الخليج والسودان:بين سردية التدخل الخارجي وهاجس الانتحار الداخلي
في فلسفة التاريخ، لا تسقط الدول فجأة، بل تتآكل ببطء حتى تأتي “لحظة الحقيقة” التي تكشف هشاشة البنيان. حينها لا تعود الجغرافيا ملاذا دافئاً، بل تتحول إلى لعنة إذ يتداعى الأقوياء لترميم الجدار المائل، ليس حباً في الطين، بل خوفاً من أن يسقط السقف على رؤوس الجميع.
والسودان، ذلك العملاق الجريح الرابض بين عذوبة النيل وملح البحر، لم يكن استثناءً لهذه القاعدة. لقد تحولت البلاد، بحكم جغرافيتها القلقة ومواردها المنهوبة من “جسر” يربط العرب بالأفارقة إلى “مسرح” تتجلى فيه أعقد صراعات النفوذ في القرن الحادي والعشرين.
لم يكن أحد يتخيّل أن تتحوّل بلاد بحجم السودان، أكبر بلد عربي سابقاً وسلّته الغذائية الموعودة، إلى خريطة جائعة يفرّ منها أهلها كما لو كانوا يهربون من قدرٍ أعمى. حروب الجنرالات فعلت ما لم تفعله كل موجات الجفاف القديمة. أكثر من ثلاثين مليون إنسان يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، بينما يواجه نحو خمسة وعشرين مليوناً مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وعلى طرق اللجوء، يمتد طابور المنفيّين قسراً من دارفور إلى المثلث الحدودي مع تشاد وجنوب السودان ومصر: أكثر من أحد عشر مليوناً اقتلعوا من بيوتهم، منهم أكثر من ثلاثة ملايين عبروا الحدود لاجئين أو طالبي لجوء، فيما تصفه مفوضية حقوق الإنسان بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم اليوم.
هكذا يُدفع بلد كان يُحتفى بتنوّعه العرقي والثقافي والجغرافي، إلى أن يصبح لعنة طاردة لأبنائه، لا يجدون فيه سوى مقعد في طائرة إجلاء، أو مكاناً في قارب لجوء، أو خيمة على هامش جغرافيا الآخرين. والقصة هنا ليست حربا أهلية وحسب، بل فصل آخر من فصول التنافس الجيوسياسي لدول جارة وأخرى بعيدة في مشهد سريالي يختلط فيه بريق الذهب بدخان البارود. العرب فيه متداخلون ومتدخلون. وهم ليسوا طارئين على أرض النيل، بل من بناة تاريخها فبعد ليبيا المنهكة بحروب السيطرة إياها ومصر القلقة على أمنها من قوس لهب يشد حزامه حول عنقها من غزة شمالا عابرا غربها وصولا لجنوبها سودانيا، يجد الخليج العربي نفسه لا كطرف على حافة بحر يفصل بين غرب آسيا وافريقيا، بل كشريك في “القدر الجغرافي” للسودان ذاته. فبين الخرطوم والعواصم الخليجية حبل سري من المصالح والمخاوف، نُسج عبر عقود من تحويلات المغتربين، واستثمارات الزراعة، وهواجس الأمن المائي والبحري. ولكن، كيف تحولت هذه العلاقة من “هندسة الاستقرار” إلى هذا المشهد المعقد من الاتهامات المتبادلة والصمت الدبلوماسي الثقيل؟
السودان الجائع والذهب المنهوب
لفهم هذا التشابك، يجب العودة إلى جذور “الاقتصاد السياسي” للأزمة، فحين بتر مبضع السياسة جنوب البلاد عام 2011، لم يخسر السودان 75٪ من نفطه فحسب بل خسر “عموده الفقري”. تهاوت تحويلات المغتربين من ذروة 3.1 مليار دولار عام 2008 إلى قاع الـ 150 مليون دولار عام 2019، تاركة خزينة الدولة شبه فارغة.
في تلك اللحظة الحرجة، حضر “الضخ المالي الخليجي” كضرورة وجودية للبلاد لا كمنحة عابرة. كانت المليارات المقدمة كحوافز اقتصادية والأموال المودعة في البنك المركزي عقب سقوط البشير، بمثابة “أكسجين” لرئة تعجز عن التنفس. لكن المفارقة تكمن في أن هذا الدعم، ورغم حيويته، لم يستطع حماية البلاد من سيناريو الفوضى الذي نشهد أحد تجليات فصوله اليوم.
السودان، بثرواته المعدنية التي تجعله ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، يقف اليوم على مفارقة فادحة: بلد يطفو على بحر من المعادن الثمينة، فيما الجوع ينهش أطرافه وتفقد الدولة السيطرة على أكثر من أربعين ألف موقع تعدين تتحرك فيها قوى محلية وميليشيات أكثر مما تتحرك مؤسسات الدولة الرسمية. جبل عامر، بما يحمله من أطنان الذهب ولعنات الدم، تحوّل منذ 2017 إلى مركز ثقل يُعيد تشكيل الصراع في دارفور، حيث تحلّ حرب الموارد مكان الحرب القبلية، ويتحول الذهب إلى جسر يربط السلاح بالأسواق الإقليمية.
هنا الأرقام لا تكذب، فما يُسجَّل رسمياً لا يتجاوز جزءاً يسيراً مما يُنتَج فعلياً، في حين 60٪ من الذهب يُهرَّب يومياً، والخسائر السنوية قد تصل إلى 7 مليارات دولار تتبخر في شبكات عابرة للحدود. هذا الذهب المهرّب خلق اقتصاداً موازياً، وموّل شبكات قوى خارجة عن سيطرة الدولة، مما مهد الطريق لـ “خصخصة العنف” التي نراها اليوم. لقد منح الذهب لقوات الدعم السريع “استقلالاً استراتيجياً” عن ميزانية الدولة، محولاً إياها من ميليشيا مساندة إلى “جيش موازٍ” قادر على تمويل حربه ذاتياً، في سابقة نادرة في تاريخ النزاعات الحديثة.
في قلب هذا المشهد تظهر احدى الدول الخليجية، لا بوصفها المتسبب في الحرب، بل باعتبارها المركز العالمي الأكثر قدرة على امتصاص الذهب القادم من أفريقيا، سواء عبر المسارات المباشرة أو عبر المسارات الالتفافية من تشاد وجنوب السودان ومصر. وهذا ما يغذّي الاتهامات، ويمنحها مكاناً واسعاً في خطاب خصومها. لكن الحقيقة أعقد من اختزالها في سردية واحدة. الذهب في السودان ليس “مؤامرة خارجية”، بل منظومة اقتصادية داخلية متوحشة تراكمت على ضعف الدولة، واتساع رقعة النزاع، ووجود لاعبين محليين يسعون لخلق استقلالية اقتصادية بأي ثمن.
الخليج وافتراق المسارات السودانية
لطالما نظر المراقبون إلى الوجود الخليجي في السودان ككتلة واحدة، خاصة بعد انخراط السودان في عاصفة الحزم عام 2015 بضخ 15 ألف جندي، في صفقة قايضت فيها الخرطوم “الدم بالاقتصاد”. لكن الحرب الحالية كشفت عن شرخ عميق في الرؤى، أو ما يمكن تسميته بـ “افتراق المسارات”.
تتعامل الرياض مع السودان بمنطق “أمن البحر الأحمر”. بالنسبة لها، السودان هو الجار الغربي الكبير، وأي فوضى شاملة فيه تعني تهديداً مباشراً لمشاريعها العملاقة على الساحل (نيوم والبحر الأحمر). لذا، تميل الكفة السعودية – وإن بحذر- نحو الحفاظ على “المؤسسة العسكرية” أي الجيش كضامن وحيد لبقاء الدولة المركزية ومنع الاتجاه نحو “الصوملة”. تتجلى هذه الرؤية في استثماراتها المتعددة، ومشاريعها التي تتسم بطابع مؤسسي طويل الأمد. كما أن الدبلوماسية السعودية، وعبر “منبر جدة” للحوار بين الأطراف المتحاربة، حاولت وضع حد للصراع ومنع تمدده، لكنها اصطدمت بتعقيدات الواقع الميداني وحسابات الأطراف الأخرى، في حين تنحو استراتيجيات دول خليجية أخرى لتكون ديناميكية، معتمدة على فلسفة “الموانئ والموارد”، آملة في ربط السودان بشبكتها اللوجستية العالمية. لكن مع اندلاع حرب الجنرالات، تحوّل الحضور الخليجي عامة إلى مادة اتهام سياسي وعسكري.
من وجهة نظر هذه الجهات، السودان أكبر من أن يُختزل في صراع فصائل، وانهياره سيصيب أمن البحر الأحمر ومصالح الجميع. ولهذا تبحث بعض القوى السودانية عن خصم خارجي يخفف عنها عبء مواجهة أخطائها التاريخية.
ولأن الفراغ لا يبقى على حاله، فقد استدعى التباين بين الدول النافذة في السودان لاعباً قديماً بزي جديد. إن عودة العلاقات السودانية الإيرانية عام 2023 ودخول طائرات مهاجر المسيرة إلى ترسانة الجيش السوداني، يمثل “كابوساً استراتيجياً” للدول الخليجية، ومعضلة للغرب. وهنا يكمن التعقيد، فالجيش السوداني، المحاصر بضغوط غربية، وجد في طهران طوق نجاة عسكرياً، مقدماً وعوداً بقواعد بحرية قد تغير معادلات البحر الأحمر.
بين سودان مستقر يحمي أمن البحر الأحمر، وسودان مرن يخدم الطموحات الاقتصادية، وآخر مقاوم يمنح إيران موطئ قدم على المدخل البحري لأفريقيا، يقف السودان على أرض رجراجة بين التفكك الداخلي وإعادة الاستقرار النسبي بانتظار تسوية إقليمية كبرى قد تأتي متأخرة جداً.