شلل واشنطن: مقامرة الردع في هرمز
لم يكن فشل مفاوضات إسلام آباد، التي انطلقت يوم السبت 11 أبريل واستمرت حتى الساعات الأولى من فجر الأحد، مجرد تعثر دبلوماسي عابر، بل هو تجليات لانقسام اجتماعي وسياسي يعمّق الأزمة البنيوية التي تضرب مفاصل الدولة في واشنطن. إن استمرار إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، في ظل غياب تفويض مؤسسي أمريكي واضح، يكشف عن فجوة كبرى بين طموحات الإدارة وبين القواعد البيروقراطية والتشريعية التي تمنح السياسة الخارجية طابع الاستمرارية والموثوقية. ففي عالم السياسة الواقعية، لا يمكن بناء استراتيجية ردع فعالة ضد إيران بينما يعاني الداخل الأمريكي من حالة سيولة وانقسامات حادة تفتقر فيها قرارات البيت الأبيض إلى الغطاء الديمقراطي اللازم.
إن المعضلة الحقيقية التي تواجهها استراتيجية ترمب تجاه إيران تكمن في افتقارها إلى التأييد الإجرائي داخل الكونغرس، خاصة مع غياب الأغلبية التشريعية الداعمة للتصعيد العسكري المفتوح. فحين يتحول الحصار البحري وعمليات إزالة الألغام إلى قرار فردي معزول عن التوافق المؤسسي، فإننا نكون أمام حالة من المقامرة السياسية التي تضع المصلحة القومية في مهب التجاذبات الانتخابية. هذا الانسداد الهيكلي يتزامن مع ضغط شعبي متزايد يرفض التورط في نزاعات عسكرية مكلفة، لا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بنسبة عالية مما انعكس على أسعار الوقود في الداخل الأمريكي وأدى إلى ارتفاع أسعار كثير من السلع الأساسية التي تمس حياة المواطن محدود الدخل، مما يؤجج القلق المعيشي ويضع الإدارة في مواجهة مباشرة مع الناخب الذي يراقب تمسك إيران بموقفها المتصلب.
ومن منظور التحليل الفيبري لعقلانية الدولة والمؤسسات، يمثل فرض إيران رسوم عبور باهظة تصل إلى 2 مليون دولار للسفينة الواحدة تحدياً مباشراً لقدرة واشنطن على فرض هيبتها بوصفها القطب الدولي الأوحد. ومع ذلك، يجد المواطن الأمريكي نفسه أمام مفارقة صادمة، حيث تُنفق المليارات على تأمين ممرات مائية بعيدة في وقت تفتقر فيه البنية التحتية المحلية للاستثمار الضروري. هذا التناقض يغذي حالة الرفض الشعبي للحرب التي تظهرها استطلاعات الرأي، مما يجعل التكاليف الاقتصادية لإعادة فتح المضيق عبئاً سياسياً لا يمكن للإدارة تحمله دون تفويض شعبي صلب، وهو ما يفسر ارتباك الخطاب الأمريكي بعد فشل مسار إسلام آباد الذي قاده فانس وقاليباف.
عليه، من المرجّح أن تشكّل انتخابات 2026 النصفية المحك الحقيقي لهذه المقامرة الاستراتيجية في منطقة الخليج. فمع استمرار التهديدات بتدمير البنية التحتية الإيرانية والتي تقابلها تهديدات إيرانية بمهاجمة البنى التحتية لدول الخليج بسبب عجز طهران عن مهاجمة الأراضي الأمريكية، ستتحول هذه الانتخابات إلى استفتاء مباشر على جدوى هذه السياسة في ميزان المصالح القومية الأمريكية. إن القلق من الخسائر البشرية في حال تنفيذ عمليات برية في الداخل الإيراني قد يفرز أغلبية ديمقراطية في مجلس النواب تسعى فوراً لتقييد صلاحيات الحرب وعرقلة أي تمويل للعمليات العسكرية في الخليج. بل إن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في إمكانية إطلاق محاكمة سياسية 3 تستند إلى جدل إغلاق هرمز والرسوم التي تفرضها إيران، مما سيعيد إنتاج مشهدي ديسمبر 2019 ويناير 2021 في سياق جيوسياسي أكثر تعقيداً.
في حالة سيطرة المعارضة على المؤسسة التشريعية، ستتحول الإدارة إلى حالة من الشلل التام بفعل التحقيقات المستمرة حول التلاعب الاستخباراتي المتعلق بالألغام وتجاوز الرقابة المؤسسية. هذا الواقع سيحول الحكم إلى حالة من التحقيق الدائم، مما يُعيق أي فاعلية استراتيجية في الخارج بينما تستمر إيران في بسط سيطرتها الفعلية على المضيق، مستغلة حالة التآكل الداخلي في واشنطن.
إن الخلاصة التي يفرضها فشل مسار إسلام آباد واستمرار إغلاق هرمز هي أن الأمن الإقليمي لا يمكن بناؤه على أسس ديمقراطية هشة في الداخل. فالدبلوماسية القسرية تجاه إيران تفتقر اليوم إلى رأس المال السياسي اللازم لاستدامتها، مما يضع واشنطن والمنطقة أمام صراعات مفتوحة في الخليج والكونغرس معاً. وبدون استعادة الموثوقية المؤسسية، سيظل الردع الأمريكي مجرد صدى لصخب انتخابي يفتقر إلى الفعل، مما يعرض المصالح القومية لخطر الانكشاف أمام إيران التي تدرك جيداً مكامن الضعف في البنية السياسية الأمريكية الراهنة.
أكثر ما يمكن أن يخشاه المراقب للشأن الأمريكي هو أن يقدم ترمب هدية سياسية لطهران عن طريق تعامله المفرط في الخشونة، تماما كما فعل سلفه أوباما بتعامله المفرط في النعومة. والقاسم المشترك بين الرئيسين أنهما لم يُشركا حلفاءهما في المنطقة في رسم خطة التعاطي مع طهران.