الخليج بلا أوهام: السعودية والإمارات وقطر في ميزان القوة والنفوذ (2026 -2030)
ملخص تنفيذي
لم يعد الخليج ساحةً للتفاهمات التقليدية أو لوهم الانسجام الدائم. خلال العقد الأخير، دخلت العلاقات بين السعودية والإمارات وقطر مرحلة جديدة تُدار فيها السياسات بمنطق القوة والمصلحة والبقاء، لا بمنطق الأخوّة والتاريخ المشترك.
ينطلق هذا التقرير من فرضية مركزية مفادها أن المثلث السعودي–الإماراتي–القطري بات اليوم أحد أبرز محددات الاستقرار والتوتر في منطقة الخليج، وأن سلوك هذه الدول تحكمه قواعد الواقعية الصلبة داخل بيئة إقليمية ودولية تتسم بعدم اليقين.
يبيّن التقرير أن مجلس التعاون الخليجي، رغم استمراره ومنجزاته، لم ينجح في التحول إلى مظلة ضابطة للسلوك الجماعي، بل بات يُستخدم انتقائيًا عندما تتقاطع المصالح، ويُتجاوز عندما تتعارض. لم تعد الخلافات الخليجية أحداثًا عابرة أو سوء تفاهمات ظرفية، بل تعبيرًا عن تحولات بنيوية في رؤية كل دولة لمكانتها ودورها وحدود نفوذها الإقليمي.
على مستوى العلاقات الثنائية، يكشف التقرير أن التحالف السعودي–الإماراتي ورغم متانته الظاهرة، يخفي تنافسًا بنيويًا متصاعدًا، خصوصًا في مجالات الاقتصاد والطاقة والنفوذ الإقليمي، مع استمرار التعاون التكتيكي كخيار عقلاني لتجنّب الصدام المفتوح.
أما العلاقة السعودية–القطرية، فتُدار وفق منطق “التعايش الحذر” بعد أزمة 2017، حيث عادت القنوات السياسية دون استعادة الثقة العميقة، ليستمر كل طرف في حماية استقلال قراره وأدوات نفوذه.
في المقابل، توصف العلاقة الإماراتية – القطرية بأنها “سلام بارد”؛ حيث يخفي الاستقرار في الشكل تنافسًا مستمرًا على الأدوار الإقليمية، الوساطة والنفوذ الإعلامي والدولي.
ويتوسع التقرير في تحليل التحولات العالمية المتوقعة حتى عام 2030 من إدارة الصراع مع إيران، ومستقبل القضية الفلسطينية بعد حرب غزة، إلى إعادة تموضع الولايات المتحدة، وصعود الصين والتحولات في أسواق الطاقة والتكنولوجيا، موضحًا كيف ستتحول هذه الملفات إلى اختبارات عملية تكشف عمق التمايز الخليجي.
بين مقاربة سعودية حذرة تركّز على خفض المخاطر وخدمة المشروع التنموي، وبراغماتية إماراتية تفصل بين المسارات الاقتصادية والسياسية، واستراتيجية قطرية قائمة على الوساطة وتعدد الشراكات، تتكرس ثلاث رؤى خليجية متجاورة للعالم، لا رؤية واحدة جامعة.
يخلص التقرير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال السنوات المقبلة هو “التنافس الهادئ”: تعاون انتقائي، صراع محسوب وخلافات مُدارة دون الوصول إلى حلول جذرية للخلافات. فلا وحدة خليجية تلقائية ولا قطيعة شاملة مرجحة. ما يحكم المشهد هو عقلانية مصلحية باردة، تُعيد تعريف العلاقات الخليجية دولةً بدولة، في نظام إقليمي لا يكافئ حسن النوايا بل يحاسب على ميزان القوة وامتداد النفوذ.
توطئة
لم تعد علاقات دول الخليج تُفهم بوصفها امتدادًا طبيعيًا لهوية مشتركة أو نتاجًا تلقائيًا لتجاور جغرافي، أصبحت هذه الدول مجالًا مفتوحًا لإعادة التعريف في ماهيتها ومكانتها وحدود نفوذها. في العقد الأخير، انتقلت التفاعلات بين السعودية والإمارات وقطر من مرحلة إدارة الخلاف داخل الإطار الجماعي إلى خارجه، ليدخل الإطار ذاته مرحلة اختبار لحدود لياقته وقدرته على الاستيعاب والضبط.
هذا التحول لم يكن نتاج لحظة انفجار مفاجئة، بل نتيجة مسار تراكمي تداخلت فيه الطموحات والتحولات في موازين القوة الإقليمية وتبدل أولويات الرعاة الدوليين. ومع تصاعد وزن الثروات والملفات الاقتصادية، الطاقة والأمن والنفوذ الدبلوماسي، باتت كل دولة خليجية لا تنظر إلى محيطها من زاوية التهديدات الخارجية وحسب، بل من زاوية التنافس مع الشركاء الأقربين أيضًا.
في هذا السياق، تراجعت وظيفة مجلس التعاون الخليجي من كونه أداة تنظيم سياسي، إلى إطار تنسيقي مرن تُستخدم آلياته حين تتقاطع المصالح ويُتجاوز حين تتعارض الحسابات. لم يعد المجلس ساحة لصياغة قرارات ملزمة لكن مساحة لإدارة الاختلاف ومنع انزلاقه إلى صدام مفتوح، دون القدرة على إنتاج رؤية جماعية مستدامة.
ينطلق هذا التقرير من هذا الواقع، باعتباره سمة بنيوية للنظام الخليجي في مرحلته الراهنة لا بوصفه خللًا. فالسعودية والإمارات وقطر تتحرك اليوم داخل بيئة إقليمية تتسم بالسيولة وعدم اليقين، ما يدفع كل دولة إلى إعادة تقييم أدواتها وتحالفاتها وفق حسابات دقيقة تتقدم فيها اعتبارات السيادة والاستقرار الداخلي وتعاظم النفوذ على أي التزامات أخرى.
لا يسعى التقرير إلى توصيف العلاقات الخليجية بالاعتماد على تفكيك منطقها الفعلي كما يتجلى في السلوك السياسي والاقتصادي والأمني للدول الثلاث، بل يرتكز على قراءة تفترض أن فهم المستقبل الخليجي يمر أولًا عبر فهم كيفية إدارة التنافس، لا عبر افتراض وحدة لم تعد قائمة إلا في أدبيات الخطابات الرسمية.
الواقع أن علاقات الدول الخليجية لطالما كانت محكومة بمبدأ السيادة الوطنية المطلقة لكل دولة، ما يعني أن لكل واحدة منها كامل الحق في أن تتصرف في النهاية وفق حساباتها الذاتية لضمان أمنها ومصالحها. صحيح أن السعودية، ومنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، لعبت دور الأخ الأكبر والدولة الدليل في تحديد ورسم السياسات الخارجية للدول الأعضاء، إلا أن ذلك لا ينفي أن تمايز بعض الدول رافق المجلس منذ بداياته. الفارق هو أن سلطنة عُمان، التي كانت ولا تزال تتمايز في سياساتها الخارجية، لم تكن تدير هذا الاختلاف بشكل تصادمي مع السعودية، وهو الحال الذي تغيّر مع صعود كل من قطر والإمارات اللتين باتتا، إلى جانب تمايزهما، تزاحمان الرياض بمشروعين مغايرين وفي أكثر من سياق.
هذا الوضع “المرتبك” يتجلى بوضوح في قابلية التحالفات الخليجية للتشكّل والانحلال بسرعة تبعًا لتغيّر المصالح والتحديات، وفي عدم القدرة على الالتزام الجماعي الصارم بسياسات موحّدة. ورغم الخطاب الإعلامي والسياسي الذي كثيرًا ما يؤكد على “الأخوّة الخليجية” و”وحدة المصير”، تكشف الأحداث أن الثقة المتبادلة بين هذه الدول تظل محدودة عندما تتعارض المصالح. يمكن النظر إلى تجربة الأزمة الخليجية (2017–2021) والاشتباك غير المباشر بين السعودية والإمارات في ميناء المكلا اليمني (2025) باعتبارهما أدلة قاطعة على ذلك.
في الأزمة الخليجية، أدى شعور السعودية والإمارات بأن قطر تتبع سياسة خارجية تهدد مصالحهما أو تقلّل من نفوذهما إلى اتخاذهما خطوات حازمة لعزلها. كذلك في الاشتباك السعودي الإماراتي، نلاحظ أن السعودية اعتبرت سياسات الإمارات تضر بمصالحها وأمنها الوطني. وفي الحادثتين، كانت لقطر والإمارات وجهات نظر مغايرة، ترتكز على أن سياساتهما المتمايزة لا تمثل عداءً مع السعودية بقدر ما هي محاولات لضمان مصالح البلدين.
ليس بعيدًا عن هذا السياق، يمكن ملاحظة أن الدول الثلاث تنتظم في سباق تسلح وارتفاع نسب الإنفاق العسكري وتعزيز ترساناتها العسكرية، هذا السباق لا يبدو تكامليًا تحت مظلة منظومة دفاعية لحماية دول المنظومة، وعليه، يمكن فهم هذا السلوك، في شكل من أشكاله، باعتباره نتيجة لغياب الثقة بين الدول الشقيقة نفسها، إذ تسعى كل دولة من هذه الدول لتأمين تفوق نوعي أو على الأقل إلى توازن استراتيجي مع الدول الأخرى.
تنظر السعودية، بحكم حجمها السكاني والجغرافي وخلاف ملف التهديدات الإيرانية، إلى نفسها كقوة إقليمية راجحة وتحرص على عدم اختلال ميزان القوة لصالح جيران أصغر قد ينافسونها. والإمارات، رغم صغر حجمها السكاني، تبنّت سياسة خارجية نشطة لتعظيم دورها وتأمين مصالحها بمعزل عن الاعتماد التام على مظلة السعودية. أما قطر، فبعد تجربة 2017، أدركت أن لاستقلال قرارها ثمن، فعمدت إلى تنويع شراكاتها الأمنية حتى لا تقع تحت رحمة أي طرف إقليمي منفرد.
إن هذه السلوك في الجانب العسكري، مضافًا له التنافس على النفوذ، مرورًا بتوازن التحالفات خارج منطقة الخليج ووصولًا إلى الحذر في التعاون البيني، تعكس حقيقة أن الدول الثلاث تتصرف كوحدات عقلانية ضمن بيئة إقليمية مرتبكة ومحفوفة بالشكوك. وعليه، تدير الدول الثلاث علاقاتها وفق منطق القوة والمصلحة، حيث لا يكفي التاريخ المشترك أو وحدة الهوية لضمان التنسيق التام إذا تضاربت الحسابات الاستراتيجية. وهذا الفهم ضروري كنقطة انطلاق للتحليل والخروج بالاستنتاجات.
السعودية والإمارات: تحالف استراتيجي أم تنافس بنيوي؟
لعقود، بدت العلاقات بين الرياض وأبوظبي ركنًا متينًا في البنيان الخليجي؛ إذ تعاونت السعودية والإمارات في ملفات إقليمية عدة، بدءًا من مواجهة النفوذ الإيراني والتنسيق في ساحات مثل البحرين خلال أحداث 2011، مرورًا بالشراكة في قيادة التحالف في اليمن عام 2015، وصولًا إلى التوافق في مواجهة تيارات الإسلام السياسي.
بلغ التقارب ذروته في أزمة مصر 2013 حين ساهمت الدولتان بشكل حاسم في الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، كذلك في تبنّي الدولتين موقفًا موحّدًا في أزمة مقاطعة قطر 2017. هذا التاريخ من التحالف الاستراتيجي أوحى بأن البلدين شريكان طبيعيان تجمعهما رؤية متطابقة وثقة غير قابلة للاختراق أو التشكيك.
هذا التحالف أخفى وراءه تنافسًا بنيويًا متصاعدًا، ليتضح لاحقًا أن لدى السعودية والإمارات، كقوتين اقتصاديتين وسياسيتين، طموحات إقليمية لا تتطابق على المديين المتوسط والبعيد. تحت سطح التنسيق المعلن، بدأت تظهر التباينات في المصالح والأولويات.
على الصعيد الاقتصادي، أطلقت السعودية خطة رؤية 2030 الطموحة لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط، مستهدفةً تحويل المملكة إلى مركز جذب للاستثمارات والشركات العالمية. ولتحقيق ذلك، تبنّت سياسات جريئة مثل إلزام الشركات الدولية التي ترغب في عقود حكومية سعودية بنقل مقراتها الإقليمية إلى الرياض بحلول عام 2024، وبالنتيجة وجدت الإمارات أن الرؤية السعودية تقضم من اقتصادها بلا هوادة. حين أعلنت السعودية إطلاق ناقل جوي وطني جديد بمليارات الدولارات، ظهر المشروع كمنافس مباشر لشركات الطيران الإماراتية العملاقة (طيران الإمارات والاتحاد).
لم تكتفِ الرياض بذلك، بل فرضت قيودًا تجارية جديدة قلّصت أفضلية السلع القادمة من مناطق التجارة الحرة والتي هي عماد الاقتصاد الإماراتي، واستثنت بعض السلع والمنتجات بهدف الحد من امتيازات الاقتصاد الإماراتي بعد اتفاقيات التطبيع لعام 2020 مع إسرائيل.
هذه الخطوات السعودية قوبلت بحساسية في أبوظبي التي رأت فيها تحديًا وتهديدًا لمكانتها كمركز مالي ولوجستي أول في المنطقة. الإمارات من جانبها كانت سبّاقة في برامج التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات على مدار العقدين الماضيين، وبالتأكيد هي لن تتخلى بسهولة عن الصدارة الإقليمية في مجالات الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية. وعليه، يمكن فهم الخلاف النادر داخل أوبك+ عام 2021 حول مستويات إنتاج النفط بوصفه مؤشرًا على تصاعد المنافسة؛ حيث رفضت الإمارات آنذاك مقترحًا سعوديًا لتمديد تخفيضات الإنتاج ورأت أنه يعيق خططها لزيادة المبيعات ويكبّدها خسائر اقتصادية كبيرة بعد استثمارات مليارية لتوسيع قدرتها على الإنتاج. ورغم تسوية الخلاف، إلا أن تلك الواقعة كشفت شعور الإمارات المتنامي بأنها لن تقبل هيمنة السعودية على القرارات النفطية.
على الصعيد الجيوسياسي، وتحديدًا في اليمن، وبعد سنوات من القتال جنبًا إلى جنب ضد الحوثيين، اتخذت الإمارات مسارًا مستقلًا في الجنوب؛ فسحبت معظم قواتها بحلول 2019، ودعمت تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يروّج لانفصال جنوب اليمن، حفاظًا على نفوذها في السواحل والموانئ الحيوية. كانت الإمارات ببساطة تبحث عن ثمن معقول لمليارات الدولارات التي أنفقت ولعشرات الجنود الذين قتلوا هناك. هذا التطور خلق فجوة في الأهداف بين البلدين، السعودية هنا وجدت نفسها مضطرة للتعايش مع واقع جديد يقلّص من نفوذ الحكومة اليمنية ويعزز حضور قوى مدعومة إماراتيًا.
في ملف العلاقات مع إسرائيل، بادرت الإمارات إلى تطبيع كامل للعلاقات مع إسرائيل عام 2020 لتحصد مكاسب اقتصادية واستراتيجية سريعة. في المقابل، تريثت السعودية وفضّلت عدم الاندفاع نحو الخطوة دون مقابل سياسي وأمني كبير، مكتفية بفتح قنوات تواصل غير معلنة مع تل أبيب. هذا التباين جعل أبوظبي تتقدم بخطوة في كسب ودّ القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة، ما وضع ضغوطًا ضمنية على الرياض التي أصبحت تخشى من ظهور الإمارات في موقع الشريك الخليجي المفضل لدى واشنطن. وفي هذا السياق، تخوض الدول الثلاث سباقًا محمومًا لنيل صفة الشريك الأكثر أهمية لواشنطن.
يعكس تفاعل هذه العوامل معضلة الهيمنة الكامنة؛ لقد باتت أية مكاسب كبيرة لطرف ما تُفسَّر من جانب الطرف الآخر على أنها خسارة نسبية لمكانته. ورغم أن قيادتي البلدين تحافظان على خطاب أخوي وتحالف رسمي عبر الزيارات المتكررة للقادة والمسؤولين في البلدين، فإن المنافسة أصبحت سمة مميزة لعلاقاتهما. هذا التنافس يبقى منضبطًا ببراغماتية حاكمة؛ إذ يدرك كلا البلدين أن المواجهة المفتوحة ليست في صالحهما، خاصة في ظل التحديات الأمنية والحاجة للحفاظ على استقرار يضمن جذب الاستثمارات الأجنبية. لذا، يُرجّح أن تستمر العلاقات السعودية الإماراتية في مزج التعاون التكتيكي في ملفات معينة مع التنافس الاستراتيجي في ملفات أخرى. يعكس هذا المسار بوضوح منطق الواقعية البنيوية لسلوك الدولتين عبر اعتماد شراكة ظرفية تحكمها اعتبارات المصلحة الوطنية لكل طرف، لا يلغي هذا أن الاشتباك المحسوب يبقى ورادًا، وبالخصوص في الملف اليمني.
العلاقات السعودية القطرية: مصالح الدولة قبل الأخوّة
العلاقات بين الرياض والدوحة محكومة بنمط متأرجح بين فترات التعاون والتوتر، إلا أن الخيط الناظم كان دومًا حرص الدولتين على مصالحهما السيادية قبل كل شيء. اختارت قطر منذ أواسط التسعينيات، مع الاكتشافات الغازية الكبرى في البلاد، تبنّي سياسة خارجية مستقلة إلى حد كبير عن السعودية. كان الموقف السعودي المتحفظ من انتقال السلطة في قطر إلى الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني آنذاك، عاملًا حاسمًا في هذا الخيار.
أطلقت الدوحة مشاريع طموحة لتعزيز قوتها الناعمة، كان من أبرزها تأسيس شبكة الجزيرة عام 1996، كما أقامت علاقات متشعبة مع أطراف إقليمية ودولية متنوعة، من الولايات المتحدة حيث استضافت قطر إحدى أكبر القواعد العسكرية الأمريكية، مرورًا بإسرائيل عبر فتح مكتب تجاري للأخيرة في الدوحة، إلى إيران الشريكة في أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، ووصولًا إلى دعم حركات وتنظيمات إقليمية اعتبرتها الرياض خطرة على استقرار المنطقة.
شكّل المشروع القطري محاولة لتعظيم مكانة الدولة وتأمين استقلالية قرارها في مواجهة جار أكبر حجمًا وتأثيرًا. لكن تلك المحاولات قوبلت في السعودية بريبة متزايدة؛ إذ نظرت الرياض إلى دور قطر النشط على أنه تجاوز لموازين القوى التقليدية داخل مجلس التعاون، ورأت أنه يهدد المصالح الحيوية السعودية سواء إعلاميًا (عبر انتقادات قناة الجزيرة) أو سياسيًا (عبر دعم قوى وتيارات الإسلام السياسي). بلغت التوترات ذروتها في يونيو 2017 حين قادت السعودية (بالشراكة مع الإمارات والبحرين ومصر) حملة مقاطعة شاملة ضد قطر، شملت إغلاق الحدود البرية والمجالات الجوية والبحرية وفرض شروط قاسية لرفع الحصار.
كانت تلك اللحظة اختبارًا فارقًا كشف بجلاء أن اعتبارات الأخوّة الخليجية تراجعت تمامًا أمام اعتبارات أمن وسيادة الدولة. اعتبرت السعودية إخضاع قطر وتحجيم دورها ضرورة لحماية ذاتها من “مغامرة” إقليمية صغيرة، فيما وجدت قطر نفسها مضطرة للصمود بأي ثمن حفاظًا على سيادتها واستمرار نظامها.
على مدى ثلاث سنوات ونصف، استخدمت كل دولة أدواتها لتعظيم موقفها. اعتمدت السعودية على ثقلها الاقتصادي والسياسي لعزل قطر إقليميًا ودوليًا، بينما لجأت قطر إلى استراتيجية التنويع والتحالفات البديلة؛ فوثّقت علاقتها الدفاعية مع تركيا التي أرسلت قوات على وجه السرعة إلى الدوحة لردع أي تصعيد عسكري محتمل، وعزّزت تعاونها مع إيران وغيرها من الدول لضمان تزويدها بالمواد الأساسية، إلى جانب توظيف قوتها المالية والإعلامية لحشد التعاطف الدولي وكسب الدعم في واشنطن وعواصم غربية أخرى.
انتهت الأزمة رسميًا بتوقيع اتفاق العلا في يناير 2021، وهو الاتفاق الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود دون أن تُعلن الدوحة عن قبولها تنفيذ المطالب الأساسية. يمكن تفسير هذا الانفراج الحذر بأن السعودية أدركت أن استمرار النزاع بات مكلفًا لسمعتها وللاستقرار الإقليمي، لا سيما مع تغيير الإدارة الأمريكية. كما رأت القيادة السعودية الصاعدة أن استراتيجيتها التنموية الطموحة، رؤية 2030، تتطلب بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، وتوحيدًا نسبيًا للصف الخليجي في مواجهة تحديات أكبر مثل الملف النووي الإيراني. في قطر، كانت البراغماتية حاضرة؛ فرغم خروجها من الحصار أقوى سياسيًا وأكثر استقلالية، أيقنت الدوحة أن ترميم جسور التواصل مع جارها الأكبر سيمنحها هامشًا أوسع للحركة الاقتصادية والأمنية ويجنبها استنزافًا طويل المدى لمواردها.
مع عودة دفء العلاقات بين الرياض والدوحة، شهدنا مظاهر تقارب سعودي قطري عبر لقاءات قمة أخوية منتظمة بين الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، كذلك مشاركة قطر في مشاريع استثمارية واستراتيجية داخل المملكة. ومع ذلك، فإن غياب الثقة العميقة لا يزال ملموسًا خلف المجاملات الدبلوماسية.
تدرك السعودية أن قطر ستواصل انتهاج سياسة مستقلة لا تروق للرياض، وتدرك قطر أن قبول السعودية بالمصالحة لا يعني نسيان كل نقاط الخلاف.
المتوقع هو أن تمضي العلاقات السعودية القطرية قدمًا خلال السنوات القادمة بأسلوب التعاون الانتقائي الحذر. سيستمر التعاون في الملفات التي تخدم المصالح المشتركة بالتوازي مع تجنب الصدام العلني. يظل هذا السيناريو الأقرب للتحقق ما لم تبرز متغيرات حادة تعيد إشعال التوتر بين البلدين من جديد.
العلاقات الإماراتية القطرية: تنافس النفوذ بعد المصالحة
تجاوزًا لتاريخ مثقل بالخلافات والاشتباكات بين المشيختين قبل الاستقلال، مثّلت سنوات الأزمة الخليجية 2017 ذروة الصدام في علاقات أبوظبي والدوحة.
منذ عام 2011، كانت الإمارات أكثر المنتقدين للسياسة القطرية نتيجة تباين وجهات النظر لمصادر التهديد والرؤية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط. في حين تبنّت قطر استراتيجية تقوم على توسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية، بما فيها احتضان بعض تيارات الإسلام السياسي المؤثرة واستخدام قوتها الناعمة لتعظيم حضورها الدبلوماسي، نظرت الإمارات بعين الريبة إلى كثير من تلك التحركات، واعتبرتها تهديدًا لاستقرار المنطقة وللنظم الحاكمة التقليدية.
هذا التخاصم في الرؤى ظهر جليًا في عدة ساحات إقليمية: في مصر حين دعمت الدوحة حكومة الرئيس السابق محمد مرسي التي أطاح بها الجيش، بينما أيّدت أبوظبي السلطة الجديدة برئاسة عبد الفتاح السيسي؛ وفي ليبيا دعمت قطر حكومة الوفاق في طرابلس، فيما دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر في الشرق الليبي؛ وفي أفغانستان برز الدور القطري في الوساطة مع حركة طالبان واستضافة مفاوضات السلام، ما أثار تحفظ الإمارات الساعية أيضًا لنفوذ دبلوماسي هناك.
رأت قطر في دعم حركات الإسلام السياسي والمجموعات الحليفة فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي، بينما رأت الإمارات في ذلك زعزعة للاستقرار وخطرًا على أنظمة الحكم، فردّت بدعم الخصوم الإقليميين لتلك الحركات.
خلال أزمة حصار قطر، كانت الإمارات شريكًا رئيسيًا للسعودية في تصعيد الضغط على الدوحة، بل تبنّت أحيانًا نبرة أكثر تشددًا. تجلى ذلك في قائمة المطالب الـ13 التي قُدمت لقطر لرفع الحصار، حيث عكست عدة بنود منها أولويات أبوظبي بالدرجة الأولى، مثل إغلاق شبكة الجزيرة وقطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين. لم تستجب قطر لهذه الشروط في النهاية، ما اعتُبر انتكاسة ضمنية للمسعى الإماراتي الذي راهن على إخضاع الدوحة وإعادتها إلى بيت الطاعة الخليجي.
بعد مصالحة العلا، بدت أبوظبي أكثر تحفظًا من الرياض في إعادة بناء الثقة مع قطر. استغرق الأمر شهورًا إضافية لتبادل السفراء وإعادة حركة الطيران المباشر بين البلدين، وعكست التصريحات الرسمية لهجة مقتضبة تركز على “تجاوز الخلاف” دون إبداء حماس كبير.
التعاون الثنائي المباشر بين البلدين ظل محدودًا. لم نشهد مشاريع مشتركة كبرى جديدة بينهما تعكس انخراطًا متينًا، بل يظهر أن كل طرف ماضٍ في أجندته الإقليمية الخاصة. تواصل الإمارات تعزيز تحالفاتها الجديدة، كعلاقاتها المتقدمة مع إسرائيل وشراكاتها الاستراتيجية مع مصر ودول القرن الأفريقي، فيما تستمر قطر في تكريس دورها كوسيط إقليمي فاعل في أزمات مختلفة، من المفاوضات مع طالبان إلى الوساطة بين الفرقاء السودانيين وجهود التهدئة في قطاع غزة. كما يتسابق البلدين بضراوة على تمتين العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع واشنطن.
يشير هذا الواقع إلى أن التنافس بين الإمارات وقطر لا يزال قائمًا، لكنه تنافس يأخذ شكلًا أكثر برودة مقارنة بسنوات المواجهة المباشرة. كلا الدولتين حريصتان على تفادي العودة إلى صدام علني يضر بمصالحهما الاقتصادية وصورتهما أمام الشركاء الدوليين، حيث يدرك البلدان أهمية استمرار الحوار وتبادل المجاملات في العلن. ومع ذلك، فإن غياب الثقة العميقة يفرض نفسه بوضوح؛ ما زالت أبوظبي مرتابة في علاقة قطر الوثيقة بتيارات الإسلام السياسي وتحالفها العسكري مع تركيا. وقطر بدورها لم تنسَ أن الإمارات كانت في طليعة من حاولوا إضعافها وعزلها، وستظل متوجسة من أي تحركات إماراتية مستقبلية.
من المرجّح أن تستمر العلاقات الإماراتية القطرية في حالة “السلام البارد”، يقابله استمرار التنافس خلف الكواليس على التأثير الإقليمي والنفوذ الاقتصادي، مع استمرار الضغط الإعلامي وحملات تشويه السمعة على بعضهما البعض من خلال مراكز الدراسات والبحوث ومراكز صنع السياسات والمؤسسات الإعلامية في الخارج. قد يتعاون البلدان اضطراريًا في بعض المناسبات التي تتطلب إجماعًا خليجيًا، لكن من المستبعد أن نشهد شراكة ثنائية وثيقة ما لم تحدث تغييرات جذرية في البيئة الاستراتيجية تدفعهما نحو تقارب أكبر.
التحولات القادمة واختبارات التمايز
حتى عام 2030، ستواجه السعودية والإمارات وقطر سلسلة من التحولات العالمية والإقليمية التي ستتحول إلى اختبارات عملية تكشف حدود التقارب وعمق التباين بين هذه العواصم. ملفات كإدارة الصراع مع إيران، ومستقبل القضية الفلسطينية بعد حرب غزة، وإعادة تموضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وصعود الصين كلاعب اقتصادي سياسي، إلى جانب التحولات العميقة في أسواق الطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني، ستفرض على كل دولة إعادة ضبط أدواتها وأولوياتها.
في هذا السياق، تميل الرياض إلى مقاربة حذرة تسعى إلى خفض المخاطر الإقليمية بما يخدم مشروعها التنموي، دون الانخراط في مغامرات سياسية أو أمنية مفتوحة، مع إبقاء أوراق الضغط والردع حاضرة عند الضرورة.
أبوظبي، تبدو أكثر استعدادًا للفصل بين المسارات؛ فهي لا ترى تناقضًا بنيويًا بين الانفتاح الاقتصادي الواسع وبين بناء شبكات نفوذ صلبة في الموانئ والتجارة والتكنولوجيا والأمن، ما يمنحها هامش حركة أكبر لكنه يضعها أحيانًا في مسار متمايز عن الحسابات السعودية.
أما الدوحة، فتعتمد استراتيجية مختلفة قوامها الاستثمار في أدوار الوساطة وتعدد الشراكات، سواء في ملفات الصراع أو الطاقة أو العلاقات مع القوى الكبرى، معتبرة أن تعقيد البيئة الدولية لا يُدار بالقوة الصلبة وحدها، بل بمرونة دبلوماسية تتيح لها لعب أدوار تفوق وزنها الجغرافي.
هذا التمايز لا يعني بالضرورة صدامًا وشيكًا، لكنه يؤسس لحالة من “الاختلاف المُدار”؛ حيث تتقاطع المصالح تارة وتتنافر تارة أخرى، تبعًا لطبيعة الحدث وحجمه.
كلما اتجه النظام الدولي نحو مزيد من السيولة وعدم اليقين، زادت احتمالات أن تتخذ كل دولة خليجية موقعًا مختلفًا على خط التوازن بين الأمن والاقتصاد والدور الإقليمي، دون أن يكون مجلس التعاون قادرًا على صهر هذه المقاربات في موقف واحد جامع. وبهذا المعنى، فإن السنوات المقبلة لن تشهد انقسامًا خليجيًا صريحًا، لكنها ستكرّس واقعًا تتجاور فيه ثلاث رؤى خليجية متمايزة للعالم، تتحرك داخل الإطار نفسه لكن بسرعات وأدوات وحسابات مختلفة.
وفي هذا الإطار، يمكن رصد مجموعة من الملفات الإقليمية والدولية التي ستتحول، خلال السنوات المقبلة، إلى ساحات اختبار عملي لهذا التمايز، حيث تتباين مقاربات الرياض وأبوظبي والدوحة تبعًا لأولوياتها وأدواتها وحساباتها الخاصة.
القضايا العالمية والإقليمية واختبار التمايز الخليجي (حتى 2030)
| رقم | القضية الاستراتيجية | السياسات والتوجهات | نقطة الخلاف المحتملة |
| 1 | مستقبل الصراع مع إيران | السعودية: استمرار خفض التصعيد المشروط بعد الوساطة الصينية بما يخدم الاستقرار والأمن الداخلي والمشاريع الاقتصادية، مع حساسية عالية تجاه اليمن والأمن الداخلي. الإمارات: براغماتية تفصل بين الأمن والتجارة، تُبقي قنوات اقتصادية مفتوحة رغم الخلاف السياسي. بالتوازي، التعامل بإيجابية حذرة مع الضغوط الإسرائيلية في التصعيد مع إيران. قطر: المحافظة على علاقات جيدة مع إيران، تفعيل دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. | أي تصعيد عسكري كبير (ضربة لإيران، انهيار تفاهمات التهدئة، أو إعادة تعريف الدور الإيراني إقليميًا) سيكشف تباين الأولويات بسرعة، ستكون الإمارات أكثر اندفاعًا، فيما ستحاول قطر والسعودية الحد من التداعيات. |
| 2 | مسار ما بعد الحرب في غزة وتحولات القضية الفلسطينية | السعودية: انخراط مشروط بمكاسب سياسية واضحة (الدولة الفلسطينية، اتفاقية دفاعية مع واشنطن). الإمارات: تميل لتعزيز الترتيبات الإقليمية والدولية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. قطر: الاستمرار في دور الوسيط مع مصر باعتباره رصيدًا استراتيجيًا. | اختلافات عميقة حول شكل “اليوم التالي” في غزة، دور الفاعلين (حماس)، وحدود التطبيع مقابل الاستقرار. |
| 3 | العلاقة مع الولايات المتحدة | السعودية: استمرار العلاقة على أساس المصالح المتبادلة والمعاهدات الأمنية والتسليح. الإمارات: علاقة تقنية/ عسكرية/ اقتصادية مستقرة مع هامش استقلال سياسي في العلاقات مع روسيا والصين. قطر: ترسيخ دورها كحليف أمني/ لوجستي لا غنى عنه (قواعد، وساطة، طاقة). | اختلاف وجهات النظر في حال أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها حول روسيا والصين. كذلك ما يتعلق بالأزمة مع إيران. قطر أكثر قربًا من المؤسسات في الولايات المتحدة (الخارجية الدفاع). الإمارات والسعودية أكثر قبولاً في البيت الأبيض. |
| 4 | الصعود الصيني | السعودية: شريك اقتصادي ضخم مع حذر سياسي. الإمارات: الأكثر اندماجًا في البنية اللوجستية والمالية المرتبطة بالصين. قطر: تركيز على الصين كمستورد طويل الأمد للغاز، لا كمظلة سياسية أو أمنية. | اختلافات في مستوى الانخراط السياسي مع بكين مقابل الحساسية الأميركية المتزايدة. السعودية والإمارات أكثر جرأة واندفاعًا مقارنة بقطر. |
| 5 | أسواق الطاقة | السعودية: إدارة السوق بما يخدم الاستقرار والأسعار. الإمارات: مرونة أعلى في زيادة الإنتاج والدفاع عن حصة سوقية تساوي قدرتها الانتاجية. قطر: استقرار وتركيز على الغاز المسال والعقود طويلة الأجل والابتعاد عن صراعات النفط. | خلافات محتملة في قرارات الإنتاج، تسعير الطاقة. الإمارات ستكون متأهبة للانسحاب من أوبك. |
| 6 | اليمن وترتيبات البحر الأحمر | السعودية: اليمن ملف أمن قومي مباشر. الإمارات: تركيز على المصالح: الموانئ، السواحل والنوافذ البحرية. قطر: دور داعم للسعودية وبعيد عن الاشتباك العسكري. | اختلافات سعودية إماراتية حول شكل الدولة اليمنية المستقبلية، دور بعض الفاعلين (الحوثيين والإخوان المسلمين والقوى السلفية) وحدود النفوذ الإقليمي. |
| 7 | السودان والقرن الأفريقي | السعودية: دعم الحكومة الشرعية وأولوية لضمان أمن البحر الأحمر والاستقرار السياسي. الإمارات: استثمارات وازنة ونفوذ لوجستي وعسكري. قابلية للتسوية السياسية مع ضمان المصالح الاقتصادية. قطر: وساطة وعلاقات مع قوى سياسية ومدنية. | اختلافات وصراع غير مباشر بين السعودية والإمارات. |
| 8 | الإسلام السياسي | السعودية: مقاربة أمنية صارمة في الداخل، لينة نسبيًا في الخارج وتسمح بتحالفات مؤقتة. الإمارات: مقاربة سياسية وأمنية استباقية صارمة. قطر: مقاربة انتقائية ترى في بعض الفاعلين أدوات نفوذ سياسي. | خلافات حادة في حال عودة أو إعادة تأهيل إقليمي لبعض التيارات، ومنها الإخوان المسلمين. ملف اشتباك حاد بين قطر والإمارات. |
| 9 | الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، والرقابة الرقمية | السعودية: المزيد من الاستثمار مع توظيف المخرجات والخبرات في الدولة التنموية ومجالات الأمن. الإمارات: ريادة وسبّاقة في التنظيم والتطبيق وعلاقات استثمارية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. قطر: تركيز على الاستخدام الناعم والدبلوماسي وتوسع محسوب في الاستثمارات. | تنافس وازن بين السعودية والإمارات مع استمرار الأفضلية للإمارات. |
مجلس التعاون الخليجي: تحالف هش أم إطار للتوازن؟
منذ تأسيسه عام 1981، حقق مجلس التعاون الخليجي بعض الإنجازات التكاملية على مدى عقود، كإنشاء اتحاد جمركي وسوق مشتركة، وربط شبكات الكهرباء وصولاً إلى تشكيل قوة درع الجزيرة.
عكست هذه الخطوات قدرًا من الإرادة السياسية لتعزيز العمل الجماعي الخليجي. رغم ذلك، أصبح واضحًا حدود ما يمكن للمجلس تحقيقه في ظل تغليب الدول الأعضاء لهواجسها السيادية ومصالحها الوطنية.
حين طُرحت فكرة الاتحاد النقدي وإطلاق عملة خليجية موحدة، سرعان ما تعثرت عام 2009 بعد انسحاب الإمارات احتجاجًا على اختيار الرياض مقرًا للبنك المركزي الخليجي. مثال آخر، واجهت دول الخليج مقترح السعودية للانتقال من مرحلة “التعاون” إلى “الاتحاد الخليجي” بتحفظ شديد، لا سيما من سلطنة عُمان التي أعلنت صراحة رفضها لأي ترتيبات قد تنتقص من سيادتها. دول الخليج الأخرى كانت تتبنى الموقف العماني ذاته، لكنها فضلت قيام السلطنة بمهمة إجهاض المشروع.
المرجح أن مجلس التعاون سيبقى إطارًا للتوازن تستخدمه الدول عندما يتوافق مع مصالحها، وليس كيانًا فوق الدول يفرض إرادته عليها. بمعنى أن وجوده يوفر منصة للتشاور ومظلة رمزية لوحدة الصف حين تتلاقى مصالح الأعضاء، لكنه لن يمنع تصدع الصف إن قررت دولة ما التحرك منفردة. بل قد يستغل بعض الأعضاء المجلس كوسيلة لموازنة نفوذ الأعضاء الآخرين: فالدول الأصغر (كالكويت والبحرين) تجد فيه فرصة لتنسيق مواقف تقيها الاستقطاب الثنائي بين الكبار، فيما ترى السعودية في قيادة المجلس أداة لترسيخ موقعها الإقليمي، وتحسب الإمارات وقطر خطواتهما داخله بدقة لضمان عدم تمرير قرارات تضر بمصالحهما أو تعزز من نفوذ خصومهما.
بناءً على ذلك، يمكن وصف مجلس التعاون في السنوات المقبلة بأنه تحالف مرن وهش في آنٍ معًا: مرن لأنه قادر على إعادة لمّ الشمل بعد الخلافات، وهش لأن بنيته التوافقية لا تصمد أمام تضارب المصالح الوطنية العميق.
المرجح أن يستمر المجلس في أداء دوره الروتيني بتنسيق جوانب فنية واقتصادية محدودة واحتضان اللقاءات الرسمية، لكنه على الأرجح لن يكون القوة الحاسمة لضبط تفاعلات السعودية والإمارات وقطر ما لم تقرر هذه الدول بشكل استثنائي تغليب هوية خليجية مشتركة على حساباتها الذاتية – وهو احتمال لا تدعمه المعطيات الحالية.
خاتمة: استشراف المسارات المستقبلية
تكشف قراءة مسار العلاقات بين السعودية والإمارات وقطر أن الخليج دخل مرحلة جديدة، تُدار فيها الخلافات لا بوصفها انحرافًا عن القاعدة، بل كجزء أصيل من المعادلة السياسية.
لم يعد السؤال المطروح هو: هل ستتعاون هذه الدول أم تتخاصم؟ بل: كيف تُدار المنافسة، وأين تُرسم الخطوط الحمراء، ومتى يتحول الخلاف إلى اشتباك؟
تشير المؤشرات الراهنة بوضوح إلى أن سيناريو “التنافس الهادئ” هو الإطار الأكثر ترجيحًا خلال السنوات الخمس المقبلة. ستستمر الدول الثلاث في الجمع بين التعاون الاضطراري والتنافس الاستراتيجي، كلٌّ وفق أولوياته الوطنية. السعودية ماضية في إعادة تشكيل ثقلها الاقتصادي والسياسي عبر مشاريع عملاقة تعيد تموضعها إقليميًا ودوليًا.
الإمارات، ستدافع عن مكتسباتها كمركز مالي ولوجستي متقدم، وستقاوم أي اختلال في ميزان القوة يهدد موقعها.
أما قطر، فستواصل استثمار أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية لتعزيز استقلال قرارها وحجز دور يتجاوز حجمها الجغرافي.
في المقابل، لا يبدو أن العودة إلى قطيعة شاملة على غرار أزمة 2017 خيارًا مفضلًا لدى أي من العواصم، في ظل كلفة الصدام المفتوح على مشاريع التنمية والاستقرار الداخلي. كما أن التحالف الخليجي الصلب لن يتبلور إلا تحت ضغط تهديد خارجي جسيم يفرض “تحالف الضرورة”، لا بفعل قناعة عميقة بوحدة المصير.
في المحصلة، يتحرك الخليج اليوم في فضاء بلا أوهام: لا وحدة تلقائية، ولا صراعات مجانية. ما يحكم المشهد هو عقلانية مصلحية باردة، تُدار فيها الخلافات دون حلّها ويُضبط فيها التنافس دون إنهائه. وبين التعاون المحدود والاشتباك المحسوب، ستواصل السعودية والإمارات وقطر إعادة تعريف علاقاتها، دولةً بدولة، في نظام إقليمي لا يكافئ حسن النوايا بل يحاسب على ميزان القوة والقدرة على الصمود.
قائمة المراجع
- Kenneth N. Waltz
Theory of International Politics.
Reading, MA: Addison-Wesley, 1979. - John J. Mearsheimer
The Tragedy of Great Power Politics.
New York: W. W. Norton & Company, 2001. - Stephen M. Walt
The Origins of Alliances.
Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987. - Raymond Hinnebusch
The International Politics of the Middle East.
Manchester: Manchester University Press, 2015.
- F. Gregory Gause III
The International Relations of the Persian Gulf.
Cambridge: Cambridge University Press, 2010. - Kristian Coates Ulrichsen
The Gulf States in International Political Economy.
London: Palgrave Macmillan, 2016. - Kristian Coates Ulrichsen
Qatar and the Gulf Crisis.
Oxford: Oxford University Press, 2020.
- International Institute for Strategic Studies
The Military Balance.
Annual Editions (2021–2025). - International Crisis Group
Middle East Reports on Gulf Reconciliation and Regional Stability. - RAND Corporation
Reports on Gulf Security Architecture and Burden Sharing.
- Chatham House
Gulf and Middle East Programme Reports (2020–2024). - Carnegie Endowment for International Peace
Middle East Center – Gulf Policy Papers. - Brookings Doha Center
Policy Papers on Gulf Politics and Mediation Roles. - Oxford Analytica
Regional and Country Briefings on Saudi Arabia, UAE, and Qatar.
- International Monetary Fund
Article IV Consultation Reports: Saudi Arabia, United Arab Emirates, Qatar (latest editions). - Oxford Business Group
Country Reports on Saudi Arabia, UAE, and Qatar. - Baabood, Abdullah.
The Future of the Gulf Cooperation Council Amid Saudi-Emirati Rivalry.
Carnegie Middle East Center (2023).
https://carnegieendowment.org/research/2023/10/the-future-of-the-gulf-cooperation-council-amid-saudi-emirati-rivalry - Gulf International Forum.
The Gulf Crisis: Reshaping Alliances in the Middle East.
https://gulfif.org/the-gulf-crisis-reshaping-alliances-in-the-middle-east/