في مدن الخليج الكبرى، تبدو الحياة أكثر حداثة من أي وقت مضى. أبراج جديدة ترتفع كل عام. اقتصاد رقمي يتوسع بسرعة. مواسم ترفيهية ومهرجانات عالمية لا تتوقف. نساء أكثر حضورًا في الجامعات وسوق العمل. وأجيال شابة تعيش داخل فضاء عالمي مفتوح عبر الهواتف ومنصات التواصل والعمل المرن.
لكن خلف هذه الصورة، ثمة تحول آخر أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا. الخليج يشهد تراجعًا تدريجيًا في معدلات الزواج والإنجاب، في مسار يشبه، بدرجات متفاوتة، ما حدث سابقًا في شرق آسيا وأوروبا الغربية. المسألة لم تعد مرتبطة فقط بتغيرات اجتماعية عابرة أو بارتفاع تكاليف الزواج. ما يحدث أقرب إلى تحول في طبيعة المجتمع نفسه وإعادة تشكيل لهويته، لينتقل من مجتمع قائم على العائلة الممتدة إلى مجتمع أكثر فردانية تقلّص فيه حجم الأسرة وأصبح أقل استعدادًا للإنجاب.
هذا التحول لا يثير القلق على المستوى الاجتماعي وحسب وإنما يفتح المجال أمام العديد من الأسئلة الجوهرية والاستراتيجية والتي تتعلق أساسا بمستقبل الاقتصاد والهوية الوطنية والتركيبة السكانية في الخليج.
أرقام تكشف التحول
تشير البيانات السكانية إلى تراجع واضح في معدلات الخصوبة الخليجية خلال العقدين الماضيين. في الإمارات، بلغ معدل الخصوبة الكلي نحو 1.46 طفل لكل امرأة في 2024، وهو مستوى قريب من كثير من الدول الأوروبية المتقدمة. حتى بين المواطنات الإماراتيات، انخفض المعدل بنحو 16% مقارنة بعام 2015.
في السعودية، التي كانت حتى وقت قريب تُعرف بارتفاع معدلات الإنجاب، تراجع معدل الخصوبة تدريجيًا إلى نحو طفلين لكل امرأة في 2023، بعدما كان يقترب من أربعة أطفال قبل عقدين. أما عُمان، فقد هبط معدل الخصوبة من نحو 2.9 طفل لكل امرأة في منتصف العقد الماضي إلى ما يقارب 1.9 في 2024، أي دون مستوى الإحلال السكاني البالغ 2.1 طفل لكل امرأة.
هذه الأرقام تضع الخليج داخل الاتجاه العالمي نفسه الذي دفع دولًا مثل كوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا وفرنسا إلى القلق من الشيخوخة السكانية وتقلص القوة العاملة. وتشير تقديرات منشورة في مجلة The Lancet إلى أن معظم دول العالم ستصبح دون مستوى الإحلال السكاني بحلول نهاية القرن الحالي، كما يشير تقرير منظمة الأمم المتحدة عن التحولات في الخصائص الديمغرافية، إلى أنه وبحلول العام 2050 سيفوق عدد كبار السن عدد المراهقين والشباب من عمر 15 إلى 24.
الحداثة الخليجية وتغير العلاقة بالأسرة
التحول الاقتصادي الذي شهدته دول الخليج خلال العقود الأخيرة لم يغير شكل المدن وحسب ولكنه غيّر أيضا طبيعة العلاقة بين الفرد والأسرة.
في السابق، كانت الأسرة الكبيرة تمثّل جزءًا أساسيا من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية . الزواج المبكر أكثر شيوعًا. النساء أقل اندماجًا في سوق العمل. تكاليف الحياة أقل نسبيًا. والاعتماد على العائلة الممتدة أكبر.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة. فقد تقلّص حجم الأسرة وبات متوسّط عدد أفرادها يتراوح بين 4 و6 أفراد كما أنها أضحت تميل أكثر إلى الاستقلالية الشخصية والإقتصادية. في دول الخليج اليوم يكاد بيت العائلة الذي يضم بين جدرانه مجموعة من الأسر، ينقرض واختفت بالنتيجة الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية المرتبطة بالعيش ضمن العائلة الممتدة. ومن أبرز تداعيات هذا التغير في شكل الأسرة الخليجية، ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، بالإضافة إلى بروز أنماط معيشية جديدة مثل تفضيل التعليم الخاص الذي بات شبه ضرورة للطبقات الوسطى والاستغناء عن التعليم العمومي وتوسع أنماط الاستهلاك بصورة هائلة مما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت طموحات الأفراد المهنية والتعليمية.مما أسهم في دفع الكثير من الشباب إلى تأخير الزواج أو تقليص عدد الأطفال فلم تعد الأسرة الكبيرة العدد تبدو خيارًا اقتصاديًا مناسبا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية.
المفارقة أن دول الخليج، التي كان يُنظر إليها في السابق باعتبارها مثالا للمجتمعات المحافظة التي ترتكز على الروابط العائلية المتماسكة، بدأت تقترب تدريجيًا من خصائص المجتمعات الفردانية الحديثة.
المرأة والتعليم والتحول الديموغرافي
من العوامل الأساسية في هذا التحول، الارتفاع المطّرد في مستويات تعليم المرأة وانخراطها في سوق العمل.
تشير الاحصائيات إلى أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل قد تجاوزت في المملكة العربية السعودية ما كانت تهدف إلى تحقيقه رؤية 2030 ووصلت إلى نحو 36%. وفي الإمارات وقطر والكويت، ارتفع حضور النساء في الجامعات والقطاعات المهنية بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.
هذا التحول لا يعني بالضرورة رفض النساء لفكرة الأسرة أو الإنجاب، لكنه كان سببا في تأخير سن الزواج وطبيعته وشروطه. المرأة الخليجية اليوم أصبحت أكثر استقلالًا اقتصاديًا وتعليميًا، وأكثر تحكّما في القرارات التي تخص حياتها الخاصة وخصوصا ما يتعلّق بقرارات الزواج والإنجاب وصارت تعطي أفضلية للدراسة و العمل والاستقرار المهني في مقابل الزواج وتكوين أسرة.
وعلى الرغم من أنه في كثير من الأحيان، تبدو البنية الاجتماعية التقليدية أقل قدرة على التكيّف مع هذا النموذج المجتمعي الجديد الذي ينتصر للمرأة ويحضها على مواصلة تعليمها والمشاركة الفعالة في سوق العمل ويشجّعها على رفع سقف طموحاتها، ما تزال المجتمعات الخليجية تحافظ على بعض الأدوار الأسرية وإن كان ذلك جزئيًا.
صعود الفردانية
التغيّرات التي تعيشها دول الخليج، لا تتعلق بالجانب الاقتصادي وحده بل إنها تشمل الجانب الثقافي أيضا وهو ما يبرز بوضوح من خلال نظرة الأجيال الجديدة للحياة والعلاقات العائلية.
أعادت الحياة الرقمية تشكيل العلاقات الاجتماعية ومكّنت تطبيقات التواصل الاجتماعي وتبني نظام العمل المرن وثقافة “النجاح الفردي” من خلق نمط عيش جديد أقل ارتباطًا بالأسرة التقليدية وأكثر ارتباطًا بتحقيق الذات كما ساهمت في تكوين هوية جديدة ترتكز على أسس وقيم مستجدّة لا تتلاءم في أغلب الأحيان مع خصوصيات المجتمعات الخليجية وقيمها. فحتى مفهوم الزواج في حدّ ذاته، وهو من أهم المحددات الأخلاقية والقيمية ما فتئ يتغير تدريجيًا في كثير من المجتمعات الخليجية، إذ لم يعد الزواج يُنظر إليه باعتباره مرحلة تلقائية أو إلزامية في الحياة، بل أصبح قرارًا مؤجلًا أو قابلًا للمراجعة. وهو ما ساهم في ارتفاع نسب الطلاق والعنوسة في بلدان المنطقة. وفي هذا الخصوص يشير تقرير «الزواج والطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي»، الصادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون عام 2025م، إلى وجود ضعف في الإقبال على الزواج، وتصاعد في معدلات الطلاق.
وبحسب التقرير، فقد بلغ إجمالي عدد عقود الزواج المسجلة في مجلس التعاون 205.3 آلاف حالة زواج في عام 2022 مقابل نحو 232.6 ألف حالة عام 2014.كما يذكر التقرير أن عدد حالات الطلاق التي سجلت في دول مجلس التعاون بلغت 79.7 ألف حالة في عام 2022، بنسبة ارتفاع بلغت 70.6% مقارنة بعام 2010، والتي بلغ فيها إجمالي حالات الطلاق نحو 46.7 ألف حالة. وبالرجوع إلى مختلف هذه المعطيات يبدو أن المنطقة تسير على نفس الدرب الذي سبق وان مشت فيه كل كوريا الجنوبية واليابان، حيث ارتبط تراجع الإنجاب بارتفاع تكاليف الحياة، وضغط النجاح المهني، والعزلة الرقمية، وتغير الأدوار الاجتماعية. وقد سجّلت كوريا الجنوبية واحدًا من أدنى معدلات الخصوبة في العالم وهو أقل من طفل واحد لكل امرأة في بعض السنوات.
أزمة سكانية أم تحول طبيعي؟
لا تنظر الحكومات الخليجية إلى هذه التحولات بوصفها قضية إجتماعية فقط، بل إن هذه التغيّرات ترتبط ارتباطا وثيقا بمسألة التوازن السكاني وسوق العمل ومستقبل الدولة الريعية. دول الخليج التي تعتمد بدرجات متفاوتة على العمالة الأجنبية وفي البعض منها، يشكل المواطنون أقلية عددية مقارنة بالسكان المقيمين، تواجه اليوم خطر اختلال توازن التركيبة الديمغرافية ويثير كل تراجع طويل الأمد في معدلات الإنجاب أسئلة بل وقلقا فيما يتعلق بالتركيبة السكانية والهوية الوطنية.
المفارقة أن النموذج الاقتصادي الخليجي نفسه يساهم في إنتاج هذا التراجع بطرق غير مباشرة ولكنها مترابطة في الآن ذاته وذلك من خلال اعتمادها على نمط الاقتصادات الحديثة التي تحتاج مزيدًا من التعليم والعمل الحضري والتنافسية والانفتاح. لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة الحياة وتؤخر تكوين الأسرة وتدفع نحو الفردانية.
من الجدير بالذكر أن مشروع التحديث الاقتصادي الذي تتبناه مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، قد يقود تدريجيًا إلى أزمة ديموغرافية طويلة الأمد إذا لم تترافق معه سياسات اجتماعية مختلفة. ذلك أن تقلّص الحاجة إلى الأسرة الكبيرة وارتفاع تكاليف المعيشة وتحوّل الانجاب الى عبء مالي سيقود بالضرورة إلى انخفاض معدّلات الخصوبة، خاصة وان هذا التوجه يشمل كل فئات المجتمع ولا يقتصر على فئة دون أخرى وإن كان ينتشر بشدة بين الفئات المتعلّمة.
هذا التراجع الديموغرافي لن يكون مجرّد قرار شخصي بعدم الإنجاب وإنما نتيجة حتمية لسياسات اقتصادية سرّعت عمليات التحول الاجتماعي وخلقت نمطا اجتماعيا جديدا يتماشى مع ما تمليه عمليات التحديث التي تعيشها هذه البلدان.
ما الذي يمكن أن يتغير؟
بعض الدول المتقدمة حاولت مواجهة تراجع الإنجاب عبر الحوافز المالية والإجازات العائلية ودعم الإسكان والحضانات. لكن التجارب الدولية تشير إلى أن معالجة انخفاض الخصوبة أكثر تعقيدًا من مجرد تقديم مساعدات مالية.
في دول مثل فرنسا وبريطانيا وأستراليا، استمرت معدلات الإنجاب بالتراجع رغم السياسات التحفيزية، بسبب ارتفاع تكاليف الحياة وتغير أنماط العلاقات والعمل. ومن هذا المنطلق قد توجه دول الخليج المعضلة نفسها خلال السنوات القادمة، ذلك أنّ الاقتصادات الحديثة التي تسعى لبنائها دول المنطقة تنتج، بصورة غير مباشرة، مجتمعًا أقل ميلًا للإنجاب وأكثر ارتباطًا بالفردانية والعمل والاستهلاك. وعليه، فإن الاعتماد على سياسات تزيد من جودة حياة الأسر، من خلال خفض تكلفة السكن وتربية الأطفال، وتبتعد عن الخطابات التي تلوم الأفراد على قلة الإنجاب مما يسلط عليهم ضغوطات اجتماعية رهيبة، قد يكون من الحلول الفعالة. مثل هذه السياسات يستهدف المعالجة الجذرية لأسباب الأزمة خصوصا في ظل انتشار ثقافة الهوية الفردية والانجازات الشخصية وتهميش الدور التقليدي للأسرة.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو لماذا يتراجع الإنجاب في الخليج، لكن ما إذا كانت الحداثة الخليجية تعيد تشكيل المجتمع بصورة أعمق مما يبدو عليه ظاهريا؟
