ست سنوات من التوتر المحتد والشد والجذب الجيوسياسي بين الجزائر والإمارات انتهت بإعلان الجزائر في العاشر من سبتمبر/ أيلول 2026 قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي، وإمهال السفير الإماراتي 48 ساعة لمغادرة البلاد، علاوة على غلق المجال الجوي أمام الطائرات الإماراتية.
المشهد المتأزم بين العاصمتين يبدو وكأنه يعني أبوظبي والجزائر حصراً، لكن الحقيقة أن الجارة تونس المتحالفة بقوة مع نظام الرئيس عبد المجيد تبون ليست بمنأى عن هذه الأزمة لارتباطها القوي بالبلدين، تجارياً وصناعياً وسياسياً، ما يجعلها في مواجهة استقطاب تفرضه الجغرافيا السياسية، وهو ما يحتم عليها من جهة التفاعل مع القرار الجزائري تجنبًا لخسارة الحليف القوي من جهة، ومن جهة ثانية التحلي بالدبلوماسية للحفاظ على العلاقات الحسنة مع الإمارات وصون القرار الوطني.
خلفيات الأزمة
قبل صعود الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم في ديسمبر 2019 كانت العلاقات الجزائرية الإماراتية متينة إلى حد كبير، وعلى أكثر من صعيد، مستفيدةً من عمل الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة مستشاراً للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في الثمانينات من القرن الماضي، ما منح العلاقات الثنائية بعداً خاصاً.
حازت الإمارات في عهد الرئيس الراحل بتوفليقة امتيازاتٍ هامة مثل حصول شركة “موانئ دبي العالمية” في العام 2009 على عقد امتياز لتسيير ميناء الجزائر، بالتوزاي مع نشاط رؤوس الأموال الإماراتية في قطاعيْ التبغ والصناعة محرزة امتيازات غير مسبوقة.
لكن منذ حلول الربيع العربي، مرت العلاقات الثنائية بعدة انتكاسات في السنوات الأخيرة، وفي العاشر من سبتمبر 2026، أعلنت الخارجية الجزائرية في بيان بثه التلفزيون العمومي أنه “بعد استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، قررت الحكومة الجزائرية هذا اليوم قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة”.و تحدث البيان عن “تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة”.
قبل التصعيد الأخير الذي انتهي بسحب السفير من أبوظبي، كان المراقبون يستحضرون ملف التطبيع بين الإمارات وإسرائيل سبباً رئيساً في التوتر بين العاصمتين، لكن الجزائر حتى قبل تاريخ التوقيع على اتفاقيات أبراهام في سبتمبر 2020، كانت تعيب على الإمارات ما تسميه “تدخلا في شؤون دول أفريقية وعربية”. يتعلق الأمر بالأساس، بدعم الإمارات للمغرب في ملف الصحراء الغربية إلى جانب علاقات أبو ظبي بالعسكري الليبي المشير خليفة حفتر. كما تعتبر الجزائر أن الإمارات بتدخلها في مالي والنيجر تمس مباشرة من أمنها القومي.
الحقيقة هو أن للأزمة جذوراً تسبق ذلك التاريخ، فمع ظهور الحراك الشعبي في الجزائر في عام 2019 ضد حكم عبد العزيز بوتفليقة، رُفعت شعارات في الشارع ضد الإمارات وبوتفليقة معاً، في إشارة إلى مزاعم برغبة أبو ظبي بالتدخل في ترتيب مرحلة ما بعد بوتفليقة. يومذاك، كان نفوذ أحمد حسن الشيباني، رجل الأعمال الإماراتي ممتدا في الجزائر، فالرجل مستثمر في عدة شركات منها الشركة الجزائرية الإماراتية للترقية العقارية وشركة “ستيم” للتبغ الجزائرية الإماراتية (بعد تفكيك الشركة الوطنيّة للتبغ والكبريت” “سنتا”) وشركة “ستيل” لإنتاج الحديد والصلب.
وبعد التوقيع على اتفاقيات التطبيع “اتفاقيات أبراهام”، توجست الجزائر من التقارب مع إسرائيل وأن يؤثر على الأمن في المغرب العربي، لا سيما وأن الإمارات كانت أول دولة عربية تفتح قنصلية لها في العيون بالصحراء الغربية في العام 2020، ما جعل نظام تبون يتهم أبوظبي بتمويل مشاريع استثمارية ضخمة في الصحراء وبمنح مظلة لاستثمارات إسرائيلية في الأسواق الإفريقية.
لكن كيف يؤثر بلوغ مرحلة اللاعودة في علاقات الجزائر مع الإمارات بالوضع الحساس في تونس؟
ضغوط محتملة
رغم تكرار الرئيس الجزائري في أكثر من مناسبة أنه لا يتدخل في الشأن التونسي ويحترم سيادتها إلا أن خطابه الأمني والسياسي يستحضر تونس في أكثر من مناسبة، كان آخرها في يوليو الماضي حين توعد كلَّ من يجلب الإرهاب إلى تونس أو يعزلها.
ليست تونس بمعزل عن آثار قطع العلاقات الجزائرية الإماراتية بالرغم مما تبدو عليه دبلوماسيتها تحت حكم قيس سعيد من جمود وعزلة دولية. تترأس تونس منذ سبتمبر 2026 وحتى مارس 2027 مجلس جامعة الدول العربية ما يمثل اختبارا حقيقيا للدبلوماسية التونسية أمام الملفات الشائكة المطروحة على القمة القادمة في وقت تتسم فيها علاقات الكثير من الدول العربية بالفتور بل بالقطيعة في بعضها.
نظريًا، تتيح رئاسة تونس للجامعة العربية فرصة سانحة للقيام بدور الوسيط ومحاولة رأب الصدع بين الإمارات والجزائر. غير أن العلاقة بين تونس والجزائر لها ثقل خاص في عهد قيس سعيد الذي ورغم عزلته، اختار أن يكون حليفاً حصريًا مع عبد المجيد تبون من جهة والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من جهة أخرى.
قدمت الجزائر لحكم الرئيس قيس سعيد دعمًا سياسيًا منقطع النظير، شمل إيداع ودائع مالية وضمانات لدعم الاقتصاد في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تمر بها تونس. وفي مجال الطاقة، تعتبر الجزائر أول مورد للطاقة في تونس وتشتري تونس الكهرباء والغاز الجزائري بأسعار تفاضلية، ناهيك عن مرور خط أنابيب الغاز الجزائري إلى إيطاليا عبر الأراضي التونسية منذ عقود.
عسكريًا، وقعت الجزائر وتونس في أكتوبر 2025 اتفاقية دفاع مشترك احتفت بها الجزائر وتكتمت عنها تونس واصفة إياها في وقت لاحق بأنها مجرد تحيين لاتفاقية دفاع يعود تاريخها إلى العام 2001، بيد أن صحيفة لوفيغارو الفرنسية تقول إنها حصلت على وثائق تؤكد بأن القوات الجزائرية يمكنها وفق هذا الاتفاق التحرك 50 كيلومترا داخل التراب التونسي “لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”.
دبلوماسيًا، تحاول الجزائر قيادة تحرك مغاربي يستبعد المغرب، معولة على تقاربها مع تونس، وأطلقت مبادرة “اللقاء الثلاثي الدوري” (الجزائر – تونس – ليبيا ) الذي يراه مراقبون محاولةً لعزل المغرب سياسياً. الملاحظ أن هناك نوعا من الضغط غير المعلن لحمل تونس على تبني توجهات الجزائر الدبلوماسية، وهو ما كلف تونس التضحية بالحياد الذي كانت تتسم به، لا سيما في ملف الصحراء الغربية حيث مالت تونس إلى ترجيح كفة الجزائر على حساب المغرب وبلغ الأمر حد استقبال قيس سعيد بنفسه لإبراهيم غالي زعيم جبهة البوليساريو في تونس في أغسطس 2022 ، وقتئذ، ردت المغرب باستدعاء سفيرها في تونس.
ورغم نفي التدخل في الشأن الداخلي، إلا أن المتابع للتقارب الجزائري التونسي في السنوات الأخيرة يلاحظ نوعًا من الضغط الناعم على تونس تحت مسمى “التقارب في وجهات النظر”، وهو ما كشف عنه التخلي عن الحياد في ملف الصحراء الغربية على سبيل المثال. ويخشى من تبعات الأزمة الجزائرية الإماراتية، أن تمارس الجزائر ضغطا على تونس باسم “التعاون المشترك والتحالف الاستراتيجي”، لا سيما في ظل الاتفاقيات المشتركة الثقيلة في المجالين العسكري والأمني.
على سبيل المثال، يستخدم تبون عقيدة “أمن تونس من أمن الجزائر” في عدة خطابات تناولت الدعم الأمني والتصريح بالجهوزية لحماية تونس من الإرهاب، وهو ما يشبه فرض الوصاية عليها والتلويح بالتدخل باسمها، وهذا ما يمنع تونس من بناء أي شراكات أمنية أو عسكرية موسعة مع قوى غربية (مثل الولايات المتحدة أو الناتو) قد تراها الجزائر تهديداً لعمقها الاستراتيجي، هذا ما يجعل من تونس لا تملك استقلالية القرار تماما إزاء الإمارات رغم ما يربطها بأبوظبي من مصالح مشتركة وتعاون معتق.
فهل باستطاعة تونس الصمود أمام التدخل الجزائري والمحافظة على علاقاتها بالإمارات؟
المؤمل أن تسبق القمة العربية محاولات دبلوماسية من تونس للتقريب بين الإمارات والجزائر، لكن وحتى الآن، لا توجد بوادر لذلك، ولا لوساطة سرية أمام عمق الأزمة بين العاصمتين، وربما من السابق لأوانه الحكم على جهود الوساطة بالفشل قبل أن تبدأ.
تستفيد تونس الكثير في علاقاتها بالإمارات، وهي علاقات متجذرة تاريخيًا من حيث الدعم المالي وضخ السيولة والاستثمارات في البنية التحتية والسياحة والعقارات وتأمين قروض وودائع مالية لدعم الموازنة التونسية المتعثرة. كما تمثل الإمارات سوقاً واسعة لتشغيل العمالة والكفاءات التونسية. كما أطلقت تونس والإمارات مفاوضات رسمية متقدمة لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بهدف إلغاء الحواجز الجمركية وتحفيز تدفقات التجارة. وتعمل في تونس 42 شركة إماراتية توفر مواطن شغل في قطاع الاتصالات والطاقات المتجددة ومدينة تونس الرياضية التي تنجزها مجموعة بوخاطر.
خلاصة
لا تستطيع تونس، جغرافياً أو استراتيجياً، التخلي عن التناغم الأمني والطاقي مع الجزائر، التي تعتبر أمن تونس امتداداً لأمنها القومي. في المقابل، تملك الإمارات أوراق ضغط مالي واستثماري، يمكنها استخدامها لكن بُعدها الجغرافي يجعل ضغطها سياسياً ودبلوماسياً بطبيعته، يهدف إلى ثني تونس عن الانخراط الكامل في المحور الجزائري دون مواجهة مع تونس.
الإمارات التي حافظت على هدوئها رغم بيان الخارجية الجزائرية الحاد، تمسكت بلهجة دبلوماسية على أمل عودة الهدوء إلى العلاقات الثنائية. وللإمارات مصلحة مباشرة في الحفاظ على علاقات طيبة مع تونس كونها معنية مباشرة باستقرار ليبيا، لكن، ورغم ذلك، يبقى التنافس الإماراتي الجزائري المحتدم في ملفات ليبيا ومنطقة الساحل عاملا قاسيا يجعل من التنسيق الأمني التونسي على الحدود الشرقية والجنوبية صعباً.
