شهدت منطقة الخليج خلال الأسبوع المنصرم تداخلًا لافتًا بين تطورات سياسية وأمنية إقليمية، وضغوط اقتصادية متصاعدة، في مشهد يعكس بداية عام مثقل بعدم اليقين.
تزامن احتدام الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن وتذبذب أسواق الطاقة والمال، مع تطورات داخلية متسارعة في إيران بدأت تفرض نفسها عاملًا ضاغطًا على حسابات دول الخليج والإقليم كله، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو إعادة ترتيب الأولويات السياسية.
في اليمن، واصل الخلاف السعودي الإماراتي في الجنوب فرض نفسه كأحد أبرز ملفات الأسبوع، بعد أن انتقلت التباينات من مستوى الاختلاف في إدارة الوكلاء المحليين إلى مستوى أكثر وضوحًا على الأرض. شهدت محافظات جنوبية تحركات عسكرية متسارعة مع تقدم قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة من الرياض، في مناطق كانت تخضع لنفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا. وترافق هذا التطور مع مؤشرات تفكك داخل بنية المجلس نفسه، سواء عبر انسحابات ميدانية أو خلافات داخلية حول القيادة والقرار السياسي، ما أعاد طرح سؤال جوهري حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، وحدود تفاهم الرياض وأبوظبي بشأن شكل الدولة اليمنية وموازين القوة فيها.
ورغم أن الخطاب الرسمي في العاصمتين لا يزال حريصًا على إبقاء الخلاف ضمن إطار “التباين في الرؤى”، فإن مسار الأحداث خلال هذا الأسبوع عكس أن اليمن بات ساحة اختبار حقيقية لقدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى صدام مفتوح، خصوصًا في ظل تشابك المصالح الأمنية مع استثمارات اقتصادية عميقة تجعل أي قطيعة شاملة خيارًا مكلفًا للطرفين، ومحدود الجدوى على المدى الاستراتيجي.
بالتوازي مع ذلك، برز العامل الإيراني كخلفية ثقيلة على المشهد الإقليمي. إذ شهدت إيران خلال الأسبوع توسعًا ملحوظًا في رقعة الاحتجاجات الداخلية التي بدأت بمطالب اقتصادية مرتبطة بالتضخم وتدهور العملة، قبل أن تتخذ طابعًا سياسيًا أكثر حدة وسط اتهامات إيرانية لإسرائيل بالتدخل في الأزمة. وتشير تقارير دولية إلى سقوط قتلى واعتقالات واسعة، مع لجوء السلطات إلى تشديد القبضة الأمنية وفرض قيود على الإنترنت، في مؤشر إلى حساسية المرحلة التي تمر بها طهران. هذه التطورات لا تُقرأ خليجيًا بوصفها شأنًا داخليًا معزولًا، بل باعتبارها عنصرًا قد يؤثر في سلوك إيران الإقليمي، سواء عبر محاولة تصدير التوتر إلى الخارج أو عبر انكفاء مؤقت ينعكس على ملفات إقليمية عدة.
اقتصاديًا، انعكست هذه البيئة السياسية المضطربة على أسواق الخليج، التي عاشت أسبوعًا من التذبذب الحذر. واصلت أسعار النفط تحركاتها المحدودة تحت ضغط توقعات الطلب العالمي، ما أثر على أداء البورصات الخليجية، التي أغلقت في معظمها على انخفاض أو مكاسب محدودة. وفي هذا السياق، برز القرار السعودي بفتح السوق المالية أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب اعتبارًا من فبراير المقبل كإشارة على سعي الرياض إلى تعزيز السيولة وجذب رؤوس الأموال، في محاولة لتخفيف أثر تقلبات النفط وتكريس مسار تنويع الاقتصاد.
في الإمارات، استمرت المؤشرات المتباينة للأسواق وسط حذر المستثمرين من التطورات الجيوسياسية الإقليمية، غير أن الأسبوع شهد تطورًا لافتًا على صعيد العلاقات التعليمية والدبلوماسية مع بريطانيا، تمثّل في احجام الإمارات عن إرسال الطلبة الإماراتيين إلى الجامعات البريطانية. ويُقرأ هذا الحدث باعتباره ذا دلالة أوسع، تعكس تراجعًا ملحوظًا في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، خصوصًا ما يتعلق بموقف البلدين من جماعات الإسلام السياسي.
في السياق الخليجي الأوسع، حافظت قطر على حضورها في مشهد الطاقة عبر تحركات مرتبطة بالغاز الطبيعي المسال وشراكاتها الإقليمية، بما يعزز موقعها كمورد موثوق في سوق عالمي مضطرب. وعلى هذا الخط، أعلنت مصر وقطر توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مبيعات واستيراد الغاز الطبيعي المسال، تتضمن ترتيبات لتوريد شحنات قطرية إلى مصر عبر مرافق استقبال، من بينها العين السخنة ودمياط، مع إشارة إلى إمكانية تزويد القاهرة بما يصل إلى أربعٍ وعشرين شحنة خلال الصيف المقبل. ولا تقتصر دلالة هذه الخطوة على كونها صفقة تجارية، بل تعكس إعادة تموضع في شبكة الغاز الإقليمية، حيث تُرسّخ قطر دورها كمورّد مرن، فيما تستفيد مصر من الاستيراد الموسمي لتوازن الطلب المحلي وتخفيف ضغوط الطاقة، في لحظة تتسم بحساسية عالية تجاه استقرار الإمدادات.
حقوقيًا، عاد ملف الحريات العامة إلى الواجهة في البحرين، بعد أن أفادت تغطية دولية بأن محكمة بحرينية حكمت على المعارض إبراهيم شريف بالسجن ستة أشهر بسبب مقابلة أُجريت في بيروت، في مؤشر على استمرار حساسية المجال العام تجاه التصريحات السياسية، خاصة تلك المرتبطة بالقضايا الإقليمية وتداعياتها الداخلية.
في المحصلة، يعكس مشهد هذا الأسبوع لوحة خليجية مركبة: توترات سياسية لم تُحسم بعد في اليمن، عامل إيراني داخلي يضغط على الإقليم من الخلفية، واقتصادات تحاول التكيّف مع واقع نفطي غير مستقر، إلى جانب حراك دبلوماسي يعكس محاولات إعادة تموضع هادئة في علاقات دول الخليج مع شركائها الدوليين. هو مشهد لا يشير إلى انفراجات سريعة بقدر ما يؤكد أن دول الخليج تدخل عام 2026 على وقع إدارة أزمات متصاعدة، داخلية وإقليمية.