لا تحتاج علاقات بريطانيا والإمارات أن تصل إلى حد القطيعة الدبلوماسية حتى نتأكد من أنها ليست بخير. أصبح تاريخ الإنتداب البريطاني على الخليج ومساهمته في تأسيس “إتحاد الإمارات” مطلع السبعينات بعيدًا عن الذاكرة مقارنة بالشكوك المتزايدة بين البلدين. أدوات المال والاستثمار والإعلام التي كانت سمة على عمق العلاقة بين البلدين، باتت محطات ونقاط اختبار للنوايا ولقياس ما يعتبره كل طرف تدخلًا في الشؤون الداخلية. ما يجري بين لندن وأبو ظبي هو أقل من أزمة، لكنه، بالتأكيد، أكثر من مجرد خلاف.
مطلع أكتوبر الجاري، نشرت “الغارديان” تحقيقًا موسعًا عن نائب حاكم إمارة أبوظبي ومستشار الأمن الوطني، الشيخ طحنون بن زايد، تضمّن تشبيهات بشخصيات الشر في أفلام جيمس بوند، واستخدم تعابير حادة بعضها يمكن وصفها بالفاقدة للياقة. غنيٌ عن القول إن الصحافة البريطانية مستقلة وأن علاقات الحكومة بالدول الأخرى لا تمنح المسؤولين فيها حصانة من النقد في الصحافة البريطانية. رغم ذلك، في توقيت النشر التقرير، طبيعته، لغته ومعلوماته ما يستحق الوقوف.
تتصل الإشكالية الأكبر في اختلاف العاصمتين، حول تعريف الحدود الفاصلة ما بين الدولة والمجال العام فيها. تريد أبوظبي من لندن أن تتعامل مع حساسيتها الأمنية تجاه جماعات الإسلام السياسي بجدية. قبالة ذلك، تخشى لندن أن تتحول المراعاة والمعاملة الخاصة لأبوظبي إلى قيد على استقلال مؤسساتها. ومع استخدام كل عاصمة لما لديها من أدوات ناعمة للضغط أو لفت الإنتباه عن انزعاجها، تزداد صعوبة إدارة الخلافات القائمة بالمجاملات.
يقدم ملف الاستحواذ على التلغراف مثالًا واضحًا لما يحدث. في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، نُشرت تقارير الجهات الرقابية البريطانية بشأن محاولة شركة “ريدبيرد آي إم آي” (ذراع استثمارية إماراتية أمريكية تملك الإمارات حصة الأغلبية فيها) الاستحواذ على التلغراف. محاولة الشراء فشلت بعد أن أثارت “أوفكوم” مخاوف تتعلق بخشيتها من أن تؤثر ملكية الإمارات للصحيفة على دقة الأخبار وحرية التعبير، ورأت في صلات المستثمر بالإمارات سببًا يستدعي المزيد من التدقيق. في المقابل، رفضت الشركة الإماراتية هذه الاستنتاجات، واتهمت الهيئة بالخلط بين شركة تجارية ودولة ذات سيادة، وبإهمال ضمانات الاستقلال التحريري التي قدمتها.
فيما يتعلق بالمال والأعمال، تهتم بريطانيا بجلب رؤوس الأموال الخليجية لكنها تفضل أن تضع شروطًا لهذا الترحيب حين يقترب من بعض القطاعات الحساسة. بالنسبة إلى لندن، لا يمكن المساواة بين صفقة تملك لعقار ما في لندن مع ملكية صحيفة تشارك في تشكيل الرأي العام البريطاني. يريد الإنجليز أموال الخليج، لكن باشتراط حماية سلطة الدولة وكبح النفوذ السياسي الذي قد ينشأ جراء هذه الأموال والاستثمارات.
منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي، زادت وتيرة الشكوك في لندن مع تقارب شخصيات وأحزاب من اليمين البريطاني مع الإمارات. في يناير/ كانون الثاني الماضي، زار نايجل فاراج دبي، والتقى مسؤولين حكوميين وسعى إلى استقطاب تبرعات مالية لحزب “الإصلاح” من أثرياء بريطانيين يقيمون هناك. بالنسبة لحكومة حزب العمال، كانت هذه الوقائع تستحق المتابعة، لا أدلة على أن الحكومة الإماراتية تموّل الحزب، لكن تكرار الزيارات أثار الجدل والتدقيق لدى الحكومة والصحافة البريطانية.
غياب الدليل على تمويل الإمارات لم يستطع إلغاء الأثر السياسي لهذه العلاقات الجديدة، خصوصًا حين يتكرر ظهور سياسيين ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، بريطانيين وعرب، للتروّيج إلى مدينة دبي وتعظيم مكانتها، وغالبًا ما يأتي هذا الترويج ويتم ربطه بفشل لندن وتراجعها الاقتصادي وانتشار السرقات في الشوارع. تعتقد لندن أن ما يحدث في الترويج لدبي والإساءة إلى لندن، يتجاوز حدود الدعاية السياحية والتجارية.
بالنسبة إلى الإمارات، لا تبدو أبوظبي معجبة بحكومة حزب العمال وسياساتها الداخلية والخارجية. وعليه، هي تنظر إلى حزب المحافظين وقوى اليمين البريطاني بوصفهم الأحزاب الأكثر تفهمًا لمخاوفها تجاه جماعات الإسلام السياسي التي تنشط في لندن منذ سبعينات القرن الماضي. على الأرض، الإمارات قيّدت تمويل الدراسات الأكاديمية العليا لمواطنيها في الجامعات البريطانية، وذلك على خلفية مخاوف من تأثير جماعة الإخوان المسلمين على الجامعات، لم يكن الأمر حظرًا شاملًا على الدراسة، لكنه نقل الخلاف إلى مجال شديد الصلة بالعلاقات الاجتماعية والتعليمية بين البلدين.
من منظور أبوظبي، بات من الصعب عليها فهم أو قبول استمرار التعامل البريطاني مع الإسلاميين، وبالخصوص، جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الإمارات جماعة إرهابية. المطلوب إماراتيًا، يتجاوز ملاحقة بعض الأفراد الذين ثبت لديها تورطهم في جرائم إلى حث لندن إلى تبني تصور أوسع لخطر التنظيم وشبكاته في بريطانيا وخارجها.أما لندن، فهي ترفض رفضًا قاطعًا التعامل مع الملفات الأمنية، بما يشمل الحظر والملاحقة، إلا من خلال نظامها القضائي والسياسي.
الخلافات الباردة سياسيًا ودبلوماسيًا بين البلدين، لم تمنع بريطانيا من المساهمة في الدفاع عن الأجواء الإماراتية خلال الحرب الأخيرة في الخليج عبر أسراب التايفون البريطانية التي عملت على التصدي للمسيرات والصواريخ الإيرانية. في 8 مارس/آذار، أي بعد نحو أسبوع واحد من بدء الحرب، أعلنت رئاسة الحكومة البريطانية عن تعاون مستشارين بريطانيين لمكافحة المسيّرات مع مختصين عسكريين إماراتيين. وفي 31 من الشهر ذاته، ذكرت وزارة الدفاع أن مهام جوية نُفذت فوق قطر والبحرين والأردن والإمارات. من جانب الإمارات، لا تزال لندن أحد أهم الوجهات السياحية لمواطنيها الذين تكتض بهم شوارع لندن خلال أشهر الصيف.
رغم تعكر المزاج السياسي بين البلدين، هناك توافقات سياسية ومصالح اقتصادية وتعاونات عسكرية يصعب تجاوزها. تسجل النشرة البريطانية الصادرة في مارس/آذار 2026، رصيدًا للاستثمار الإماراتي المباشر في المملكة المتحدة بنحو سبعة مليارات جنيه إسترليني بنهاية عام 2024، مقابل 4.2 مليارات للاستثمار البريطاني المباشر في الإمارات. هذه أرقام للاستثمار المباشر وليست جردًا لكل الأصول والعقارات والمحافظ المالية التي تزيد عن هذه المبالغ بكثير. وفي إجابة حكومية أمام البرلمان البريطاني، بلغت التجارة الثنائية بين البلدين نحو 25 مليار جنيه في 2025، فيما قدّرت تقارير صحفية عدد البريطانيين المقيمين في الإمارات قبل الحرب الأخيرة بنحو ربع مليون مقيم. خلف هذه الأرقام شركات وعائلات ومصالح مهنية تجعل كلفة التدهور في علاقات البلدين كبيرة وستمتد آثارها مجتمع واسع من مواطني البلدين، لا على الحكومتين وحدهما.
ورغم ما يشاع عن تأجيل الإمارات لزيارة رسمية كانت مقررة لرئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى لندن خلال شهر مارس الماضي، استمرت اللقاءات رفيعة المستوى، بما فيها لقاء رئيس الإمارات لرئيس الوزراء البريطاني في أبوظبي في أبريل الماضي.
استمرار علاقات بريطانيا والإمارات بكفاءة اقتصادية وثقة سياسية أقل هو السيناريو الأكثر توقعًا، لكن القدرة على تحمل هذا البرود بين البلدين ليست سببًا للتعايش معه والقبول به. تراكم الشكوك بين العاصمتين، بات يؤثر على كل قرار تنظيمي أو استتثمار مالي أو تقرير صحافي، وهذا الحال أشبه ما يكون بإعلان رسمي عن الخصومة بينهما.
يحتاج الطرفان إلى قناة منتظمة لمعالجة الخلافات. الزيارة الرفيعة المتوقعة من جانب الإمارات إلى بريطانيا قد تساعد، لكن فائدتها تتوقف على ما تستطيع أن تحسمه هذه الزيارة خلف الأبواب المغلقة، لا على ما سترصده الكاميرات من مظاهر الحفاوة والتقدير. المصلحة الحقيقية هي أن يجد كل طرف في قوة الآخر سلة من المنافع التي يستطيع الاستفادة منها، وفي أن تبقى مسائل الخلاف قابلة للإدارة وحسن التصرف.
