لبنان والخليج بين “اختبار الدولة” و”معادلة السلاح”
صيف هذا العام، خرج ملف سلاح حزب الله من الهامش إلى صدارة القرار الرسمي، ففي مطلع أغسطس 2025 انعقد مجلس الوزراء لبحث السلاح رسميًا وكلف الجيش وضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة، ثم رحّب بالخطة التي وضعها الجيش لاحقًا وفتح باب التنفيذ بلا جدول زمني مُعلن. خطوة وُصفت بأنها الأجرأ على الإطلاق منذ عام 2006، تاريخ بدء الحديث عن استراتيجية أمن وطني تعمل على معالجة سلاح الحزب الله في كنف الدولة.
حزب الله وصف قرارات الحكومة بأنها “خطيئة جسيمة”، وهدّد بأنّ المضيّ فيها قد يفضي إلى شلل وفوضى ليطرح مجددًا ملف “الاستراتيجية الدفاعية” بديلاً من “نزع السلاح”، كما ربط أي سقفٍ زمني بوقف الغارات الإسرائيلية وانسحاب قواتها من النقاط الجنوبية وإعادة الإعمار. الجديد ليس في الفكرة فقد سبق أن نادى بها منذ أمد طويل، بل في طرحها وحدّتها هذه المرّة فقد مُنحت طابع “المعركة الوجودية” بعد خسائر بشرية وسياسية، وحسابات دقيقة للحفاظ على تماسك بيئة الحزب او الحاضنة الشيعية وتجنّب صدام داخلي مفتوح.
المراقبون رأوا في مسار الحكومة اللبنانية الأخير تجاه آليات نزع سلاح الحزب وتفويض الجيش كاملاً بها “خطوة مدروسة لرفع العتب” تُبقي باب المقايضات مفتوحًا وتبعث إشارة للخارج بأن الحكومة تتحرك ضمن قدراتها. يعي رئيس الحكومة نواف سلام أنّ المواجهة المباشرة مع الحزب مُكلفة، لذلك آثر الاتكاء على الجيش كحاجز مؤسسي يمتصّ الصدام ويمنح القرار غطاءً وطنيًا، فيما تُدار المفاوضات حول التفاصيل والجداول الزمنية على إيقاع رسائل الدعم أو التحفظ القادمة من العواصم.
هكذا بدا الأمر كمحصّلة تراكُم ضغوط داخلية وخارجية تشابكت فيها الرعاية الأمريكية مع إشارات دعم خليجية مشروطة، على وقع حرب العام الماضي، واستمرار القصف الإسرائيلي المتقطّع وتموضع عسكري حسّاس جنوبًا.
من المقاطعة إلى اختبار النوايا
هل للخيج دور فيما يحدث في لبنان؟ أو بمعنى أدق ما الدور الذي تلعبه دول الخليج أو بعض منها في الداخل اللبناني، وما هو حجم حضورها في ملف سلاح حزب الله؟ أسئلة تفرض نفسها على أي مراقب نظراً لحجم الاتهامات التي تُكال لبعض دول الخليج من أنصار حزب الله تصريحًا وتلميحًا حيث يذهب بعضهم الى اتهام السعودية – على سبيل المثال – بأنها رأس حربة في مشروع أمريكي – إسرائيلي لنزع سلاح الحزب بل أنها متقدمة على الموقف الأمريكي تصلبًا بهذا الشأن، وفقا لرئيس تحرير صحيفة الأخبار اللبنانية المعروفة بقربها الشديد من حزب الله.
يعرف الخليج أنّ لبنان لا ينفصل عن خرائط النفوذ. تصعيد الحوثيين فى البحر الأحمر فى يوليو الماضى رفع كلفة التأمين والشحن وأربك سلاسل الإمداد؛ وهى كلفةٌ تطال الشركات والموانئ الخليجية. صحيح أنّ الهجمات تُنسب عملياتيًا للحوثيين، لكن “منطق المحور” أو “وحدة الساحات” التي رفعها الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصر الله يجعل أى تمكين أو إضعاف فى ساحة، مُضاعِفًا فى ساحات أخرى. ولهذا، يقرأ الخليجيون ضبط السلاح فى لبنان كجزء من تخفيف الضغوط على أمنهم البحري والبري، حتى إنْ لم تُرصد وصلات عملياتية مباشرة فى النافذة الزمنية الأخيرة.
مواقف وتصريحات المسؤولين السعودييين، لا سيما موفدها الى لبنان الأمير يزيد بن فرحان الذي تربطه علاقات وثيقة بعدد من الزعامات السياسية ويتردد بشكل دائم على لبنان، كذلك الجولات التي يجرها السفير السعودي في لبنان، كلها تشي بأن السعودية لا تخفي دورها في الواقع السياسي للبنان لكن على قاعدة دعم سلطة الدولة في بسط سيادتها على كامل البلاد، ومساعدة الحكومة اللبنانية على تحقيق الاصلاحلات المطلوبة لتسهيل عملية اعادة انعاش الاقتصادي وجذب الاستثمارات. ولهذا، تصوغ الرياض خطابًا يقوم على دعم سيادة الدولة وربط المساعدات بالإصلاحات. في مقابل رفع حزب الله لهجته ضد أي نزع للسلاح أو ربط الإصلاحات به. هنا تُختزل المواجهة بسرديتين متقابلتين: “استعادة الدولة بوصفها طريق الإنقاذ” مقابل “حماية المقاومة بوصفها ضمانة الأمن”. وبينهما تتحرك القوى المحلية وتزن أكلاف الاصطفاف ومكاسبه.
وبناء عليه، لا تمارس المملكة “هندسة قرارات” تفصيلية بقدر ما ترسم “شرط ثقة”: سلاح الدولة للدولة، وإصلاحات تُعيد الاعتبار للمؤسسات، ودعم يتدفّق عبر قنوات شفافة – وفى المقدمة الجيش – لا عبر اقتصادٍ موازٍ. هكذا تُفهم “لغة الشروط”: ليست إملاءً ولا عقوبة صافية، بل مقايضة واضحة؛ كلّ تقدّم سيادى يفتح باب تمويل ومشاريع، وكلّ تراجع يغلقه. لذلك تُفضّل الرياض مسارًا تدريجيًا قابلًا للقياس على صدامٍ يهدّد استقرار لبنان ويبدّد أموال الدعم سدى.
خليجيًا، تحولت المقاربة في الأشهر الأخيرة مع الدولة اللبنانية من المقاطعة والتحذيرات للحكومات اللبنانية ما قبل عهد الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، إلى حزمة “حوافز مشروطة”: دعم اقتصادي – اجتماعي مقابل تقدّم ملموس نحو حصرية السلاح بيد الدولة. طُرحت أفكار لتمويل مشاريع بديلة في الجنوب اللبناني حيث ثقل حزب الله وبيئته الحاضنة تخفّف الارتباطات الاقتصادية بشبكات تمويل إيرانية، وتوفّر مسارات عمل ودمج مدني لعناصر البيئة الحزبية، بما يجعل مسار ضبط السلاح أقلّ كلفة على المجتمع المحلى. يتحرّك هذا النهج ضمن دينامية إقليمية أوسع؛ الرياض تمسك بخيوط تهدئة مع طهران وتعمل على حصر ارتدادات الاشتباك الإيراني – الإسرائيلي عن الخليج، ما ينعكس على لبنان: “لا تمويل للفراغ” ولا أيضًا “تمويل للسلاح”، بل دعمٌ مشروط بسيادة الدولة.
وسط هذا الجمود والاشتباك غير الملعن، بدأ حزب الله اختبارًا جديدًا للعلاقة الشائكة مع دول الخليج من البوابة السعودية، ففي الذكرى السنوية لاغتيال القائد في الحزب إبراهيم عقيل الواقع في 19 سبتمبر، خرج الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بدعوة علنية إلى السعودية لـ “فتح صفحة جديدة”. حدّد قاسم ست قواعد للحوار من أبرزها الاعتراف بأن إسرائيل هي العدو، وتجميد الخلافات الماضية مرحليًا…. لم يصدر ردّ سعودي رسمي، لكن الدعوة بدت اختبارًا مزدوجًا: يختبر الحزب إمكان ترجمة التهدئة الإقليمية إلى قناة مباشرة مع الرياض، وتختبر الرياض حدود تموضع الحزب بين “المقاومة” كهوية وبين “الدولة” كإطار مرجعي.
من المبكر الحكم على مستقبل دعوة الشيخ قاسم للسعودية بفتح صحفة جديدة، لكن من المؤكد أن السيناريوهات المستقبلية ازاء سلاحه لا تخرج عن الاحتمالين التاليين:
السيناريو الأول: تثبيت المبدأ وإطالة أمد التنفيذ، وهو السيناريو الأكثر رجحانًا حيث تمضى الحكومة بخطوات مُجزّأة: حصر مخازن السلاح جنوب لبنان، إحلال أمنى تدريجى جنوبًا، مسارات دمج مدني للمقاتلين السابقين مع إبقاء “القدرات النوعية” للحزب خارج الطاولة الآن. هذا المسار يطمئن الداعمين ويفتح قنوات تمويل مشروطة.
السيناريو الثاني: صدام سياسى – شارعي: إذا قرأ الحزب المسار كتهديد وجودى ورفع سقف الشارع، تتبخر الحوافز وتتقدّم أولوية الأمن على الإصلاح، وتعود عزلة لبنان. وحينها نكون حقا أمام حرب أهلية جديدة.
لم تعد القضية “مَن يُمسك بالبندقية؟” فحسب، بل “مَن يملك شرعية تعريف الأمن ومنطقه؟”. الحزب يرى أن سلاحه هو تعريف للأمن فى ظلّ عدوّ دائم، فيما ترى الدولة أنّ الأمن لا يُحتكر خارج مؤسّساتها وأنّ كلفة السلاح على السياسة والاقتصاد باتت تُهدّد بقاء الدولة. الخليج ينظر بدوره من زاوية ثالثة: أمنُه الداخلى وحدوده البحرية وسلاسل إمداده لم تعد بمنأى عن تمدّد “الاقتصاد – السلاح” فى الإقليم. لذلك تبدو المعادلة ثلاثية الأضلاع: دولةٌ تبحث عن حصرية وسيادة، حزبٌ يتشبّث بدور فوق دولتي، وخليجٌ يربط الانخراط بإصلاحات وسياسات تُقنعه بأن بيروت عادت عاصمة دولة، لا ساحة محور.
الاختبار الحقيقي – كما ترى دول الخليج وفي مقدمتها السعودية – ليس بيانًا وزاريًا ولا خطابًا تعبويًا، إنّه القدرة على تحويل “الترحيب بخطة الجيش” إلى مؤشرات قابلة للقياس: نقاط تمركز تنتقل، أسلحة تُحصَر، اقتصاد محلي يُعاد توجيهه من اقتصاد موازٍ إلى اقتصاد رسمي، وشراكات تمويلية تُصمَّم لِتُحفّز السلوك السيادي لا لِتُموِّل الفراغ. عندها فقط تتغيّر معادلة الثقة مع الخليج من “سؤال نيات” إلى “محاسبة أفعال”.
في الختام، يبدو لبنان على عتبة لحظة تأسيسية: إمّا دولة تُمسك بأدوات القوّة وتستعيد ثقة الخليج والعالم، وإمّا بقاءٌ فى منطقة رمادية تُبدّد فيها المعادلات الموازية ما تبقّى من مؤسسات واقتصاد. يشير تاريخ التجارب إلى أن المسارات التدرّجية المضمونة التمويل والشفافة الرقابة هى الأكثر قابلية للحياة: برامج تحويل مهني وتنمية محلية في الجنوب والبقاع، تمويلٌ ثابت للجيش وقوى الأمن، ربطٌ ذكى بين دفعات المساعدات ومؤشرات الأداء وإطار سياسي داخلي يُعيد “الاستراتيجية الدفاعية” إلى فضائها الطبيعى: طاولة الدولة لا البندقية الموازيَة لها. فى كل ذلك، سيحتاج الوسط الشيعي إلى ضمانات كريمة ومقنعة بأنّ الانتقال لا يعنى خسارة المكانة ولا الأمن ولا الرزق.