منذ اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، سقطت اللغة الدبلوماسية المعتادة عن واقع الانقسام الخليجي المتصاعد. الحرب التي بدأت بضربات واسعة على إيران، انتقلت سريعًا إلى الخليج عبر الصواريخ والمسيّرات، لتضع دول مجلس التعاون أمام اختبار صعب ومُكلف. هذا المشهد وضع مجلس التعاون أمام أحد أصعب اختباراته منذ تأسيسه، اختبار يتعلق بقدرته على تجاوز الانقسامات وصياغة مقاربة موحدة في لحظة استهداف مباشر لدوله ومصالحه الحيوية.
الأسابيع الأولى من الحرب أظهرت أن الخليج لم يدخل الأزمة ككتلة واحدة. الإمارات والبحرين تحركتا من موقع أكثر تشددًا تجاه إيران، متأثرتين بحجم الاستهداف وقسوته، وبالارتباط الأمني العميق مع الولايات المتحدة وموقعهما في معادلة التطبيع مع إسرائيل. السعودية بدت أكثر حذرًا، وحريصة على حماية منشآتها واقتصادها ومشاريعها من انزلاق طويل، ومترددة في تحويل الحرب إلى مواجهة مفتوحة يصعب ضبطها. قطر تمسكت بمنطق التهدئة والوساطة، فيما بقيت عُمان أقرب إلى تقليدها الدبلوماسي القائم على إبقاء العلاقات وقنوات الاتصال مفتوحة مع طهران. هذا التباين لم يكن تفصيلًا في إدارة الأزمة، هو خلاصة لسنوات طويلة من اختلاف التصورات حول إيران، والولايات المتحدة، وإسرائيل، ودور كل دولة في الإقليم.
السعودية والإمارات: الأزمة تتصاعد
كان يفترض أن تكون القمة التشاورية التي عقدت في جدة في 28 أبريل 2026 لحظة ترميم سياسي للمجلس. تحدث البيان الرسمي عن إدانة الهجمات الإيرانية، وأعاد التأكيد على حق دول المجلس في الدفاع عن نفسها بشكل فردي أو جماعي. هذه الصياغة كشفت حدود الممكن أكثر مما أعلنت وحدة القرار؛ إذ لم يصدر عن القمة ما يشير إلى غرفة عمليات خليجية موحدة، أو تفاهم سياسي معلن حول استخدام القواعد الأجنبية، أو موقف جماعي من المسار التفاوضي مع طهران، أو تصور مشترك لمستقبل الأمن البحري في هرمز، أكثر من ذلك، كان غياب سلطنة عمان، فضلاً عن انخفاض مستوى تمثيل الإمارات، دلالة مباشرة على حجم الخلافات بين دول المجلس.
في اليوم نفسه، جاءت خطوة الإمارات بالخروج من أوبك وأوبك+ لتمنح أزمة العلاقات السعودية الإماراتية بعدًا اقتصاديًا صريحًا. هذا الإعلان الإماراتي مثل خروجًا من إحدى أهم الساحات التي مارست السعودية عبرها نفوذها الدولي لعقود. رويترز وصفت القرار بأنه ضربة للمنظمة، وأنه يوسع الشرخ بين أبوظبي والرياض في لحظة كشفت فيها حرب إيران خلافات داخل البيت الخليجي. لاحقًا، قال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي إن القرار لا يستهدف أحدًا، وإن بلاده تريد الإنتاج من دون قيود استجابة لمصالح المستثمرين والطلب العالمي، في إشارة واضحة إلى أن أبوظبي لم تعد ترى نفسها ملزمة بالإيقاع السعودي في إدارة الطاقة.
منذ سنوات، تتحرك الرياض وأبوظبي في مسارين متداخلين ومتنافسين. كلاهما يسعى إلى جذب المال والتكنولوجيا والشركات والموانئ ومراكز القرار الإقليمي. السعودية تريد تحويل ثقلها السكاني والجغرافي والديني إلى مركز اقتصادي وسياسي جديد، والإمارات تريد حماية نموذجها القائم على السرعة والانفتاح والخدمات والربط العالمي. الحرب جعلت هذا التنافس أكثر قسوة؛ فإغلاق هرمز هدد النموذجين معًا، غير أنه دفع كل طرف إلى قراءة مختلفة، حيث تميل الرياض إلى خفض التصعيد فيما تميل أبوظبي إلى ردع إيران سريعًا ومنعها من تحويل أمن الخليج إلى رهينة دائمة.
تقديرات أمنية خليجية تقاطعت مع حديث متزايد داخل الأوساط العسكرية عن تراجع مستوى التنسيق العملياتي بين الدولتين خلال مرحلة التصدي للهجمات الإيرانية، بما في ذلك تبادل البيانات الرادارية والإنذار المبكر، وهو الأمر الذي كان له تأثير على وصول مسيرات وصواريخ إيرانية لبعض الأهداف في البلدين.
الدوحة وأبوظبي: السماء ملبدة بالغيوم
تبدو العلاقة الإماراتية القطرية بدورها أقل استقرارًا مما توحي به الزيارات المتبادلة – المبالغ فيها – بين القيادات السياسية في البلدين. أنهت قمة العلا عام 2021 الأزمة الخليجية إلا أن جذور الأزمة لا تزال فاعلة. الخلاف حول الإسلام السياسي وتركيا وليبيا والقرن الأفريقي ودور الإعلام وأزمة التراشق الإعلامي في العواصم الغربية عبر الوكلاء، كلها خلافات حاضرة تحت سقف المصالحة.
في الحرب الأخيرة، اكتسب هذا التوتر معنى جديدًا. اختارت قطر عدم التخلي عن دور الوسيط أو عن علاقتها العملية مع واشنطن، بالتوازي، تمنعت الدوحة عن أن تتحول إلى منصة سياسية لأي تصعيد ضد طهران. بالنسبة للإمارات، فهي تنظر إلى الخطر الإيراني من زاوية مختلفة، ترى فيها أن التهدئة الطويلة تمنح طهران وقتًا لإعادة البناء وأن عدم الرد الحاسم يضع أمن الخليج كله تحت الابتزاز. ما بين المقاربتين، هناك مسافة يصعب ردمها بمجموعة من البيانات الدبلوماسية التضامنية بين الجانبين.
أما البحرين، فتقف في أحد أكثر المواقع حساسية. انضمت المنامة إلى اتفاقات أبراهام إلى جانب الإمارات.
داخليًا، تحمل البحرين ذاكرة ثقيلة من التوترات الطائفية والتدخلات الإيرانية. لهذا، تبدو المنامة أقرب إلى أبوظبي في قراءة الخطر الإيراني وأكثر استعدادًا لدعم مقاربة حادة تجاه طهران. في المقابل، هذا الاصطفاف يضعها في مساحة دقيقة مع الرياض، التي تمثل الضامن الأمني العميق لها، والتي تريد في هذه المرحلة إبطاء التصعيد لا توسعته. حتى الآن، لا توجد شواهد علنية كافية على أزمة سعودية ـ بحرينية مباشرة، لكن موقع البحرين بين الضمانة السعودية والاندفاع الإماراتي يجعلها مرشحة لأن تتحول إلى نقطة احتكاك داخلية في المجلس إذا اتسعت الفجوة بين الرياض وأبوظبي.
عُمان: رؤية مغايرة وحسابات خاصة
تمثل عُمان الوجه الآخر للأزمة. بنت مسقط سياستها الإقليمية على الحذر والوساطة والنأي بالنفس عن أي تحالفات حادة. هذه الحرب جعلت الحياد مكلفًا، ولئن كانت عُمان قد أدانت استهداف أراضيها وأراضي جيرانها، إلا أنها، وفي الوقت نفسه، عارضت الحرب بشدة، وأبقت التواصل مع إيران بحكم التاريخ والجغرافيا والإدارة المشتركة لمضيق هرمز. أكدت بيانات مسقط الرسمية رفض المساس بأمن دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تبدو مستعدة للتخلي عن دورها التقليدي كقناة تفاوض مع طهران، وهو الأمر الذي لم يعجب بعض عواصم الخليج التي اعتبرت تموضع السلطنة أقرب إلى إيران منه إلى دول المجلس.
تبعًا لهذا الملف، ليس في المقدور اعتبار التوتر الإماراتي العُماني مجرد تراشق إعلامي. جذور هذا الخلاف أعمق وتتصل بقضايا تاريخية والملف اليمني والموقع والموانئ والتطبيع الإماراتي مع إسرائيل والقلق العُماني من عسكرة هرمز. فعليًا، كلما اقتربت أبوظبي من استراتيجية الردع تجاه إيران ازداد شعور مسقط بأن أمنها يتحول إلى امتداد لمعادلات لا تتحكم فيها، وكلما تمسكت عُمان بدبلوماسية التهدئة، ازداد انزعاج أبوظبي. لا يدور الخلاف هنا حول لهجة البيانات أو مفرداتها، لكن حول تعريف الأمن نفسه.
مشهد معقد وعلاقات على الحافة
الأزمات والخلافات داخل مجلس التعاون لم تعد محصورة في ملف واحد. في 2017، كان مركز الانفجار هو العلاقة مع قطر. اليوم، تتوزع بؤر التوتر على أكثر من محور. السعودية والإمارات في ملفات الطاقة واليمن والقيادة الإقليمية؛ الإمارات وقطر في كلفات الإسلام السياسي والوساطة والنفوذ؛ الإمارات وعُمان في إيران واليمن والبحر والممرات؛ البحرين بين ضمانة السعودية وتشارك صلابة الموقف مع الإمارات؛ الكويت بين الحذر الداخلي وضرورات التضامن.
هذه ليست أزمات أو خلافات يمكن تسويتها بقمة مصالحة واحدة، والسبب هو أنها لا تقوم على مطلب محدد أو قائمة شروط، وإنما على اختلاف في قراءة النظام الإقليمي نفسه. تضاف إلى ذلك معضلة طبيعة العلاقات مع إسرائيل. الإمارات والبحرين دخلتا منذ 2020 في مسار تطبيع علني مع تل أبيب، فيما بقيت السعودية خارج الاتفاق الرسمي مع احتفاظها بقنوات غير معلنة واشتراطات سياسية. قبالة ذلك، تبدو قطر وعُمان والكويت أكثر تحفظًا، وبكل منها أسباب مختلفة.
الحديث عن احتمال حدوث قطيعة بين دول مجلس التعاون ليس مبالغة سياسية، ولا يعني ذلك أن المجلس في طريقه إلى انهيار قريب بالضرورة. لا شك أن المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية تجعل القطيعة الكاملة مكلفة للجميع، لكن هذا لن يمنع انتقال المجلس إلى وضع يمكن اختصاره في قطيعة دون إعلان، شراكة دون ثقة، اجتماعات بلا قرار وتنسيق أمني يدار عبر واشنطن أكثر مما يدار من داخل دول الخليج نفسها.
المسار الأول أمام دول المجلس هو ترميم علاقاتها في الحد الأدنى عبر تجميد الخلافات، وفتح حوار داخلي جاد وصريح لحلحلة الملفات تباعًا. المسار الثاني هو إدارة الانقسام. حيث يستمر المجلس بوصفه مظلة بروتوكولية، تتحرك داخله تكتلات صغيرة حسب الملف. المسار الثالث هو الانفجار. وهو ما قد يحدث بالتزامن مع أي تصعيد عسكري أو خلاف إعلامي أو أمني حاد، أو إذا شعرت دولة خليجية أن دولة أخرى تعرض أمنها للخطر عبر ترتيبات منفردة مع واشنطن أو تل أبيب أو طهران.
هذه الحرب لم تخلق الخلافات الخليجية، لكنها فاقمت الخلافات ونزعت عنها الغطاء أكثر. اليوم، تقف دول مجلس التعاون أمام لحظة إعادة تعريف قاسية لموقعها وتحالفاتها وحدود قدرتها على العمل كمنظومة واحدة، إذا لم تنجح العواصم الست في تجاوز هذه الأزمة، فإن المجلس سيبقى قائمًا في الشكل، فاقدًا لقدرته على إنتاج سياسة واحدة في اللحظات التي وُجد من أجلها. وفي المسافة بين بقاء المجلس شكلًا وتآكل قدرته فعلًا، يتقدم الخليج نحو مرحلة هي الأخطر منذ تأسيسه.
