لم تعد شطآن المغرب العربي مجرد تخوم بعيدة تهدأ عليها الاستثمارات الخليجية من حين إلى آخر، منذ عقد ونيف، تحولت هذه الشواطئ إلى مرافئ ترسو بها أشرعة التنافس الخليجي المدفوعة برياح رغبة الاستحواذ على دائرة صنّاع قرار التجارة البحرية العالمية.
طيلة عقود، بقيت نظرة الخليج للمغرب العربي، وتحديدا المغرب وموريتانيا، حبيسة نظرة تقليدية للاستثمارات في السياحة والعقارات على وجه الخصوص، نتيجة تقييم كلاسيكي متوارث لثنائية تجمع الصحراء بالمحيط الأطلسي، نظرة مستمدة زخمها من التعاطف التاريخي مع حركات التحرر في شمال أفريقيا وواجب التضامن الذي تمليه الوحدة القومية. غير أنه منذ عقد من الزمن، تغيرت هذه النظرة من العمق العاطفي على نبله إلى مربع المصالح والنفوذ والاستثمار البنيوي عالي القيمة بعد قراءة جيوسياسية واقتصادية بعيدة النظر، أملتها التحولات السياسية المتسارعة في الشرق الأوسط.
بدأ التنافس الخليجي (الإمارات والسعودية تحديداً) على موانئ المغرب وموريتانيا يتشكل منذ عام 2008، وما بين العامين 2011 و2014 أخد منعرجا جديدا حين تحول غرب أفريقيا إلى قاعدة صناعية قوية ولوجستية نافذة تربط سوق الخليج بالعمق الأفريقي والسوق الأوروبية، إذ تمثل المغرب وموريتانيا بوابات أطلسية استراتيجية وجسراً بحرياً مهماً للعبور نحو أوروبا.
تشهد المنطقة الأفريقية الأطلسية اليوم سباقا لخيول النفوذ الخليجي الناعم، وإن كانت الإمارات تتقدم مستفيدة من خبرتها الطويلة عبر شركة موانئ دبي، تبدو السعودية قوية بثقلها المالي ويحدوها طموح تحقيق “رؤية 2030” واستغلال ممرات التجارة العالمية، فيما تحضر قطر في المشهد كراعية للاستثمارات وتأمين الممرات اللوجستية وتخزين الطاقة.
ملء الفراغ
بدأت الإمارات تهتم بموانئ نواكشوط ونواذيبو في موريتانيا منذ العام 2008، حين زار وفد من موانئ دبي العالمية موريتانيا، وأخذ اهتمامها منعرجا لافتا في 2020، لكن المشاريع لم تتجسد إلا في نهاية 2024 خلال قمة إماراتية مغربية موريتانية.
في فبراير 2020، وقعت أبوظبي ونواكشوط مذكرة تفاهم خصصت بمقتضاها الإمارات ملياريْ دولار في مشاريع استثمارية وتمويلات من صندوق أبوظبي للتنمية لتطوير المرافق والخدمات في ميناء تانيت الموريتاني وتحسين منشآت الشحن وتجديد أرصفة الحاويات. وفي دبي شملت الاتفاقيات الثنائية شراكة مع مجموعة الفتان القابضة للاستثمار الإماراتية لتحديث أسطول السفن الموريتانية التي تشكو من التقادم إلى جانب تعهد الإمارات بتقديم خدمات صيانة السفن.
تمثل موريتانيا من المنظور الإماراتي منفذا نحو الساحل الأفريقي، وتستفيد في الوقت الراهن من تراجع نفوذ فرنسا في تلك المنطقة حتى تلجَ إلى منطقة غرب أفريقيا.
لا تخفي الإمارات رغبتها في الاستحواذ المباشر على عقود إدارة وتشغيل طويلة الأمد لمحطات الحاويات، وهي تسعى إلى بناء شبكة موانئ متكاملة تمتد من شرق أفريقيا الى الغرب بهدف ضمان قيادة سلاسل الإمداد البحري وإلى ربط هذه الموانئ بمشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتصديرها لاحقا عبر موانئ متطورة.
وعن طريق موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبو ظبي، تكون الإمارات قد ضمنت بذلك إدارة الموانئ على طول السواحل الأفريقية. في المقابل تستفيد موريتانيا من حركة رؤوس الأموال الإماراتية لتحديث أسطولها القديم من السفن وتعصير موانئها، وكلها طموح في أن تتحول إلى مركز تجاري في غرب أفريقيا ومتنفسا للدول الحبيسة (التي لا تطل مباشرة على الأطلسي) مثل النيجر ومالي.
أما المغرب فتدفع إلى تفعيل “المبادرة الأطلسية” لربط دول الساحل الافريقي: مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، بالمحيط الأطلسي وهي فرصة مهمة للخليج للهيمنة على سلاسل الإمداد نحو أفريقيا.
ليس هذا كل شيء، إذ يعدّ مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي الذي يعبر موريتانيا فرصة استثمار مربحة للخليج مثلما يتيح فرص تخزين وتصدير النفط عبر الموانئ الأطلسية.
مضيق جبل الطارق والورقة الرابحة
تمثل موانئ طنجة والناظور المغربيين القريبين من مضيق جبل طارق أهمية قصوى للسعودية والإمارات بسبب محطات الحاويات والمناطق الحرة. تمر 20 ٪ من التجارة العالمية عبر مضيق جبل طارق، ولذلك، فإن حصول الإمارات أو السعودية على موطئ قدم فيه هو الورقة الرابحة بلا منازع كونه يُمكن موانئ دبي كما الشركات السعودية، من سيولة في الحركة والتدفق والالتفاف على المنافذ البحرية التقليدية المزدحمة.
ويمكن للشركات الخليجية استخدام محطات الحاويات لتوزيع البضائع القادمة من آسيا نحو أوروبا والقارة الأمريكية وتخفيف كلفة الشحن. كما توفر المناطق الحرة في الناظور وطنجة بفضل الإعفاء الضريبي وقربها من أوروبا منصات للتصدير والتصنيع بكلفة أقل.
ويمثل ميناء الناظور قطبا لوجستيا وطاقيا مناسبا لتخزين ما ينتجه الخليج من الهيدروجين الأخضر وتصديره مباشرة الى أوروبا. مثلما يستقطب ميناء الداخلة المغربي استثمارات إماراتية ضخمة وتعد الداخلة قطبا لمشاريع الطاقة النظيفة: الهيدروجين الأخضر، تولد عنه مشروع داهمكو الإماراتي المغربي لإنتاج مليون طن من الهيدروجين. كل ذلك يحتاج إلى مستودعات تخزين وتصفية هائلة توفرها موانئ المغرب بعيدا عن التوتر في مياه الخليج.
رؤية 2030 وخطة المرافئ
أما السعودية فتسعى في إطار “رؤية 2030” الى الاستثمار في موانئ المغرب وموريتانيا والاستجابة إلى “مبادرة الأطلسي للساحل”، وهو مشروع أطلقه العاهل المغربي محمد السادس لتمكين دول الساحل الأفريقي غير المطلة على الأطلسي (تسمى الدول الحبيسة) من الولوج مباشرة إلى المحيط الأطلسي بإنشاء ممرات برية تربطها بالبحر وتخفف عنها العزلة.
هذا المشروع تدعمه الرياض بشكل كبير فهي مهتمة بموانئ غرب أفريقيا لربط موانئها على البحر الأحمر بالممرات التجارية النافذة نحو أوروبا. ومنذ أغسطس 2026، شرعت السعودية في ربط ميناء جدة الإسلامي بميناء طنجة أحد أكبر موانئ أفريقيا، وهو ما يقلص مدة الشحن من 21 يوماً إلى 9 أيام كحد أقصى. هذا الخط البحري يذلل الصعوبات أمام المصدرين والموردين الذين كانوا يعتمدون على الترانزيت في موانئ أوروبا مثلما يسمح بنفاذ السلع المغربية إلى الأسواق الخليجية. في سباق التنافس، تبدو الغلبة للإمارات ذات الخبرة الواسعة عبر موانئ دبي في إدارة موانئ عديدة حول العالم، وهي التي بنت تحالفا استراتيجيا ثلاثيا – المغرب الإمارات- موريتانيا.
قطر والغاز الموريتاني
يركز الدور القطري على البعد اللوجستي، حيث تتوسع الدوحة عبر كيو ترمينالز في موانئ عالمية. وكانت الدوحة قد أعلنت عبر شركة قطر القابضة للاستثمار عن استعدادها للمشاركة في تمويل البنية التحتية للموانئ في المغرب.
وإذا كان ميناء الناظور المغربي يمكنها من تخزين الغاز والنفط، فهي تستفيد كذلك من ميناء مستقل في موريتانيا، هو ميناء الصداقة للتبادل التجاري. بعد اكتشاف الغاز الطبيعي على شواطئ موريتانيا أخذ الاهتمام القطري منعرجا جديدا إذ استحوذ على 40 ٪ من المنطقة التي تم اكتشافها بالشراكة مع شيل. وتعتمد عمليات التنقيب القطرية على مينائي نواكشوط ونواذيبو لشحن المعدات وحفر الآبار وإرسال الدعم الفني، وفي الآن ذاته ستكون هذه الموانئ محطات لتصدير الغاز مستفيدة من خط الغاز المغربي الموريتاني (أنبوب الغاز الأطلسي).
ثمار التحالف
توجه المغرب وموريتانيا يدا بيد إلى تحالف تاريخي في سياق المبادرة الأطلسية وتزامنه مع خط الغاز النيجيري المغربي، لم يكن مربحاً للبلدين فقط، لكنه أيضًا، شجع على استقطاب رؤوس الأموال الخليجية في وقت تبحث فيه الصناديق السيادية الخليجية على ملاذات آمنة. الحقيقة أن الاستثمار السعودي والإماراتي في البنية التحتية لموانئ المغرب يضمن عوائد طويلة الأجل خارج قطاع النفط. وفي الآن ذاته، يمنح الحضور في هذه الموانئ والمنافذ البحرية دول الخليج وزناً استراتيجياً وسياسياً ومنصة للتحكم في خطوط الملاحة الدولية وتجنب ممرات العبور التقليدية المتوترة، وهو ما يتيح للخليج رسم خارطة النظام العالمي بشقيه التجاري والأمني.
