الرياض وأبوظبي في إطار تعاون أقوى يخدم مصلحة المنطقة.
الكويت: ملف الجنسيات إلى الواجهة مجددًا
في الكويت، عاد ملف إسقاط الجنسيات ليشغل مساحة متقدمة من النقاش العام بعد صدور المزيد من قرارات إسقاط المزيد من الجنسيات خلال هذا الأسبوع، شملت شخصيات بارزة من النخب الثقافية والإجتماعية والرياضية والعسكرية، ما أعاد فتح أسئلة قانونية وسياسية مؤجلة حول معايير اتخاذ هذه القرارات، والهدف منها وأثرها على الاستقرار الاجتماعي.
النقاش الدائر في الكويت حول سحب واسقاط الجنسيات لم يقتصر على الجانب الحقوقي، لكنه امتد إلى تساؤلات أعمق تتعلق بالتماسك الوطني وملف المواطنة والهوية الوطنية، يأتي ذلك مع تضارب التقديرات التي تصل إلى أن مجموع من تم اسقاط جنسياتهم قد تخطى حاجز ال 200 ألف كويتي.
في البحرين، عقد الحوار الاستراتيجي الخامس بين البحرين والولايات المتحدة في المنامة برئاسة الشيخ عبدالله بن علي آل خليفة وأليسون هوكر، مع التركيز على تعزيز السلام الإقليمي، الأمن البحري، التعاون الاقتصادي، وتأكيد استثمارات بحرينية تتجاوز 17 مليار دولار في صفقات أمريكية تشمل عدة شركات منها بوينغ، جنرال إلكتريك، أوراكل والطاقة النووية السلمية.
الاقتصاد: الأسواق بين القلق والاعتياد
اقتصاديًا، عكست أسواق الخليج حالة الترقب في الإقليم. تحركت أسواق الأسهم في نطاقات ضيقة، متأثرة بالعوامل العالمية أكثر من التطورات المحلية، فيما شهد الذهب تقلبات واضحة عكست تردد المستثمرين بين اللجوء إلى الملاذات الآمنة والعودة إلى جني الأرباح مع كل إشارة تهدئة.
شهدت أسعار المعدن الأصفر تقلبات حادة، صعودًا مع تصاعد الحديث عن مواجهة أميركية – إيرانية، ثم تراجعًا سريعًا مع انحسار سيناريو الضربة العسكرية وتحوّل المستثمرين إلى جني الأرباح.
هذا السلوك المتذبذب لا يعكس ضعف الطلب على الذهب كملاذ آمن، بقدر ما يكشف عن انقسام السوق بين من يراهن على تصعيد طويل الأمد، ومن يتعامل مع التوتر الراهن بوصفه أزمة مؤقتة قابلة للاحتواء. اللافت أن الذهب لم ينجح في تثبيت مسار صعودي متماسك رغم كثافة المخاطر السياسية، ما يشير إلى أن الأسواق باتت أقل اندفاعًا نحو الملاذات التقليدية وأكثر انتقائية في تسعير الخطر.
في الإمارات، أصدر المجلس الأعلى للشؤون المالية والاقتصادية في أبوظبي قراراً بضم أصول واستثمارات شركة لِعماد القابضة (L’imad Holding) مع مجموعة أبوظبي التنموية القابضة (ADQ) تحت مظلة “لِعماد” الواحدة.
يهدف هذا الاندماج إلى إنشاء صندوق سيادي استثماري قوي يدعم سياسة حكومة أبوظبي في الاستثمار المستدام والنمو بعيداً عن النفط. يترأس الكيان الجديد الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، مما يعزز دوره في إدارة الاستثمارات الاستراتيجية.
تشمل المحفظة الجديدة أكثر من 25 شركة استثمارية ومنصة، وأكثر من 250 شركة تابعة، بما في ذلك شركات مثل الاتحاد للطيران، طاقة، وموانئ أبوظبي، مع أصول تقدر بحوالي 300 مليار دولار.