الحرب الدائرة في اليمن مختبر صغير لا ينفصل عن الحرب في شبه الباردة في منطقة الخليج. التصعيد الذي عاد إلى حدود التماس منذ منتصف 2026، أعاد إدراج اليمن في معادلة الإقليم المرتبك، العاجز عن العودة إلى الوراء أو القفز أمام الحرب التي لم تنتهِ إلى نتائج حاسمة لأي طرف. تتقاطع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران والتنافس على أمن الممرات البحرية مع صراع يمني ظلّت هدنة 2022 تكبحه من دون أن تحسم أسبابه. أما تموضع دول الخليج من كل هذا، فيبقى كما هو، باعتبارها جزءًا من جغرافيا الحرب، تمويلها، تحمل خسائرها، بالتوازي مع كونها على هامش القرار فيها.
ومع تجدد القتال على الساحل الغربي وتعز، وإعلان الحكومة اليمنية حملةً لاستعادة مناطق الحوثيين وصولاً إلى العاصمة صنعاء، لا يكون اليمن ساحةً خلفية للحرب بقدر ما هو، فعليًا، إحدى جبهاتها المفتوحة، بما يحمله ذلك من تداعيات ونتائج. ليس المقصود من هذا الترابط الزعم بأن اليمن يمكن اختزاله في صراع إيراني ـ سعودي، أو أن أطرافه المحلية فقدت دوافعها الخاصة وطموحاتها المستقبلية. وهذه واحدة من نقاط النظام الضرورية لفهم الأزمة، إذ لا يمكن تفسير نشأة ومسار جماعة أنصار الله “الحوثيين” باعتبارها نتاجًا لقرار إيراني. “الحوثيين” مكوّن يمني له جذوره وشبكاته ومصالحه وتحالفاته الداخلية وطموحاته، وهم أيضًا، قوة سياسية وعسكرية تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال. وفي الوقت نفسه، لا يصح التقليل من عمق علاقتهم بطهران؛ التي تلقوا منها دعمًا ماليًا وعسكريًا وتقنيًا، أسهم في تطوير قدراتهم الصاروخية والمسيّرة.
وعلى أي حال، لا يمكن اختزال العلاقة ما بين الحوثيين وإيران، في أنها علاقة بين راعٍ وجهاز ينفذ أوامره ببساطة، هي شراكة غير متكافئة تتقاطع فيها المصالح مع احتفاظ الحوثيين بهامش قرار تحكمه حساباتهم المحلية. وفي هذا السياق، تشير دراسات متخصصة إلى أن الحركة تمتلك أجندة يمنية مستقلة، وأن قدرة إيران على توجيه قراراتها ليست مطلقة. وهذا لا ينفي استفادة طهران من ضغط الحوثيين على خصومها، لكنه يفسر أيضًا لماذا لا تكفي طاولة تفاوض إقليمية لمعالجة الأزمة، فإيران طرف مؤثر، لكنها ليست بديلًا عن التفاوض مع الحوثيين أنفسهم.
قوة عسكرية بلا تسوية سياسية
على مدى سنوات من معاينة حكمهم وطبيعته، يستطيع الحوثيون التقدم في جغرافيا اليمن وفرض وقائع جديدة على الأرض، يستطيعون أيضًا تعطيل خطوط الملاحة وتهديدها، لكن ذلك لا يعني البتة، قدرتهم على حكم اليمن كله. التوسع العسكري السريع لا يلغي اتساع البلاد وخسارتهم للمساحات بالسرعة ذاتها، وهو لا يعني قدرتهم على تجاوز التنوع الاجتماعي والسياسي المناهض لهم، ولا صعوبة تضاريس جغرافيا هذا البلد ووجود قوى محلية ذات مصالح متباينة. وكمحصلة، سيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية لم تمنح الحركة تلقائيًا شرعية وطنية أو قدرة على إدارة دولة يمنية موحدة.
كذلك، ليس دقيقًا القول إن الحوثيين ليسوا مكوّنًا سياسيًا؛ فهم يملكون سلطة أمر واقع ومؤسسات حكم، وشاركوا في جولات تفاوض. الأدق أنهم لم يثبتوا حتى الآن استعدادًا كافيًا للانتقال من إدارة سلطة مسلحة إلى ممارسة السياسة بوصفها تسويةً وتقاسمًا للسلطة وقبولًا بتعدد مراكز الشرعية. خطاب الحركة التعبوي، وميلها إلى حسم الخلاف بالقوة، يضيّقان المجال أمام بناء أي تفاهمات وطنية. وعليه، تبدو أزمة الحوثيين تتعلق بمعرفة التوقيت الذي سيفهمون فيه أن عليهم القبول بالانخراط في دولة لا يحتكرون قرارها.
على الضفة الأخرى، تقف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، أو مجلس القيادة الرئاسي، في موقع شديد التعقيد. يمنح الاعتراف الدولي هذا المجلس صفة قانونية ومقعدًا في الأمم المتحدة، لكنه لا يعني أنها تمارس سلطة فعلية على كامل البلاد، ولا حتى أن القوى الواقعة ضمن معسكرها متجانسة وتدين بالولاء لها. وفي الوقت الذي بقيت فيه خطوط القتال الرئيسية شبه مجمدة منذ هدنة 2022، كان المعسكر المناهض للحوثيين منشغلًا بصراعات داخلية على النفوذ والتمثيل بين مشروعين متناقضين، ما بين مشروع استعادة دولة الجنوب ومشروع الإبقاء على دولة يمنية موحدة. ثم جاء التحول السريع في موازين القوى جنوبًا، قبل تجدد القتال واتساع خسائر الحكومة على الساحل الغربي.
يمكن تشبيه وضع الحكومة اليمنية بحكومة فرنسا الحرة التي عملت من لندن خلال الحرب العالمية الثانية، كانت هذه الحكومة تحظى باعتراف خارجي وادعاء بتمثيل الدولة، مقابل صعوبة فرض الحكم على الأرض. لكن هذا التشبيه، على علاته، لا يتطابق ويمنح الحكومة اليمنية أكثر مما هي عليه على أرض الواقع؛ فالحكومة اليمنية ليست سلطةً موحدة تقود مقاومة وطنية كما أن ميدانها السياسي والعسكري يبدو أكثر انقسامًا. ومع ذلك، تكشف المقارنة فجوة أساسية بين الشرعية القانونية للدولة وقدراتها الفعلية. كان دعم الرياض – ولا يزال – عنصرًا حاسمًا في بقاء الحكومة ومؤسساتها، لكنه لم يستطع – حتى الآن – تحويل الاعتراف إلى سيادة حقيقية، أو الدعم العسكري إلى مشروع سياسي جامع.
الجنوب ليس قاعدةً لتحرير الشمال
يُظهر وضع الجنوب حدود الرهان على أن القوات والفصائل والمجموعات المناهضة للحوثيين ستتحرك تلقائيًا نحو صنعاء لإنجاز ما تعهد الحكومة الشرعية به. رغم ذلك، نلاحظ أن القوى الجنوبية غير متسقة عسكريًا، كما أن المشروع السياسي لدى شرائح واسعة من الجنوبيين يميل إلى تصورٌ مختلف لمستقبل الدولة، يقوم على الانفصال أو الحكم الذاتي الواسع على الأقل. لذلك، فإن مشاركة الجنوبيين في المعارك ضد الحوثيين لا تعني بالضرورة تبنيها مشروعًا وطنيًا موحدًا لتحرير الشمال.
ورغم نجاح السعودية في تقليص نفوذ مشروع الانفصال، إلا أن سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي، أو انهيار سيطرته السابقة، لم يمحُ القضية الجنوبية ولا تعدد الفصائل والمصالح والولاءات المتضاربة في الجنوب. وبالنتيجة، لا ينبغي الخلط بين تبدل السيطرة على الأرض وبين انتهاء الخلاف على شكل الدولة. أما فكرة أن الجنوب يستطيع حكم الشمال، فتواجه بدورها عوائق ديموغرافية وجغرافية وسياسية كبيرة، فسكان الشمال أكثر عددًا ومناطقه الجبلية صعبة وتجربة الدولة الموحدة لم تنتج مركزًا مستقرًا يقبله الجميع. إن إغفال هذه الحقائق يجعل أي خطاب عن “الحسم” أقرب إلى خطابات التعبئة العامة، لا إلى تقدير موازين القوة.
حرب أهلية تتسع برعاية الخارج
لا تغيّر الانتصارات العسكرية، للحوثيين أو للقوات المناهضة لهم، طبيعة المعضلة. التقدم يعبث بخطوط السيطرة وإنتاج الخرائط اليومية لمناطق النفوذ ما بين الحوثيين والحكومة الشرعية، لكنه لا يزيل أسباب الحرب ولا يضمن أن الطرف المنتصر يستطيع إدارة المناطق التي يسيطر عليها. ومثلما لا يملك الحوثيون القدرة على فرض حكم مستقر على اليمن كله، لا تملك الحكومة المعترف بها دوليًا، في وضعها الحالي، أدوات استعادة الدولة بالقوة وحدها.
بهذا المعنى، تبدو الحرب الأهلية اليمنية حربًا تديرها أطراف يمنية لكنها تتحرك داخل شبكة من الرعايات والتدخلات الإقليمية والدولية. تمنح الحرب الدائرة في الخليج موارد وأسبابًا جديدة للتصعيد، وتجعل من أمن الممرات البحرية ورقة ضغط يصعب تجاوزها أو إهمالها، فيما يدفع اليمنيون جميعًا الثمن المباشر.
الفائدة الوحيدة الممكنة من هذا التصعيد هي أن تكتشف مختلف الأطراف في هذه الحرب حدود قوتها، فلا أحد منهم يبدو قادرًا على ابتلاع اليمن، وليس من الممكن أن يتجاهل طرف بقية الأطراف الأخرى. رغم ذلك، ليس من المتوقع أن يعود الجميع إلى طاولة الحوار آليًا؛ فذلك يحتاج إلى إرادة يمنية وتفاهمات دولية متماسكة ورعاية إقليمية لا تستخدم المفاوضات كمجرد استراحةً بين جولتين من الحرب. إن إعادة إنتاج الدولة القديمة لم يعد ممكنًا في اليمن، تحتاج البلاد نقاشًا جديًا حول شكل الدولة وتقاسم السلطة والثروة وموقع الجنوب وضمانات الأمن وعلاقة القوى المسلحة بالمؤسسات. وقد سبق للأمم المتحدةأن طرحت مسارًا يبدأ بوقف مؤقت لإطلاق النار ويمتد إلى تسوية أوسع، لكن الوساطة لن تفعل شيئًا ما دامت الأطراف ترى في مكاسب الحرب أكثر من مكاسب السياسة.
