منذ عدة سنوات، يتجه التصنيف الائتماني للبحرين نحو التدهور المستمر. في الفترة الأخيرة تراجع إلى (بي) مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهي أضعف درجة في دول مجلس التعاون ثم تحولت النظرة إلى سلبية بسبب الحرب على إيران. نجم هذا الوضع عن عدة أسباب في مقدمتها ارتفاع العجز المالي وتفاقم المديونية العامة وتناقص الاحتياطي النقدي.
التصنيف الائتماني هو ترتيب الدولة وفق قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية، خاصة خدمة ديونها ووفق مستوى مخاطر الاستثمار فيها. ولهذا التصنيف تأثير على المقرضين والمقترضين لأنه يدخل ضمن عوامل تحديد أسعار الفائدة على القروض. كلما انخفضت درجة التصنيف ارتفعت هذه الأسعار. كما يؤثر على قرارات الاستثمار. لذلك، تهتم دول الخليج اهتماماً منقطع النظير بمتابعة تصنيفها الائتماني والسعي إلى تحسين درجته.
تتولى عملية التصنيف وكالات متخصصة. أهمها ستاندرد أند بورز وفيتش وموديز. وهي مؤسسات أمريكية تابعة للقطاع الخاص. وهنالك كذلك داغونغ الصينية وسكوب الأوروبية وجي سي آر اليابانية وغيرها. لكن الوكالات الأمريكية الثلاث هي الأهم وتسيطر سيطرة شبه تامة على التصنيفات في العالم.
ووكالة التصنيف مؤسسة بحثية تتولى دراسة جميع المؤشرات الاقتصادية للدولة، وقد تتضمن هذه الدراسة اجتماعات مع ممثلي الدولة المعنية.
للتصنيف الائتماني سُلم يحتوي على درجات. يبدأ بدرجة أي أي أي (ثلاث مرات الحرف الأول من الأبجدية اللاتينية). وهي أعلى درجة وتعني قدرة عالية جداً على الوفاء بالديون ومخاطر استثمارية منعدمة. وينتهي السُلم بدرجة دي (الحرف الرابع منها). وتعني التوقف عن دفع الديون ومخاطر استثمارية قصوى. يحتوي سُلم ستاندرد أند بورز على 23 درجة (هنالك اختلافات طفيفة في عدد الدرجات وتسميتها حسب الوكالة).
لكل درجة نظرة مستقبلية مستقرة أو إيجابية أو سلبية. النظرة المستقرة تعني احتمال ضعيف لتغير الدرجة، النظرة الإيجابية تعكس إمكانية تعديل الدرجة نحو الأعلى، والنظرة السلبية تمثل إمكانية تعديل الدرجة نحو الأسفل.
تراجع التصنيف
يتجه التصنيف الائتماني للبحرين نحو الانخفاض المستمر، في 2011 حصلت على بي بي بي وهي الدرجة التاسعة في سُلم ستاندرد أند بورز. تراجع في 2021 إلى بي بي (الدرجة 12). ثم في 2023 إلى بي موجب (الدرجة 14). وفي نوفمبر 2025 إلى بي (الدرجة 15)، وهكذا فقدت الدولة خلال 14 سنة ست درجات. أضف إلى ذلك انخفاض آخر تقرر في أبريل بسبب تداعيات الحرب على إيران.
أصبحت البحرين في المرتبة الخليجية الأخيرة، فقد حصلت كل من الإمارات وقطر على أي أي (الدرجة الثالثة) وهي الأعلى في العالم العربي. ثم الكويت الحاصلة على أي أي سالب (الرابعة) وتليها السعودية أي (السادسة) فعمان بي بي بي سالب (العاشرة).
والدرجة الممنوحة لقطر والإمارات هي نفس الدرجة المقررة لبريطانيا وبلجيكا، في حين تشترك البحرين ومصر وكينيا بنفس الدرجة.
تعرض تخفيض تصنيف البحرين من قبل ستاندرد أند بورز إلى انتقادات. قالوا أن الوكالات الأخرى لم تخفض تصنيفها، موديز مثلاً تمسكت بنفس التصنيف (بي اثنان) منذ 2022. أكدت عليه ولم تغيره في 2024 و2025. في الواقع قد يحدث اختلاف في تقدير درجة التصنيف حسب الوكالة لكن هذا الاختلاف نادر وضئيل لأن المؤشرات التي تستخدمها جميع الوكالات متشابهة ومعروفة مسبقا.
هذا الانتقاد المتعلق بالبحرين غير دقيق. الدرجة بي اثنان المقررة من موديز تعادل بالضبط الدرجة بي المقررة من ستاندرد أند بورز: الدرجة 15 في سلم الوكالتين. كما أن النظرة المستقبلية مستقرة في الحالتين. الفرق في تصنيف الوكالتين يكمن في الفترة الزمنية. لغاية نوفمبر المنصرم، كانت ستاندرد أند بورز متأخرة في تصنيفها مقارنة بموديز. حالياً، لا يوجد أي تباين بينهما في تصنيف البحرين. أما وكالة فيتش فقد منحت درجة بي للبحرين وهي نفس درجة موديز وستاندرد أند بورز.
تعتمد هذه الوكالات في تصنيف البحرين على مجموعتين من المؤشرات الاقتصادية. الأولى إيجابية تدعو إلى تحسين الدرجة والثانية سلبية تقود إلى العكس. تتمثل المجموعة الأولى بعدة مؤشرات منها أهمية الإيرادات غير النفطية في الميزانية العامة إذ لا تشكل العوائد النفطية سوى نصف الإيرادات العامة. وفي مقدمة الإيرادات غير النفطية حصيلة الضرائب.
وتستحوذ الصادرات غير النفطية على مكانة مرموقة في الميزان التجاري، خاصة صادرات الألمنيوم.
ويسجل حساب الخدمات في الميزان الجاري فائضاً بسبب أهمية إيرادات السياحة الأجنبية لغاية الحرب على إيران. في حين يعاني هذا الحساب من عجز في غالبية بلدان مجلس التعاون. أضف إلى ذلك الدور الاقتصادي المهم للقطاع المصرفي ومساهمته الكبيرة في الناتج المحلي الإجمالي.
أما مجموعة المؤشرات السلبية فتتمثل في استمرار العجز المالي المفرط وارتفاع الديون العامة وتزايد الفوائد المترتبة عليها، كذلك تدني مستوى الاحتياطي النقدي. كما تواجه الحكومة صعوبات في إصلاح مالية الدولة لأسباب ليست فقط اقتصادية بل كذلك سياسية.
الدرجة 15 في سلم التصنيف التي حصلت عليها البحرين هي نتيجة تفاعل جميع هذه المؤشرات الإيجابية والسلبية. حصلت البحرين قبل حرب إيران على بي مع نظرة مستقبلية مستقرة. لماذا حدث هذا التقهقر؟ الأسباب عديدة أهمها الارتفاع المستمر للديون العامة.
الديون العامة مفرطة
تعاني البحرين من عجز مالي مزمن وكبير يؤثر سلبياً على تصنيفها الائتماني. في ميزانية العام الحالي 2026 بلغ حجمه 1077.6 مليون دينار أي 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه النسبة من المعدلات العالية حسب المقاييس المتعارف عليها. تلعب القطاعات غير الإنتاجية دوراً بارزاً في تفاقم الأزمة المالية وفي مقدمتها القطاع العسكري الذي يستحوذ على قسط كبير من الإنفاق العام ومن واردات الدولة، وبالنظر لمستويات الإنفاق قبالة الدحل، تصنف البحرين من بين الدول الأكثر استيراداً للأسلحة في العالم.
ينجم عن العجز المالي هبوط الاحتياطي النقدي. وهذا عامل أساسي من عوامل تخفيض التصنيف الائتماني لأنه يقود إلى تراجع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية. في 2011، كان حجم هذا الاحتياطي 1773 مليون دينار ثم انخفض تدريجياً ليصل إلى 1364 مليون دينار في 2025. ولا تجد ستاندرد أند بورز مؤشراً لارتفاعه في السنوات الثلاث القادمة.
للعجز المالي علاقة وثيقة بالديون العامة، فقد أصبحت فوائد هذه الديون في مقدمة الأسباب التي أدت إلى تزايد الإنفاق العام فارتفع العجز المالي، كما قادت حالة تكرار العجز المالي إلى تزايد اللجوء إلى الاقتراض فارتفعت المديونية.
وفق المعايير الخليجية المقتبسة حرفياً من معاهدة ماسترخت الأوروبية، يتعين ألا تزيد الديون العامة على 60% من الناتج المحلي الإجمالي وإلا تصبح مفرطة فتؤثر على التصنيف الائتماني. في 2011، كان حجم الديون العامة 3548 مليون دينار أي 32% من الناتج المحلي الإجمالي وهذه النسبة تعادل نصف نسبة المعيار. في 2025، ارتفع حجمها ليصل إلى 18500 مليون دينار أي 133% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه النسبة تفوق ضعف نسبة المعيار. وحسب ستاندرد أند بورز ستصل إلى 139% في 2028.
ترتب على هذا الارتفاع تزايد الفوائد من 115 مليون دينار في 2011 إلى 1031 مليون دينار في 2025.
في بداية هذه الفترة كانت الفوائد تعادل 6.4% من الاحتياطي النقدي ثم ارتفعت في نهايتها لتصل إلى 75.6% منه. في بداية الفترة كانت الفوائد تعادل نصف الاعتمادات المخصصة لوزارة التربية والتعليم. وفي نهايتها باتت تتجاوز ثلاثة أضعاف اعتماداتها.
أصبحت فوائد الديون على درجة من الخطورة بحيث ينبغي رصد ثلثي إيرادات النفط لسدادها. كما يمكن التعرف على ثقل المديونية العامة عن طريق تطور العلاقة بين حجمها والفوائد المترتبة عليها. في 2011، كانت الفوائد تعادل 3.2% من حجم الديون وفي 2025 ارتفعت النسبة إلى 5.6%. يشير هذا الوضع إلى تصاعد أسعار الفائدة على الديون لا سيما الخارجية التي تشكل 60% من المديونية الكلية. في حين تتجه أسعار الفائدة إلى الهبوط في السوق العالمية.
وارتفعت فوائد الديون بصورة هائلة مقارنة بالإيرادات العامة. في 2011، كانت الفوائد تعادل 6.9% من هذه الإيرادات ثم ارتفعت باستمرار حتى بلغت 30.5% منها في 2026. وبهذا الصدد، ذكرت فيتش في تقريرها الأخير حول البحرين أن هذه النسبة المرتفعة تعادل ضعف النسبة للدول الحاصلة على درجة بي من هذه الوكالة، وكأنها تلمح إلى هبوط قادم للتصنيف.
كما تشير ميزانية 2026 إلى تصاعد جديد لفوائد الديون لتصل إلى 1155 مليون دينار. وهذا لا يشجع الوكالات على تحسين تصنيف البحرين على المدى القصير. فحصلت كما ذكرنا على نظرة مستقبلية مستقرة.
نستنتج من هذه المؤشرات تدهور مالية البحرين، الأمر الذي يقتضي تخفيض تصنيفها الائتماني خاصة بعد رفع سقف الدين العام.
لماذا ارتفع هذا السقف؟
في 2023، صدر المرسوم رقم 13 الذي يسمح لوزارة المالية بعقد قروض قيمتها الكلية 16 مليار دينار. وفي 2024، تم تعديل هذا المرسوم بالمرسوم رقم 10 فارتفع سقف الدين العام إلى 18 مليار دينار.
وفق وزارة المالية نجمت هذه الزيادة عن ثلاثة أسباب.
السبب الأول يتعلق بهيئة الكهرباء والماء التي لم تستطع دفع فواتير الغاز المترتبة عليها. لأن الإيرادات التي حصلت عليها من المستهلكين لا تغطي (حسب الوزارة) هذه الفواتير. فاضطرت الحكومة إلى دفعها.
يفترض أن تكون حسابات هذه الهيئة متوازنة منذ 2021 بموجب برنامج التوازن المالي. وبالتالي فأن عدم استطاعة الهيئة دفع فواتيرها يعني فشل البرنامج فيما يخص تنظيم حساباتها.
والسبب الثاني ترى وزارة المالية أن فوائد الدين العام التي كانت مقدرة في ميزانية 2024 بمبلغ 835 مليون دينار ارتفعت في الحساب الختامي إلى 945 مليون دينار. استوجب هذا الارتفاع (حسب الوزارة) زيادة سقف الدين. لكن المرسوم رقم 10 صدر في أغسطس 2024. أي قبل معرفة الحساب الختامي للميزانية بعدة شهور. لم يكن إذن الحساب الختامي معروفاً عند صدور المرسوم. وعليه، لا يمكن قبول هذا السبب غير المنطقي.
حسب وزارة المالية قاد السببان الأول والثاني إلى ارتفاع سقف الدين بمبلغ مليار دينار، أما السبب الثالث فقد أدى إلى زيادة أخرى بمبلغ مليار دينار أيضا.
السبب الثالث تأخر المساعدات الخليجية. الأمر الذي أفضى (وفق الوزارة) إلى الاقتراض من السوق العالمية بأسعار فائدة مرتفعة. تعتمد البحرين على هذه المساعدات. لذلك، ترتبك ماليتها في حالة تأخيرها، وبدونها يهبط تصنيفها الائتماني بشدة.
لكن لا يصح الربط بين تأخر المساعدات والاقتراض بأسعار مرتفعة. لأن أسعار الفائدة في العالم تتجه نحو الهبوط لا الارتفاع كما ذكرنا. أما ارتفاع الفوائد على ديون البحرين فمرده السياسة الاقتصادية المتبعة خاصة من الزاوية المالية وليس تأخر المساعدات الخليجية.
هذا السبب محل نظر أساساً. لا شك أن المنامة واجهت انتقادات غير مباشرة من الدول المانحة بشأن إدارتها المالية لكن الأطراف الخليجية مقتنعة بضرورة هذه المساعدات ليس فقط لأسباب مالية بل كذلك لأسباب سياسية ترتبط بأمن الخليج. لذلك لا يتصور قطع هذا الدعم المالي أو تأخيره طويلاً في ظل عجز مالي هائل المتزايد بسبب الحرب على إيران.
وبما أن جميع الأطراف مقتنعة بأهمية مواصلة هذا الدعم فأن وكالات التصنيف لم تمنح اعتباراً لهذا التأخير الطارئ ولم تخفض الدرجة بسببه. ونلاحظ أن المساعدات الخليجية ليس هبات مجانية بل قروض طويلة الأمد بدون فوائد. وبالتالي يتعين سدادها لاحقاً فترتفع الديون العامة.
نظرة سلبية بسبب حرب إيران
أدت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران إلى تدهور المؤشرات المالية والتجارية للبحرين، وقادت إلى تخفيض آخر للتصنيف الائتماني.
تعتمد البحرين اعتماداً أساسياً على إيرادات النفط التي قدرت بمبلغ 1684 مليون دينار في الميزانية الحالية. أي 47.6% من الإيرادات الكلية للدولة. ونظمت هذه الميزانية بعجز قدره 1077 مليون دينار كما ذكرنا.
تعتمد الصادرات النفطية البحرينية على مضيق هرمز. وبالتالي أثر إغلاقه تأثيراً سلبياً وقوياً على إيرادات الدولة. وسيفضي إلى تفاقم العجز المالي فترتفع القروض وتزداد المديونية العامة رغم الإجراءات الإصلاحية المتبعة.
وفي هذه الميزانية بلغت النفقات العسكرية 2900 مليون دينار بغض النظر عن مصروفات وزارة الداخلية.
أطلقت إيران على البحرين 188 صاروخاً باليستياً و468 مسيرة استهدفت مصانع الألمنيوم ومنشآت نفطية وبنى تحتية إضافة إلى القوات الأمريكية. أدى التصدي لهذه الهجمات والاستعدادات لهجمات أخرى إلى ارتفاع المصروفات العسكرية المرتفعة أساساً. فازداد مرة أخرى العجز المالي.
وللسياحة الأجنبية أهمية كبيرة في اقتصاد البحرين خاصة في ميزان المدفوعات. قادت الحرب إلى تراجع إيراداتها البالغة 1.9 مليار دينار في 2024، كما تدهورت الأنشطة المرتبطة بها.
يتسم الاحتياطي النقدي بالضعف لأنه يغطي الواردات لمدة تقل عن شهرين فقط. مقابل 7 أشهر في الكويت و12 شهراً في العراق و13 شهراً في السعودية. لهذه الأسباب قررت موديز في أبريل 2026 تخفيض النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية، أي قد تنخفض درجة التصنيف في الأشهر القادمة.
كان من الممكن أن تهبط الدرجة أيضاً لولا قناعة الوكالات الدولية بأن ضعف الاحتياطي النقدي سوف يعوض عن طريق المساعدات الممنوحة من دول الخليج للبحرين لمواجهة تداعيات الحرب.
لابد من إصلاح شامل للمالية العامة البحرينية يهدف إلى زيادة الإيرادات غير النفطية لاسيما الضرائب المباشرة وتقليص النفقات العامة خاصة العسكرية. عندئذ، يهبط العجز المالي فتنخفض المديونية وتتراجع الفوائد، ويمكن القول إنه لا يمكن تحسين درجة التصنيف الائتماني للبحرين إلا عن طريق هذا الإصلاح.
