دول الخليج: من أنابيب النفط إلى الألياف الضوئية

عبر التاريخ، لم تصعد الإمبراطوريات إلا حين أحسنت الإمساك بالمورد الأندر في لحظة التحوّل: من الملح والحرير، إلى الفحم، ثم النفط الذي حكم قرنين من النفوذ والتحالفات.

اليوم تتقدّم “القوة الحاسوبية” بوصفها المورد السيادي الجديد. وعليه، إن ما تشهده العواصم الخليجية ليس تحديثاً تقنياً بقدر ما هو إعادة تموضع جيوسياسي: نقل المنطقة من جغرافيا الهيدروكربون إلى جغرافيا المعرفة قبل أفول مركزية الوقود الأحفوري. إنها محاولة لتحويل الفوائض إلى أصول رقمية ومراكز بيانات وشبكات سحابية، تُستبدل فيها الأنابيب بالسحب، بهدف اقتناص موقع تفاوضي متقدّم في نظام عالمي يتشكّل حول البيانات والذكاء الاصطناعي.

غير أنّ السؤال: هل الطريق مأمونٌ بضمانات المال والحوكمة، أم أنّه محفوفٌ بألغام السيادة الرقمية وسلاسل الإمداد والتنافس الدولي وبناء الإنسان باعتباره المورد الأندر فعلا؟

الدوافع بين الاقتصاد والرمزية

 للدول الخليجية دوافع مباشرة وشاملة خلف هذا الاندفاع، تبدأ من الحسابات الاقتصادية الصرفة. فالمؤسسات الدولية وشركات الاستشارات الكبرى لا تكفّ عن إغراء الحكومات بأرقام براقة حول القيمة المضافة للذكاء الاصطناعي. وتذهب التقديرات الحديثة إلى أن هذه التكنولوجيا قادرة على ضخ عشرات المليارات سنوياً في الناتج غير النفطي لدول مجلس التعاون، بما يعادل نحو 2 إلى 3٪ منه، مع نصيب وافر لقطاعات الطاقة والمال والبنى التحتية.

على هذا الأساس، تقود دول الخليج تحوّلاً استراتيجياً غير مسبوق نحو الاقتصاد الرقمي، مع رصد استثمارات تتجاوز تريليوني دولار، وقد ترتفع الالتزامات إلى حدود 3.2 تريليون دولار بحلول عام 2029، سعياً لترسيخ موقع المنطقة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي.

في الصدارة تقف السعودية والإمارات. فالمملكة، عبر الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي SDAIA وشركة HUMAIN وصندوقٍ مقترح بقيمة 40 مليار دولار، تطمح إلى بناء بنية تحتية حوسبية بقدرة 2.2 غيغاوات. أما الإمارات، فتمضي في مسار موازٍ من خلال استراتيجيتها لعام 2030، وصندوق MGX المستهدف لمئة مليار دولار، ومشروع Stargate العملاق بقدرة خمسة غيغاوات، مع طموحٍ لقيادة الابتكار وتطوير نماذج لغوية مثل Falcon. وتتكامل هذه الحركة مع جهود قطر وعُمان والكويت والبحرين لتوسيع أسواقها الرقمية وإنشاء مناطق حرة متخصصة.

ويرتكز هذا الحراك الإقليمي على شراكات استراتيجية مع عمالقة التقنية من قبيل Nvidia وMicrosoft وOpenAI، لتأمين مئات الآلاف من الرقائق المتقدمة، وسط توقعات بأن يضيف الذكاء الاصطناعي ما يقارب 320 مليار دولار إلى اقتصاد المنطقة بحلول 2030، بوصفه مكوّناً مؤثراً في الناتج المحلي الإجمالي وبديلاً استراتيجياً عن النفط.

لكن خلف الأرقام، ثمة غاية أخرى لا تقل أهمية: المكانة والرمزية. ففي فضاءٍ عُرف طويلاً بأنه “مضخة العالم”، تتبلور رغبة في إعادة تعريف الذات بوصفها منصة عالمية للابتكار، ومختبراً لتجارب المدن المستقبلية، من الحواضر الذكية إلى المدن الصحراوية التي تُدار تفاصيلها بالذكاء الاصطناعي، من الإضاءة إلى القضاء.

حين تصطدم الجغرافيا الرقمية بحدود الواقع

غير أن الطريق إلى المستقبل لا يخلو من أخطار. فالاندفاع العالمي نحو الذكاء الاصطناعي يستبطن، بشهادة خبراء كُثر، شبح فقاعة اقتصادية محتملة، في ظل التقييمات المبالغ فيها والاستثمارات الهائلة في البنى التحتية. هناك نقد أعمق لا يتوقف عند أرقام البورصات، بل يتناول “الهالة” التي تحيط بالذكاء الاصطناعي بوصفه أيديولوجيا جديدة، تزعم أن التقنية قادرة على حلّ أعقد مشكلاتنا السياسية والاجتماعية، من الحكم الرشيد إلى العدالة وتوزيع الموارد، شريطة أن نمنحها مزيداً من البيانات والسلطات. ويحذّر هذا التيار من تكرار خطأ القرن العشرين، حين استُبدلت الأيديولوجيات الشمولية بأيديولوجيا السوق، لنجد أنفسنا اليوم أمام خطر استبدال الاثنين بأيديولوجيا “الذكاء” المفترض أنه محايد وفوق الصراع، بينما هو في جوهره مشبع بمنطق القوة والربح ومن يملك الآلة.

وفي السياق الخليجي، بتعقيداته الثقافية والاجتماعية، يتضح أن الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد معرفة ليس عملية هندسية تُشترى بقرار وتمويل. إنه تحوّل اجتماعي طويل النفس، يتطلب إعادة صياغة أنماط التعليم والعمل، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ورغم إدراك هذه الفجوة في بعض التقارير الاستشارية المتحمسة، فإن كثيراً من الشركات العاملة في الخليج ما زالت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه واجهة تسويقية أكثر منه عنصراً مدمجاً في صميم نماذج أعمالها، ما يخلق مسافة واضحة بين ضجيج الخطاب وحجم القيمة المتحققة فعلياً.

تتفرع عن ذلك فجوة المهارات. فالمجتمعات التي اعتادت على وظائف حكومية مستقرة وقطاع عام متضخم، تواجه اليوم موجة أتمتة قد تزيح وظائف متوسطة المهارة في الإدارة والخدمات، مقابل طلب متزايد على كفاءات تقنية عالية لا تتوافر محلياً بالقدر الكافي. هذا الضغط المزدوج يحمل في طياته أخطار توتر اجتماعي، إذا لم ترافقه سياسات عميقة لإعادة التأهيل والتعليم، لا سيما في بلدان ما زالت الوظيفة العامة فيها بوابة الاستقرار والهوية الطبقية.

ولا تقل التحديات التنظيمية والأخلاقية خطورة. فسرعة الاستثمار تتجاوز، في حالات كثيرة، سرعة التشريع، فتجد الدولة نفسها أمام منظومات مراقبة رقمية هائلة قبل أن تكتمل النقاشات حول الخصوصية وحقوق البيانات وحدود الاستخدام الأمني. وتحذّر تقارير بحثية إقليمية من أن جزءاً من استثمارات الذكاء الاصطناعي قد يُسخّر لتعظيم قدرات المراقبة وتتبع الأفراد والعمالة الوافدة، في سياق أنظمة سياسية تميل بطبيعتها إلى مركزية القرار وضبط المجال العام.

ثم يبرز التحدي الجيوستراتيجي. فالخليج يستورد التقنيات المتقدمة، ويرتبط في الوقت نفسه بتحالفات أمنية معقّدة، بينما يحتدم الصراع العالمي بين الولايات المتحدة والصين حول مفاتيح الذكاء الاصطناعي المتقدم. وهذا يضع العواصم الخليجية في موقع “الأرض الحرجة”: حاجة إلى التكنولوجيا الأميركية، وانفتاح على الأسواق والاستثمارات الآسيوية، وسعي للحفاظ على قدر من الاستقلالية في إدارة البنى الرقمية الحساسة. أي اختلال في هذا التوازن قد يحوّل الذكاء الاصطناعي من مصدر قوة إلى أداة ضغط جيوسياسي. وفي عالمٍ تتحول فيه الخوارزميات إلى سلاح، من مراقبة الحدود إلى إدارة المسيّرات والحرب السيبرانية وتوجيه الرأي العام، لا يمكن لدولة تعتمد على مظلة أمنية خارجية أن تكتفي بدور المستهلك. من هنا تأتي محاولات إنشاء هيئات وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات وثيقة مع شركات كبرى، في مسعى لربط الأمن الوطني بمنظومات رقمية يمكن التحكم بها من الداخل، لا أن تبقى “صندوقاً أسود” مستورداً.

بين التاريخ والمستقبل: أيّ نفطٍ هذا؟

يمكن النظر إلى هذا الرهان بوصفه فصلاً جديداً في “حكاية الرمل والنفط”، حيث يُستبدل الذهب الأسود بـ”ذهب لا يُرى” يسري في ألياف ضوئية. الجغرافيا التي كانت ممراً للطاقة نحو الشمال والغرب تحاول اليوم أن تصبح عقدة في شبكة طاقة مختلفة: طاقة الحوسبة التي تقوم عليها نماذج الذكاء الاصطناعي، وتشغّل اقتصاداً رمزياً–رقمياً يعيد تعريف النفوذ والثروة والهوية. لكن القراءة الاستشرافية الباردة تذكّر بأن كل رهان جديد يحمل معه خطر إعادة إنتاج أنماط جديدة من التبعية واللا مساواة، ما لم يُحكم بعقد اجتماعي جديد يضمن ألّا تذهب عوائد الذكاء الاصطناعي كلها إلى القمة، وألّا يصبح “النفط الجديد” حكراً على من يملك الخوادم والشركات والقرب من دوائر القرار.

والسؤال المطروح ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحلّ محل النفط حسابياً، بل ما إذا كان قادراً على إنتاج نموذج تنموي أقل هشاشة وأكثر عدالة، أم أنه سيضيف طبقة رقمية لامعة فوق بنية ريعية قديمة لم يتغير فيها سوى شكل الأدوات. هنا، بالضبط، يكمن الامتحان الحقيقي الذي سيحكم، بعد عقود، على ما إذا كان الخليج قد نجح في تحويل ثروة الأمس إلى رأسمال المستقبل، من دون الوقوع في فخ تكرار الأخطاء ذاتها بأسماء جديدة.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.