أسهمت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران مساهمة فاعلة في تدهور جميع المؤشرات الاقتصادية في العراق. فقد ارتفع معدل الركود التضخمي وهبطت بشدة إيرادات النفط وتصاعد العجز المالي. ترتب على ذلك تفاقم المديونية العامة وتراجع الاحتياطي النقدي وتدهور القيمة التعادلية للدينار. كما أفضت هذه الحرب إلى تعليق شحنة نقدية من واشنطن إلى بغداد. تمخض عن هذه المؤشرات تخفيض التصنيف الائتماني للدولة.
أدت حرب إيران إلى خلق مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية في جميع بلدان المعمورة، لكن حدة هذه المشاكل تختلف من بلد إلى آخر. العراق من البلدان الأكثر تأثراً، من الناحية العسكرية هو البلد الوحيد الذي يتلقى ضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وكذلك من مليشيات مسلحة محلية تابعة للنفوذ الإيراني. أضف إلى ذلك ما يترتب من تداعيات عسكرية على العامل الجغرافي.
وفي حين أن لدى دول مجلس التعاون صناديق سيادية عملاقة يمكنها مواجهة الظروف الطارئة، لا يملك العراق مصدة مالية قادرة على تحمل تبعات هذه الحرب. كما يخضع العراق لقرارات أمريكية ترتبط بالعلاقات المالية والتجارية والمصرفية مع إيران.
انطلاقاً من هذه الخصوصيات، خلقت هذه الحرب أزمة خطيرة للعراق، وأصبح العراقيون يعانون من حالة الركود التضخمي، أي الجمع في آن واحد بين تراجع معدل النمو وارتفاع الأسعار.
في أكتوبر 2025، قدم صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدلات النمو في العالم لعام 2026 ثم أجرى تعديلاً عليها في أبريل 2026 بسبب معطيات حرب إيران. في العراق كانت توقعات أكتوبر تشير إلى ركود بنسبة عالية قدرها 6.8%، ثم وصلت في أبريل إلى 10.4% وهي ثاني أعلى نسبة للركود في الدول العربية بعد قطر.
ارتفعت أسعار السلع ارتفاعاً كبيراً بسبب غلق مضيق هرمز حيث يستورد العراق عبر هذا المضيق سلعاً قيمتها 25.6 مليار دولار في السنة أي ما يعادل 64% من وارداته السلعية الكلية. قاد هذا الغلق إلى تصاعد تكلفة الشحن فارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية، وبخاصة المواد الغذائية.
وبما أن العراق بلد ريعي يستخدم العوائد النفطية لاستيراد مختلف المواد، أصبحت الحرب سبباً أساسياً في تدهور مستوى معيشة المواطنين، لاسيما أصحاب الدخول المحدودة. تعتبر إيران في مقدمة البلدان التي تصدر للعراق مختلف أنواع السلع الغذائية والصناعية والأولية. والعراق رغم كونه من كبار البلدان المصدرة للنفط في العالم يستورد منتجات نفطية من إيران، كما يستورد منها الكهرباء والغاز الطبيعي الذي يستخدم لتوليد الطاقة الكهربائية في عدة مدن جنوبي البلاد. ولا يجد بديلاً عن هذه الإمدادات الطاقية المتأثرة بعاملين: العامل الأول العمليات العسكرية التي أضرت مؤقتاً بمحطات طاقية إيرانية انعكست مباشرة على كمية الغاز المخصصة لبغداد، والعامل الثاني العقوبات الأمريكية ضد إيران. لذلك، تخضع هذه الإمدادات لموافقات أمريكية دورية تتجدد حسب رغبة واشنطن ووفق شروط محددة.
ومن زاوية أخرى يعتمد حساب الخدمات في ميزان مدفوعات العراق اعتماداً وازنًا على الإيرادات السياحية البالغة 5.7 مليار دولار والتي تتأتى بالدرجة الأولى من ثمانية ملايين سائح إيراني يزورون العراق سنوياً، أدت الحرب إلى انقطاع هذه السياحة الدينية وبالتالي إلى حرمان البلاد من هذه الإيرادات. وبالنتيجة، تضررت جميع المرافق السياحية في النجف وكربلاء.
تردي الوضع المالي
بقدر ما يتعلق الأمر بالحرب على إيران تتسم مالية العراق بأربع سمات أساسية:
السمة الأولى اعتماد الإيرادات العامة اعتماداً شبه كلي على العوائد النفطية التي تسهم بنسبة لا تقل عن 81% من الإيرادات، في حين لا تتجاوز مساهمة العوائد النفطية في السعودية 60% من الإيرادات، علماً بأن السعودية من أكبر مصدري النفط. وعلى هذا الأساس، يسبب انخفاض الإيرادات النفطية أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة. ولتحليل مدى تأثير هذه الحرب لابد من تقسيم نفط العراق إلى قسمين:
القسم الأول نفط السلطة المركزية وهو النسبة الأكبر، ويتم استخراجه بالدرجة الأولى من حقول البصرة جنوبي البلاد ويصدر عن طريق الخليج عبر مضيق هرمز. أدت الحرب إلى توقف هذه الصادرات بصورة شبه كلية.
قبل الحرب كان العراق ينتج 4.5 مليون ب/ي: مليون ب/ي للاستهلاك المحلي و3.5 مليون ب/ي للتصدير. في مارس 2026 وبسبب غلق مضيق هرمز هبط التصدير إلى 0.6 مليون ب/ي، فبلغ أجمالي التصدير لشهر مارس 18 مليون برميل مقابل أكثر من 100 مليون برميل في فبراير.
أما القسم الثاني فهو نفط كردستان في شمالي البلاد الذي لم يتأثر كثيراً لأنه يمر عبر ميناء جيهان التركي. علماً بأن منشآت نفطية تعرضت لعدة هجمات.
من الصعب تقدير الحجم الحقيقي لإنتاج الإقليم لأسباب سياسية بالدرجة الأولى. من الناحية الرسمية يبلغ إنتاجه 450 ألف ب/ ي: 50 ألف ب/ي للاستهلاك و400 ألف ب/ي للتصدير.
والسمة الثانية استحواذ مرتبات الموظفين على نصف النفقات العامة: 8 ترليونات دينار شهرياً (6 مليارات دولار). لذلك، غالباً ما يقود هبوط الإيرادات النفطية إلى تأخر الحكومة في دفع المرتبات، وهو الأمر الذي يؤثر بشدة على معيشة الملايين ويفضي إلى ارتفاع مديونيتهم ويسبب التأخير مشكلة اقتصادية خطيرة ترتبط بتراجع الاستهلاك في الأسواق. عندئذ، يسهم ذلك في تباطؤ الأنشطة الاقتصادية فيرتفع معدل الركود وتزداد البطالة.
والسمة الثالثة العجز المالي المزمن والهائل البالغ أكثر من ستين ترليون دينار والذي أدت الحرب إلى ارتفاعه. وتبرز هنا مشكلة أخرى ترتبط بكيفية تغطيته. وعلى خلاف دول مجلس التعاون، لاسيما الإمارات والسعودية وقطر والكويت، لا يوجد في العراق صندوق سيادي يمكن الاعتماد عليه لسد العجز المالي. ولذلك، تلجأ بغداد إلى القروض الخارجية والبنك المركزي والسحب من الاحتياطي النقدي.
وهكذا، قادت الحرب إلى تفاقم مديونية العراق وتزايد معدل التضخم وتقليص المقدرة المالية للدولة، كما أدت إلى هبوط حاد للقيمة التعادلية للدينار.
أما السمة الرابعة فتتعلق بهيمنة واشنطن على مالية العراق برمتها.
ضغط نقدي أمريكي
ترتبط مالية العراق ارتباطاً وثيقاً بالقرار الأمريكي لأن إيرادات النفط تودع في حساب خاص خاضع من حيث الصرف لواشنطن. في الآونة الأخيرة قررت الولايات المتحدة تعليق شحنة نقدية للعراق بقيمة 500 مليون دولار. الأمر الذي أثر بشدة على رواتب الموظفين من جهة وعلى عرض الدولار فانخفض سعر صرف الدينار من جهة أخرى.
اتخذ هذا القرار للضغط على بغداد من جانبين: الجانب الأول يرتبط بتسمية رئيس الوزراء. والجانب الثاني يتعلق بالتأثير على الحكومة الجديدة لتفكيك المليشيات المحلية المسلحة الموالية لإيران التي تستهدف القوات الأمريكية. تجدر الإشارة إلى أن إيران سببت تعليقات أخرى للشحنات النقدية من الولايات المتحدة، ففي 2023 رفضت واشنطن طلب العراق بإرسال مليار دولار.
ولكن كيف حصلت واشنطن على هذه الصلاحية؟ في مايو 2003 (بعد أشهر من سقوط النظام السابق) اتخذ مجلس الأمن القرار رقم 1483. يحتوي على 27 فقرة تتعلق بعدة نقاط أهمها إلغاء العقوبات التجارية التي كانت مفروضة قبل هذا التاريخ بسبب احتلال الكويت. وتنص الفقرة 12 منه على إنشاء “صندوق تنمية العراق” الذي يحتوي على الإيرادات التي يحصل عليها العراق من صادراته النفطية. وتستخدم هذه الإيرادات لتلبية حاجات الشعب (الفقرة 14 من القرار)، ويتم صرفها بتوجيه من الحكومة العراقية بالتشاور مع سلطة الائتلاف المؤقتة الأمريكية (الفقرة 13).
لا توجد في هذا القرار أية إشارة للفيدرالي الأمريكي لكن سلطة الائتلاف المؤقتة وبسبب هيمنتها الكلية اتخذت قراراً بوضع هذا الصندوق تحت إشراف الفيدرالي الأمريكي. استندت هذه السلطة في قرارها إلى ضرورة حماية الأموال العراقية من المطالبات الدولية الناجمة عن ديون العراق الخارجية الهائلة. من الناحية القانونية ليس للولايات المتحدة الحق في الإشراف على هذا الصندوق بل أن قرار مجلس الأمن رقم 1956 لسنة 2010 أنهى العمل بالصندوق اعتباراً من 30 يونيو 2011.
ولكن من الناحية العملية للهيمنة الأمريكية على أموال العراق أهمية ترتبط بالرقابة على الصرف. خاصة وأن العراق يعاني من تفشي الفساد المالي، ووفق منظمة الشفافية الدولية، يحتل العراق المرتبة العالمية رقم 136 وهو بذلك من بين الدول الأكثر فساداً في العالم.
أصبحت هذه الصلاحية وسيلة فاعلة تستخدمها الإدارة الأمريكية لتحقيق أهدافها وفي مقدمتها تحديد علاقة العراق بإيران.
مضيق هرمز وأنابيب النفط
في عام 1973، عقد اتفاق بين العراق وتركيا ينظم نقل النفط عبر أنبوب يربط حقول كركوك العراقية بميناء جيهان التركي، وينص الإتفاق على خضوع كميات النفط لموافقة الحكومة العراقية، لكن حكومة كردستان أجرت خاصة بعد 2010 اتفاقات مع أنقرة لبيع النفط بأسعار تقل بكثير عن الأسعار العالمية ومنحت للجانب التركي مكاسب سخية ترتبط بالرسوم.
وفق بغداد، تتعارض هذه الاتفاقات مع الدستور العراقي الذي يعتبر النفط ملكاً للشعب العراقي بأكمله. وتخالف أيضاً اتفاق 1973. لذلك، قدمت الحكومة في 2014 شكوى أمام محكمة التحكيم الدولية في باريس تتضمن تصدير النفط عن طريق خط كركوك-جيهان دون موافقة الحكومة العراقية. وبعد تسع سنوات (أي في 2023) أصدرت المحكمة قراراً لصالح العراق ينص على تغريم تركيا 1.5 مليار دولار.
أدى القرار إلى توتر العلاقات بين البلدين. عندئذ، قررت تركيا في تموز 2025 إنهاء العمل بالاتفاق اعتباراً من أغسطس 2026.
لا شك أن القرار التركي يضر بالمصالح العراقية خاصة بعد غلق مضيق هرمز، حيث استغلت تركيا هذه الحالة فوضعت شروطاً لاستمرار العمل بالاتفاق منها زيادة الرسوم والتنازل عن التعويضات.
ولغلق مضيق هرمز علاقة أخرى بنقل نفط العراق. فخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) قامت السعودية ببناء أنبوب ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، الهدف منه إيجاد ممر جديد للنفط السعودي في حالة غلق مضيق هرمز.
كما قامت الإمارات في 2008 ولنفس الهدف ببناء أنبوب بين حقل حبشان في أبو ظبي وميناء الفجيرة على خليج عمان. أما في العراق فأن فكرة إنشاء أنبوب بديل عن مضيق هرمز تعود الى فترة الحرب العراقية الإيرانية لكنها لم تر النور إلا بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الأمر الذي أدى إلى خسائر مالية فادحة قياساً بالسعودية والإمارات.
في أبريل 2026، وافق مجلس الوزراء على مشروع أنبوب يربط حقول البصرة بمدينة حديثة في محافظة الأنبار غربي العراق، وذلك بطاقة قدرها 2.3 مليون ب/ي وطول 685 كلم، وبكلفة أولية قدرها 1.5 مليار دولار. ومن مدينة حديثة يتفرع الأنبوب إلى ثلاثة اتجاهات: جيهان في تركيا وبانياس في سوريا والعقبة في الأردن. علماً بأن أقصر مسافة للوصول إلى البحر هي حديثة – بانياس.
هذا الأنبوب على درجة كبيرة من الأهمية خاصة وأنه يمر بالمصافي العراقية الواقعة على مساره.
هبوط التصنيف الائتماني
يتبين مما تقدم أن حرب إيران أدت إلى خلق مشاكل اقتصادية خطيرة للعراق، ترتب عليها تخفيض التصنيف الائتماني المتدهور أساسا.
في 17 أبريل 2026، خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني للعراق إلى درجة (سي أي أي واحد) مع نظرة سلبية. بمعنى أن العراق يقع في الدرجة المتدنية رقم 17 من سلم الوكالة الذي يحتوي على عشرين درجة، أما النظرة السلبية فتعني إمكانية تعديل هذه الدرجة نحو الأسفل في المستقبل القريب. استندت الوكالة في قرارها إلى مجموعة مؤشرات أهمها الهبوط الحاد للصادرات النفطية والمديونية البالغة 129 مليار دولار والتي ترتفع سنويا، كذلك تراجع الاحتياطي النقدي من 73 مليار دولار في بداية 2026 إلى 51 مليار دولار في بداية 2027، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الركود.
جميع هذه المؤشرات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرب. أضف إلى ذلك عدم وجود سياسة إصلاحية جدية للتصدي لهذه المشاكل الخطيرة، نلاحظ أن هبوط التصنيف الائتماني للعراق لا يقتصر على موديز بل يشمل ستاندرد اند بورز وفيتش.
يؤثر هذا الوضع تأثيراً بالغاً على قرارات الاستثمارات كلما هبطت درجة التصنيف ازدادت مخاطر الاستثمار. كذلك يسهم التصنيف في تحديد أسعار الفائدة على القروض، كلما هبطت درجته تصاعدت هذه الأسعار، وعندئذ، ترتفع نفقات الدولة ويتفاقم عجز الميزانية.
أفرزت حرب إيران دروساً ينبغي الاستفادة منها وتستوجب إجراء تعديلات جوهرية على السياسة الاقتصادية العراقية التي تعاني أساساً من أزمة خطيرة. يتعين تنويع مصادر الناتج المحلي الإجمالي بتطوير القطاعين الزراعي والصناعي. إنتاج واستغلال الغاز الطبيعي المصاحب بدلاً من إحراقه الذي يسبب مشاكل مالية وبيئية. ضرورة تنفيذ مشروع أنبوب بصرة-حديثة بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. معالجة العجز المالي المزمن بزيادة الإيرادات غير النفطية والضغط على النفقات غير الإنتاجية. وإنشاء صندوق سيادي يسهم في التصدي للأزمات المالية الطارئة.
