إيران والانتخابات العراقية: من اللعب الخشن إلى الدبلوماسية المرنة
العراق بالنسبة لإيران ليس مجرد جار على حدودها الغربية، بل هو عمق استراتيجي يؤثر وتتحدد من خلاله قدرة إيران على التأثير في المنطقة. منذ سقوط نظام صدام حسين، أصبح العراق منصة أساسية لطهران لتوسيع نفوذها السياسي والأمني عبر بناء شبكة تحالفات داخل البيت الشيعي، وتأمين وجود مؤثر بين القوى السنية والكردية، مع استخدام أدوات اقتصادية وسياسية تجعل بغداد قلبًا استراتيجيًا تتحرك منه إيران في الشرق الأوسط. ومع كل انتخابات برلمانية عراقية، يصبح العراق اختبارا حاسما لقياس قدرة إيران على إدارة نفوذها وقوة خصومها واستثمار تحالفاتها بطريقة تحقق مصالحها طويلة المدى. وعليه، الانتخابات العراقية ليست مجرد حدث داخلي بل معركة استراتيجية تحدد شكل العراق وطبيعة الدور الإيراني فيه خلال السنوات المقبلة.
اليوم، تدرك طهران أن مرحلة الهيمنة المطلقة على القرار العراقي لم تعد ممكنة. لم يعد العراق ساحة يمكن السيطرة عليها بالقوة أو النفوذ الرمزي وحده، خصوصًا بعد اغتيال القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني، العقل الاستراتيجي لشبكة الفصائل المتحالفة معها، والذي كان يمثل نقطة ارتكاز تنسيقية لإيران في الداخل العراقي. ومع تصاعد نفوذ التيار الصدري ودعوته لاستقلال القرار الشيعي، باتت إيران مضطرة لإعادة صياغة استراتيجيتها: إدارة البيت الشيعي، خلق توازن داخلي ومنع أي انقسام قد تستغله القوى الأجنبية، وخصوصًا الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا.
في هذا الإطار، تحاول إيران تقريب المسافات بين القوى الشيعية المتنافسة. فهي تتعامل مع ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، وتحالف الفتح بقيادة هادي العامري، وشخصيات من الإطار التنسيقي، وأحيانا مع أطراف مقربة من التيار الصدري رغم الخلافات العميقة، بهدف خلق توازن داخلي يحمي مصالحها من أي شرخ سياسي قد يستغله الخصوم. هذا الأسلوب يعكس تحول إيران من فرض السيطرة المباشرة إلى ضبط التوازن الداخلي، بما يتيح لها النفوذ المستدام دون الصدام المباشر.
لكن إيران لا تكتفي بالقاعدة الشيعية التقليدية. فقد وسعت نفوذها ليشمل القوى السنية المعتدلة والشخصيات الكردية البراغماتية التي ترى في التعاون مع إيران ضمانًا للاستقرار السياسي والاقتصادي. هذا التحول الاستراتيجي يعكس رغبتها في تقوية نفوذها عبر ضمان المنافع المشتركة بدل الولاء العقائدي الصرف، ما يجعلها أقل تهديدا وأكثر قدرة على التكيف مع المشهد المتغير. ويأتي في مقدمة أدوات نفوذها الاقتصاد وقطاع الطاقة، حيث تشكل صادراتها من الكهرباء والوقود أكثر من ثلث حاجة العراق، ما يمنحها قدرة ضغط استراتيجية، وفي الوقت نفسه قاعدة تعاون مع القوى السياسية الراغبة في حلول اقتصادية مستدامة.
إضافة إلى ذلك، تولي إيران اهتماما كبيرا بالشبكات الاجتماعية والسياسية المحلية، بما في ذلك الجمعيات الدينية والمراكز الثقافية وبعض الوسائل الإعلامية المرتبطة بفصائلها، التي تعمل على تعزيز حضورها داخل المجتمع المدني وتأطير البيئة السياسية بما يخدم مصالحها. هذه الأدوات “الناعمة” جعلت إيران قادرة على إدارة نفوذها حتى في حال ضعف النفوذ العسكري المباشر أو التراجع المؤقت في السلطة التنفيذية.
رغم ذلك، يواجه النفوذ الإيراني تحديات كبيرة على أكثر من مستوى. تمارس الولايات المتحدة ضغطا مستمرا عبر القيود الاقتصادية على المصارف العراقية المرتبطة بها وعرقلة التحويلات المالية بهدف تقليص قدرة طهران على تمويل حلفائها. من جهة أخرى، تعمل دول الخليج وتركيا على تعزيز حضورها في المناطق السنية والكردية عبر مشاريع استثمارية وتنموية، ما يجعل العراق ساحة تنافس سياسي واقتصادي أكثر تعقيدا. داخليًا، يبرز خطاب “العراق أولا” في الأوساط الشيعية، مع أصوات مقربة من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وبعض قيادات الحشد الشعبي، الذين يطالبون بتوازن بين الشرق والغرب ورفض الانحياز الكامل لمحور واحد، ما يعكس تحولات داخل البيت الشيعي قد تحد من قدرة إيران على فرض إرادتها.
في هذا السياق، تحولت إيران من “اللعب الخشن” إلى البراغماتية السياسية والدبلوماسية. فهي لم تعد تسعى لتحريك الفصائل المسلحة مباشرة أو فرض قرارات على الحكومة، بل تتعامل مع الفصائل والحكومة على أنها شركاء في نظام إقليمي متعدد الأقطاب. هذا التوجه يتماشى مع تحركات طهران بالتوازي مع موسكو وبكين لتشكيل تحالف دولي بديل عما تسميه طهران بـ “الهيمنة الغربية”، مع استثمار العراق كمنصة استراتيجية في هذا التوازن الجديد.
تركز السياسة الجديدة على الاستقرار المحسوب والضغط السياسي والاقتصادي بدل الصدام المباشر، ما يعكس فهم إيران بأن العالم اليوم يسير نحو توازنات متعددة الأطراف لا يمكن تجاهلها.
من منظور التحليل الاستراتيجي، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لما بعد الانتخابات العراقية:
الاستقرار الموجّه: حيث تنجح إيران في الحفاظ على تماسك البيت الشيعي، ويستمر السوداني أو شخصية مشابهة في رئاسة الحكومة، ما يتيح لطهران تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي دون تدخل مباشر.
التوازن المتعدد: حيث تظهر قوى وطنية وسنية وكردية مستقلة تفرض قيودا على قدرة إيران، فتضطر لاستخدام أدواتها الناعمة مثل التجارة والاستثمار والدين والثقافة للحفاظ على تأثيرها.
الارتداد أو التراجع النسبي: حيث يؤدي تصاعد الانقسامات الشيعية أو الضغوط الإقليمية والدولية إلى الحد من نفوذ إيران مؤقتًا، إلا أن التجربة التاريخية تشير إلى أن النفوذ الإيراني يمكن استعادته بسرعة عبر تنشيط قنوات المقاومة ودعم حلفائها السياسيين.
الملمح الأهم في سياسة إيران اليوم هو تبني استراتيجية “اللا خصومة”: منع قيام حكومة معادية بوضوح، بدل فرض السيطرة المطلقة. هذا التوجه يعكس إدراك طهران بأن العراق لم يعد قابلا للهيمنة المطلقة لأي محور، وأن الحفاظ على النفوذ طويل الأمد يتطلب مرونة سياسية واقتصادية أكثر من التشدد الأيديولوجي. وفي إطار النظام الشرقي الجديد الذي تتبلور ملامحه بين طهران وموسكو وبكين، ترى إيران أن نجاحها في العراق سيكون نموذجا لقدرتها على العمل ضمن نظم إقليمية متعددة الأقطاب، ما يجعل الانتخابات المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرتها على إدارة النفوذ لا فرضه.
ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الحلفاء المحليين لإيران يشكلون قاعدة صلبة لدعم نفوذها، بدءًا من الفصائل الشيعية الكبرى وصولا إلى الشخصيات السنية والكردية التي ترى في التعاون مع طهران ضمانة للاستقرار الاقتصادي والسياسي. بينما تشكل قائمة الخصوم الأطراف التي تميل إلى الاستقلالية أو التي تتلقى دعم القوى الغربية والخليجية، وتعمل على تقويض قدرة إيران على التحكم في التوازنات الداخلية، ما يجعل المشهد الانتخابي معقدا ومفتوحا على مفاجآت غير متوقعة.
الانتخابات العراقية القادمة ليست مجرد محطة سياسية عابرة بل ساحة اختبار حقيقية لإيران على الصعيد الاستراتيجي: كيف يمكنها أن تحافظ على عراق مستقر، متوازن، وغير معادٍ، بينما تضمن مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية. تراهن إيران على الوقت والفرص الاقتصادية والدبلوماسية، على “اللا خصومة” كأساس، وعلى القدرة على توظيف كل أداة متاحة للحفاظ على موقعها في قلب العراق وشرق المتوسط لعقود قادمة، وسط شبكة من الحلفاء والخصوم المحليين والإقليميين والدوليين.