المشهد السعودي بين السلفية والإخوان المسلمين
عندما يُتداول الحديث حول الحركات الإسلامية -السنيةـ المعاصرة فإن التركيز يتمحور غالبا حول السلفية (وعلى رأسها الدعوة الوهابية) وجماعة الإخوان المسلمين. وبين هاتين الحركتين من التجاذبات والتناقضات ما يستحق عملًا بحثيًا مفصلًا يقف على أهم علاقات التأثير المتبادل والتحول من التحالف إلى المواجهة، خصوصًا في مرحلة الصحوة بداية ثمانينيات القرن الماضي. نقف هنا على الجذور التاريخية لهذه العلاقة خصوصًا التحولات السياسية في الجمهوريات العربية الثورية التي تتبنى الفكر العلماني الاشتراكي والذي يعتبر فكرة الحاكمية الدينية أمرًا رجعيًّا ينبغي محاربته بتحجيم دور الدين في إطار المسجد وقانون الأحوال الشخصية.
السياق التاريخي
منذ عام ٦٣٢م (١١للهجرة)، شكلت الخلافة الإسلامية بمختلف تشكلاتها العنوان الأهم للحكم في الإسلام السني. ومنذ قيام الدولة الأموية عام ٦٦٢م حتى الإعلان الرسمي لنهاية الدولة العثمانية عام ١٩٢٤، قامت عدة ممالك يحكمها خلفاء يحملون لقب “أمير المؤمنين” وقد حافظ هؤلاء الحكام على الجانب الشكلي للحكم الإسلامي بضرورة وجود إمام يجتمع حوله المسلمون بغض النظر عن مستوى تدينه الشخصي أو تطبيقه للشريعة الإسلامية. وحتى بعد تجريد الخلفية العثماني من صلاحيات الحكم عام ١٩٢٢، ظل المنصب الروحي للخليفة محافظًا على الحد الأدنى من اسم الخلافة على أمل استعادة عافيته من جديد متذكرين أيام ضعف الخلافة العباسية. لكن حتى هذا الشكل المفرغ من محتواه لم يصمد أكثر من ١٦ شهرًا عندما طالبت بريطانيا في مؤتمر لوزان بإلغاء الخلافة كشرط للاعتراف بتركيا كدولة قومية.
شكّلت تنحية عبدالمجيد الثاني في مارس ١٩٢٤ على يد أتاتورك فراغًا روحيًا لدى أقطاب الإسلام السني الحركي مما دفعهم للتفكير في أحوال الأمة المتزامن مع شدة الاستعمار الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. هنا ظهر على الساحة حسن البنا عز الدين ليؤسس جماعة الإخوان المسلمين كحزب سياسي رسمي يدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية في مصر عام ١٩٢٨.
ومنذ تأسيسها، تماشت الحركة مع نظام الملكية الدستورية الذي يضمن التعددية السياسية تحت مظلة الملك وأنشأت مقرات لها في دول أخرى يديرها أبناء تلك الدول. ورغم كثرة التجاذبات السياسية، فإن الجماعة ظلت بعافيتها حتى بعد اغتيال مؤسسها عام ١٩٤٩ وانتخاب حسن الهضيبي خلفا له. لكن بعد ثورة يوليو ١٩٥٢، تغيرت الظروف باتخاذ الضباط الأحرار – ذوي الخلفية القومية الاشتراكية – موقفًا مناوئًا للإسلام السياسي مما تسبب في هجرة كثير من رموز الحزب خارج مصر. الأمر نفسه حصل للإخوان في باقي الدول العربية التي أصبحت تحكم بأنظمة عسكرية قومية اشتراكية مثل سوريا والعراق. وهنا كانت الوجهة لمنطقة الخليج العربية وتحديدًا السعودية.
قامت الدولة السعودية بنسخها الثلاث على التحالف بين الأسرة الحاكمة آل سعود ومدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب السلفية. شكل هذا التحالف استقرارًا سياسيًا داخل حدود حكم أسرة آل سعود التي فوّضت تلامذة عبدالوهاب للقيام بالشأن الديني بينما يناط الشأن السياسي بإمام المسلمين (الملك)، وانحصر الدور السياسي لـ”الدعوة الوهابية” بتوفير الفتوى الشرعية التي تغطي الفعل السياسي. وعليه، نشأت الحركة مع الدولة في علاقة منسجمة مع “فقه الدولة” السني والذي يجعل من العلماء مستشارين ناصحين للحاكم دون الخروج عليه. على الطرف المقابل، نشأ الإخوان كحركة موازية لحزب الوفد العلماني تحت مظلة الملكية (دون إعطاء بيعة شرعية للملك فؤاد أو الملك فاروق، فالبيعة تعطى للمرشد العام للجماعة فقط)، ومن ثم تحولت لحركة معارضة للحكم العسكري العلماني دون أن تخفي طموحها في إنشاء “دولة إسلامية” تقيم فيها الشريعة. تعدّت معارضة الإخوان المسلمين للحكومة لتشمل المؤسسات الدينية الرسمية في البلاد بما فيها الأزهر بمصر.
الملاذ الآمن والتمكين الثقافي
تدفقت عناصر الإخوان على السعودية هربًا من بطش الأنظمة العسكرية في بلادها واستثمارًا للعلاقة المتوترة بين المملكة وتلك الأنظمة الثورية التي كانت تتبنى خطابًا عدائيًا للأنظمة الملكية وتصفها بالرجعية والعمالة للإمبريالية. شكّل المصريون والسوريون العدد الأكبر من عناصر الإخوان الذين وفدوا على المملكة منذ منتصف الخمسينيات حتى نهاية السبعينيات. وباعتبار أن المملكة كانت تشهد تطويرا في البًنى التحتية وتحتاج كوادر غير متوفرة بين مواطنيها، فقد كانت فرصة لعناصر الإخوان المهاجرين ليعملوا في القطاع العام، وبالذات التعليم. هنا سنحت الفرصة للإخوان المسلمين لنشر فكرهم الحركي ليس عن طريق ممارسة التدريس فحسب، بل بإشرافهم على وضع المناهج التعليمية وفق النظام الحديث كونهم قادمين من خلفية أكاديمية في بلدانهم مقابل التعليم الديني التقليدي للمشايخ السعوديين الذين تركوا لهم ذلك باستثناء مناهج العقيدة التي ظلت حصنًا سلفيًّا صعب المنال لغير أتباع محمد بن عبدالوهاب. على كل حال، كان الإخوان واقعيين في تعاملهم مع مشايخ السعودية، ولم يحاولوا استفزازهم بطرح ما يخالف المدرسة الوهابية في العقيدة المستمدة من تراث ابن تيمية أو الفقه الحنبلي. وكان من أبرز الأسماء الإخوانية التي عملت في التعليم في المملكة من مصر: محمد قطب شقيق سيد قطب، لاشين أبو شنب، محمد الراوي ومناع قطان. ومن سوريا: عبدالفتاح أبو غدة، مصطفى السباعي، محمد أبو الفتح البيانوني وعلي الطنطاوي. والقائمة تطول بالأسماء الإخوانية البارزة التي عملت في قطاع التعليم السعودي، منهم من لبث لفترة قصيرة ثم غادر ومنهم من بقي في السعودية حتى وفاتهم كقطب والطنطاوي وقطان.
الجامعة الإسلامية مقابل الجامعة القومية
أسهم تدخل جمال عبدالناصر في مؤسسة الأزهر وسحب صفته الاستقلالية لجعلها مؤسسة دينية خاضعة لحكم قومي علماني. في عام ١٩٦١، تطور الأمر لتحويل جامعة الأزهر الإسلامية إلى جامعة حديثة تحوي كليات خارج إطار تخصصات الشريعة واللغة العربية. وفي ذات العام، أنشأ الملك سعود الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رئاسة المفتي العام الشيخ محمد بن إبراهيم وخلفه نائبه الشيخ عبدالعزيز بن باز. كان دور مشايخ السعودية التابعين للمدرسة الوهابية هو الإدارة العامة للجامعة التي كانت تحت تصرف الإخوان من حيث إنشاء الأقسام ووضع مناهجها وتدرسيها. وكان من الواضح أن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بما يحمله موقعها الجغرافي من رمزية إسلامية قد وُضعت في مواجهة جامعة الأزهر التي تحولت لمؤسسة تعليمية تحت تصرف حاكم علماني “لا يؤمن بتطبيق الشريعة الإسلامية”، وعليه فقد انتقل الإخوان المسلمون إلى مرحلة أكثر تقدمًا في معركتهم مع العلمانيين الذين يقمعونهم في بلدانهم.
خرّجت الجامعة الإسلامية أعدادًا من الدعاة من مختلف البلدان الإسلامية. ومن أبرز نتاج هذه الجامعة كان سفر الحوالي الذي قدم أطروحتيه للماجستير والدكتوراة تحت إشراف محمد قطب وتناول فيهما موضوعي العلمانية والإرجاء كتحديين معاصرين للإسلام وتطبيق الشريعة. وامتد نفوذ الإخوان لجامعتي الإمام محمد بن سعود في الرياض وأم القرى في مكة المكرمة بالإضافة إلى نفوذٍ أقل تأثيرا في جامعة الرياض (الملك سعود). وقد يتساءل البعض عن سبب هذا التمكن الذي حازته جماعة مهاجرة في بلد محافظ مازال يقيم وزنا للقبيلة. في رأيي يرجع هذا لعاملين أساسيين:
أولاً، المؤهلات التعليمية التي حصلوا عليها من بلدانهم ذات الأنظمة التعليمية النظامية، مقابل بدائية التعليم في المملكة وقتها. وثانيًا، جهودهم في إخراج تراث الشيخ محمد بن عبدالوهاب بشكل أنيق وعصري من خلال عملهم في تحقيق وشرح اعماله بشكل أثرى تلك الأعمال وسهّل تقديمها للدراسين. ولنأخذ هنا مثلا موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب التي طبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في ١٣ مجلدا عام ١٩٧٦م، فقد كان اثنان من بين المحققين الثلاثة لهذا المشروع من الإخوان المسلمين المصريين (محمد بلتاجي وسيد حجاب) بالإضافة لعبدالعزيز بن زيد الرومي. كذلك كتاب كشف الشبهات الصادر عام ١٩٧٥ بتحقيق أحد رموز الإخوان المسلمين بالعراق، محمد شكري الألوسي والذي مزج عباراته بعبارات محمد عبدالوهاب لدرجة لا يستطيع القارئ التفريق بين كلامي المؤلف والمحقق.
الإسلام الحركي
ظل الإخوان مسيطرين على الدراسة الأكاديمية الشرعية في السعودية في مجال الثقافة الإسلامية بالتحديد، الأمر الذي يعطيهم فسحة أكبر لنشر فكر “الإسلام الحركي” مقابل ما كان يعرف بـ “التيارات المنحرفة”. ولم تكن سيطرة السلفية الوهابية على مجالات العقيدة والحديث عاملا مؤثرا على الفكر الذي ينشّأ عليه طلبة العلوم الشرعية في الجامعات، فالعقيدة والحديث أمور لا تتماس مع الحياة اليومية بقدر الثقافة الإسلامية التي تسهم في تشكيل الوعي والمواقف تجاه التحديات المعاصرة. ومن نافلة القول إن تقاسم تدريس الفقه بين الإخوان والسلفية لم يكن ليؤثر كثيرا كونه يتعامل مع العبادات التي لا يؤثر الاختلاف في تفاصيلها على المنهج العام للدولة، السلفية الوهابية. هنا تكمن نقطة قوة تأثير الفكر الإخواني بسيطرته على المواد الأكاديمية التي تشكل فكر الطلبة الذين وإن اختلفوا معهم في العقيدة (الأشعري مقابل ابن تيمية) والفقه (الحنفي مقابل الحنبلي)، فإنهم -الإخوان- يشكّلون الفكر الذي له نتائجه على الأرض بغض النظر عن التفصيلات العقدية والفقهية التي تظل بين المكلّف وربه.
هنا ينبغي تذكر الأساس الذي قامت عليه الجماعة والذي يركّز على الثقافة والحركية وليس العلم الشرعي. وبنظرة سريعة على التكوين المعرفي للمرشدين الثمانية للجماعة، نجد أن أيّا منهم لا يحمل صفة الفقيه، بل كلهم مثقفون قادمون من خلفيات أخرى كتعليم اللغة العربية (حسن البنا) والتربية البدنية (مهدي عاكف) والتجارة (عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر) والقضاء المدني (حسن الهضيبي وابنه مأمون) والأرصاد الجوية (مصطفى مشهور) والطب البيطري (محمد بديع)؛ الأمر نفسه ينطبق على كثير من قيادات الإخوان الفكرية والذين لم يمروا بتأهيل شرعي واضح المعالم (جامعي أو تقليدي في حلقات لشيوخ معروفين).
افتقار القادة الرئيسيين للتأهيل العلمي الشرعي بتركيزهم على العمل العام والثقافة التي لا تنفذ إلى عمق النص الشرعي جعل منهم برنامجًا للعمل بدون تأصيل شرعي عميق. بالمقابل، فإن علماء الدعوة الوهابية البارزين كابن باز وابن عثيمين وابن جبرين قد حصروا تركيزهم على العلم الشرعي دون وجود برنامج ثقافي يواكب العصر ويحتوي الشباب السعودي في مرحلة الطفرة النفطية وما صاحبها من تحولات اجتماعية تحتاج إلى رؤى إسلامية معاصرة تتجاوز مسائل التوحيد والطهارة ومحاربة البدع الاجتماعية. ولعل هذا ما جعل شباب الصحوة السعوديين فيما بعد ينقلبون على علماء بلادهم بدعوى عدم إحاطتهم بواقع الحياة ومتغيرات الزمن مقارنة بأساتذتهم ذي الخلفية الإخوانية.
الأثر الفعلي
رغم أن الصراع السعودي المصري الذي اتخذ صفة الأممية الإسلامية مقابل القومية العربية لعب دورًا محوريًا في توطيد العلاقة بين الدعوة الوهابية والإخوان المسلمين، فإن وفاة الرئيس عبدالناصر ١٩٧٠ والملك فيصل ١٩٧٥ لم تؤثر سلبا في هذه العلاقة. بدأت العلاقة واستمرت تكاملية وليست تنافسية، وعليه، ليس ثمة ما يقلق إحدى المدرستين من الأخرى. أخذ الإخوان المهاجرون من منهج الدعوة الوهابية التشدد الشكلي في لباس المرأة واللحية وأعطوهم التشدد الفكري تجاه عدو لم يكن ضمن المفكر فيه لدى السلفيين السعوديين. ما نعنيه هنا أن السلفي كان يحصر تفكيره داخل حدود المملكة التي يحكمها إمام المسلمين (الملك من آل سعود) دون أن يُعنى بشكل – حركي - بالصراعات في الدول الأخرى.
هنا جاء دور الإخوان لتوعية السلفيين السعوديين بأخطار مثل: الاستعمار الغربي، المد الصهيوني، الماسونية العالمية والعلمانية الكافرة. يأتي هذا في الوقت الذي كانت وسائل إعلام القومية العربية تشن هجومًا على الملكيات – وعلى رأسها السعودية – وتصفها بالرجعية والعمالة للإمبريالية العالمية. هنا سمحت السلطات السعودية للإخوان بتثقيف مواطنيها حول خطورة المد العلماني الذي يحكم بغير ما أنزل الله. حتى بعد ضمور الصراع السياسي السعودي المصري، ظلت أيديولوجية الإسلام الحركي نشطة في الأوساط السعودية فيما عرف بعد ذلك بـ”الصحوة الإسلامية” التي قادها “التيار السروري”، وفي هذا تفصيل آخر.