ميزانية السعودية 2018: مرحباً بالضرائب و”التعليم” أكبر الخاسرين 

لا يأتي التوتر السياسي والأمني هاجساً وحيداً يعيشه المواطن السعودي في عام 2018، تصاحبه هذا العام هواجس أعباء اقتصادية واجتماعية في ظل التوجهات التي تضمنتها ميزانية 2018. يتحمل المواطن لأول مرة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5%، والتي يتوقع لها أن تحقق إيرادات تصل إلى 23 مليار ريال سعودي.

وحسب البيان المالي لوزارة المالية عن ميزانية 2018، سيشهد الإنفاق العام تراجعًا في مخصصات أربعة قطاعات، مقارنة بما كان عليه الوضع في 2017، وهذه القطاعات هي (الإدارة العامة، والإنفاق العسكري، والأمن والمناطق الإدارية، والتعليم)، وبلغت نسب التراجع على التوالي 13.3%، 6.3%، 8.2%، 15.8%، والملاحظ أن قطاع التعليم هو أكبر القطاعات من حيث النسبة في تراجع مخصصات الإنفاق في 2018.

وتمثل القطاعات الأربعة المشار إليها في الرسم المرفق 50% من مكونات الإنفاق العام بالميزانية السعودية والتي تضم 8 قطاعات، إلا أن تخفيض الإنفاق على هذه البنود يشير إلى عدة ملاحظات مهمة، تزيد من الشكوك في قدرة الدولة على الوفاء بها على أرض الواقع ، ومن ذلك ما يلي:
أولاً: لا يبدو تخفيض المخصصات على قطاعي الأمن والإنفاق العسكري خلال 2018 في ظل الأوضاع التي تعيشها السعودية سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، لا يبدو منطقياً، فالإجراءات الأمنية والرقابية التي تشهدها المملكة في إطار مجموعة الإجراءات التي تتخذها الحكومة تجاه رجال الأعمال، واستمرار حملات ترحيل العمالة المخالفة، ومواجهة المناطق التي تحظى بتواجد شيعي، تفرض بقاء مخصصات قطاع الأمن على ما هي عليه إن لم تتطلب الزيادة.

كما أن التصعيد المستمر من قبل الحوثيين واستهداف الأراضي السعودية داخل المدن بالصواريخ، -وأخرها الصاروخ الذي استهدف أحد القصور داخل مدينة الرياض الثلاثاء 19 ديسمبر 2017- يجعل من الصعوبة بمكان أن يتراجع الإنفاق العسكري في السعودية، وبخاصة أن الحلول السياسية أصبحت بعيدة عن سيناريوهات التعامل مع الأزمة اليمنية الخليجية، فيما تشير الأحداث على الأرض إلى احتمالات التصعيد لهذه الحرب خلال العام 2018.

ثانيا: تخفيض مخصصات التعليم بنحو 36 مليار ريال في 2018، مقارنة بما كان عليه الوضع في 2017، وهو ما يعكس توجهات لا تتفق ومتطلبات التنمية، فهذا التراجع سيكون على حساب مستوى الخريجين، ونوعية التعليم التي تفرزها المؤسسات التعليمية، والتي بطبيعتها لا تتوافق واحتياجات سوق العمل، ومما يؤسف له أن بيان وزارة المالية لم يوضح البنود الفرعية بقطاع التعليم التي سينالها التخفيض، هل بند الأجور والمرتبات، أم مخصصات بناء المدارس، أم المعامل ووسائل الإيضاح، أم البعثات الخارجية؟

زيادة الديون

وفي ظل الوضع المالي المضطرب الذي تعيشه السعودية منذ أزمة انهيار أسعار النفط منتصف 2014، بات الدين العام مرشحاً للزيادة بشكل مضطرد، وذلك على الرغم من الإجراءات التي تتخذها الحكومة من تخفيض قيمة الدعم على السلع والخدمات، أو زيادة قيمة الضرائب وفرض الجديد منها، أو استهداف زيادة الرسوم الجمركية.

ويشير البيان المالي لميزانية 2018 إلى أن الدين العام السعودية بنهاية 2017 بلغ 438 مليار ريال (116.8 مليار دولار)، ويتوقع أن يصل إلى 555 مليار ريال (148 مليار دولار) خلال 2018، أي أن الدين العام سيشهد زيادة قدرها نحو 40 مليار دولار.
وتأتي الزيادة في الدين العام السعودي نتيجة العجز بالميزانية خلال عام 2018، والذي تستهدف الحكومة أن يكون بحدود 195 مليار ريال، وبنسبة تصل إلى 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، والعجز المستهدف في 2018 يعد أقل من العجز المتوقع في عام 2017 والمحتمل أن يكون في حدود نسبة 8.9% من الناتج.

وإذا كانت مؤشرات الأداء لعام 2017 بينت أن هناك تجاوزًا في مستهدفات الإنفاق العام بنحو 4.5%، فمن المتوقع في ضوء المستجدات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها السعودية أن تزيد نسبة تجاوز مخصصات الإنفاق في 2018، يصاحبها زيادة محدودة في الإيرادات العامة، لا تتناسب مع الزيادة أو التجاوز في الإنفاق العام، مما سيؤدي إلى المزيد من العجز بالميزانية عن المعدلات المستهدفة، وبالتالي زيادة الدين العام.

تأجيل التوازن المالي

بقراءة الأرقام التي تضمنها البيان المالي عن ميزانية 2018 يتبين أن هناك توقع بأن تصل الإيرادات العامة إلى 783 مليار ريال مقارنة بـ 696 مليار ريال في 2017، وذلك في ضوء الزيادة التي تتحرك فيها أسعار النفط بالسوق الدولية.
بينما على صعيد النفقات، نجد أن المستهدف أن تصل النفقات إلى 978 مليار ريال مقارنة بـ 926 مليار ريال في 2017، أي أن النفقات ستزيد بنحو 52 مليار ريال، وستظل الفجوة بين الإيرادات والنفقات بالميزانية إلى أن يصل سعر برميل النفط إلى سعر 75 دولار للبرميل، وهو السعر الذي حدده صندوق النقد الدولي لتعادل الميزانية السعودية.

وعلى الرغم من استهداف تراجع مخصصات الإنفاق في أربع قطاعات رئيسة نجد أن الحكومة تستهدف زيادة معدلات النمو ليصل إلى 2.7% خلال 2018، وهو هدف صعب تحقيقه في ظل المعطيات التي ذكرناها. ولعل ما ذكره البيان المالي بشأن تحقيق التوازن المالي، وتأجيل تحقيقه من عام 2020 إلى 2023 يؤكد ما نشير إليه من استمرار حالة الانكماش بالاقتصاد السعودي خلال الفترة القادمة.

الأعباء الاجتماعية

تستهدف ميزانية 2018 أن تصل الإيرادات الضريبية نحو 142 مليار ريال، بزيادة قدرها 45 مليار ريال متوقع تحقيقها في 2017، أي أن الزيادة في الإيرادات الضريبية ستكون بنسبة 46.3%، وبلا شك أن هذه الزيادة سيتحملها في النهاية المواطن، الذي يستعد لاستقبال أعباء أخرى متمثلة في زيادة أسعار الوقود والمياه والكهرباء.

وإذا كانت الإيرادات الضريبية ستمثل نحو 18% من إجمالي الإيرادات العامة في 2018، والبالغة 783 مليار ريال، فإن باقي الإيرادات متحققة من مساهمة الإيرادات النفطية، أي أن النفط يمثل نحو 82% من الإيرادات الإجمالية السعودية.

كما سيتحمل الوافدون أعباء إضافية لن يتحملها الموطنون، تتمثل في رسوم للوافدين وأسرهم نظير حصولهم على الإقامة، وذلك من أجل زيادة الإيرادات العامة غير النفطية، وتستهدف هذه الخطوة سعودة الوظائف من خلال رفع تكاليف المعيشة على الوافدين، وترغيب القطاع الخاص السعودي في الاستغناء عن العمالة الوافدة، من أجل تخفيض معدلات البطالة التي وصلت إلى 12.8% في 2017، وتستهدف الحكومة أن تخفض هذه المعدلات إلى 12%.

وإذا كانت الميزانية تشير إلى تبني الحكومة لبرنامج “حساب المواطن” لتوفير الحماية للفقراء ومتوسطي الدخل من الإجراءات الاقتصادية الجديدة، فإن المخصصات المرصودة بنحو 32 مليار ريال، سيكون نصيب كل فرد منها من المواطنين السعوديين نحو 1500 ريال في العام، ونحو 25 ريال في الشهر.

والجدير بالذكر أن علي الغفيص وزير العمل السعودي صرح خلال الأيام القليلة الماضية، بأن أعداد من تقدموا للاستفادة من برنامج حساب المواطن وصلوا إلى 13 مليون مواطن، بما يعادل نسبة 64% من السكان.

وبلا شك أن عدد المتقدمين للاستفادة من برنامج الدعم النقدي “حساب المواطن”، سيكون قابل للزيادة والنقص، في ضوء ما سيسفر عنه أداء الاقتصاد السعودي خلال عام 2018، من ركود أم انتعاش ورواج. فهل ستنجح الحكومة فيما أعلنته من تبنيها لبرامج تحفيزية في إحداث حالة من الانتعاش الاقتصادي

منشورات أخرى للكاتب