الخطة (ب): الاتفاقية السعودية الباكستانية ودلالاتها الاستراتيجية بعد هجوم الدوحة
بعد أسبوع واحد على الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف العاصمة القطرية الدوحة في التاسع من سبتمبر/أيلول الجاري، أعلنت السعودية وباكستان عن توقيع اتفاقية تعاون دفاعي مشترك قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بصورة جذرية.
السعوديون يقولون إن الاتفاقية لم تأتِ كرد فعل مباشر على استهداف الدوحة، بل كانت ثمرة مفاوضات ممتدة على سنوات. غير أن توقيتها، المتزامن مع العدوان على دولة خليجية، قلب حسابات تل أبيب التي ظنت أنها كسرت قواعد الاشتباك بإخراج الحرب من غزة إلى قطر، الوسيط الرئيس في مفاوضات التهدئة مع حماس.
لم يقتصر الرد السعودي على بيان تنديد “شديد اللهجة” وصف الهجوم بأنه “انتهاك سافر” وتقويض لأمن المنطقة؛ بل جاء الرد عمليًا ومباغتًا عبر توقيع اتفاق استراتيجي مع شريك نووي، ليؤكد أن الرياض اختارت خوض معركة الردع بخطوة دفاعية غير مسبوقة.
تنص الاتفاقية السعودية الباكستانية على أن أي اعتداء يستهدف إحدى الدولتين سيُعتبر اعتداءً مباشرًا على الأخرى. وإذا كانت إسرائيل قد تجرأت على خرق الأعراف الدولية بضرب عاصمة خليجية، فإن هذا الترتيب يرسّخ تحولًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية، إذ يربط جنوب آسيا بالخليج في شبكة دفاعية واحدة، في طوق يضيّق الخناق على إسرائيل في موازاة تحالفها العميق مع الهند.
تعاون قديم في ثوب من حديد
العلاقات بين السعودية وباكستان تمتد لأكثر من سبعين عامًا منذ استقلال الأخيرة عام 1947 واعتراف الرياض بالدولة الوليدة. ورغم أن البلدين يجتمعان تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، فإن الروابط توطدت مع دعم السعودية لباكستان في نزاع كشمير مع الهند ثم مع توفيرها النفط بأسعار تفضيلية عقب التجارب النووية الباكستانية عام 1988.
البعد العسكري ظل السمة الأبرز في هذا التعاون؛ فالمستشارون والكوادر الباكستانية شاركوا منذ عقود في تدريب الجيش السعودي. واليوم يحتل الجيش السعودي المرتبة 24 عالميًا، بينما الجيش الباكستاني في المرتبة 12، ما يفتح أمام الرياض فرصة للاستفادة من خبرة نووية وعسكرية متقدمة.
السعودية بدورها تسعى إلى توطين صناعتها العسكرية، خصوصًا في مجال المسيّرات والطائرات المقاتلة. أما باكستان فهي أول قوة نووية إسلامية، تمتلك نحو 170 رأسًا نوويًا وما يقارب 50 منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية. واللافت أن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف صرّح بأن الاتفاقية قد تتيح للرياض الاستفادة من البرنامج النووي الباكستاني إن رغبت في ذلك.
آصف شبّه الاتفاق بـ”ناتو مصغر”، مستشهدًا بـ”الوجود الباكستاني الطويل في المملكة” عبر التدريب والدعم العسكري المستمرين.
لكن كيف تنظر الولايات المتحدة إلى هذا الاتفاقية؟
هشاشة الحماية الأمريكية
بالعودة إلى الهجوم الإسرائيلي على الدوحة يوم التاسع من سبتمبر الجاري، فتحت تلك الضربة المباغتة على ما أسمته تل أبيب “مقار قيادات حماس في العاصمة القطرية”، العديد من التساؤلات عن تعهدات الحماية الأمريكية لدول الخليج. فمع وجود أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في قطر، لم تُفعّل الدفاعات الأمريكية لاعتراض الصواريخ الإسرائيلية. ورغم إعلان الرئيس الأمريكي “استياءه الشديد” إلا أن ذلك لم يبدد شعورًا متزايدًا في المنطقة بالخذلان، خاصة في قطر.
كررت قطر بعد الضربة أن شراكتها مع واشنطن “أقوى من أي وقت مضى”، لكن ثمة اعتقاد في جميع دول الخليج بأن هذه الحماية والشراكة مع واشنطن ليست مضمونة بعد العدوان الإسرائيلي، وما يشي بأن واشنطن ليست قادرة على كبح تل أبيب حتى حين تستهدف أهم حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.
ويُستعاد في هذا السياق ما حصل في مايو الماضي، حين جنت إدارة ترامب عقودًا تجارية ضخمة مع دول الخليج دون أن تمنح السعودية الاتفاقية الأمنية التي كانت تأمل بها. واليوم يلوح السؤال: من يضمن ألا تتعرض سلطنة عمان التي ترعى المفاوضات السعودية الحوثية لهجمات إسرائيلية مشابهة بحجة الرغبة في القضاء على القيادات الحوثية؟
من غير المحتمل أن تتخلى دول الخليج عن الحماية الأمريكية لكن بات من المتوقع والمنطقي أن تبحث هذه الدول عن الحطة (ب)، وبالتحديد حين تكون الهجمات من عدو غير متوقع أو أن يتمتع هذ العدو بغطاء أمريكي من نوع خاص.
التعاون الهندي الإسرائيلي
قبل يوم واحد من استهداف الدوحة، وقعت الهند وإسرائيل اتفاقية استثمار ثنائية، في وقت تتالى فيه العقوبات الأوروبية على تل أبيب وصولاً إلى تجميد الاتحاد الأوروبي للشراكة الثنائية مع إسرائيل، وذلك ردًا على حرب التداعيات المدمرة وانتهاكات تل أبيب في الحرب على غزة.
تدعم الولايات المتحدة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط الذي يشمل إسرائيل وتعتبره تضييقًا على طريق الحرير الصيني.
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1992، أصبحت الهند أكبر زبون للسلاح الإسرائيلي، يشمل التعاون توريد ذخائر وصواريخ ومسيّرات، إضافة إلى تبادل المعلومات والتدريب العسكري. وتشترك تل أبيب ونيودلهي في موقف متقارب تجاه كشمير، حيث شبّهت إسرائيل المقاومة الكشميرية بالمقاومة الفلسطينية، وهو خطاب يلقى صدى لدى اليمين القومي الهندوسي في عهد مودي.
منذ عام 2022، ترتبط إسرائيل مع الهند بخارطة طريق تمتد على 10 سنوات تشمل التعاون الدفاعي. وسبق لإسرائيل أن حاولت جر الهند إلى قصف النووي الباكستاني الذي يوصف بالرادع الشامل فيما عرف حينها بعملية “كاهوتا” في عام 1980. لا تخفي باكستان أن سعيها إلى امتلاك قوة نووية كان لردع جارها الهندي وكبح أي تصعيد عسكري هندي تجاهها.
هذا الاشتباك الثلاثي الهندي الباكستاني الإسرائيلي لا يمكن فصله عن الخليج اليوم، خصوصًا بعد توقيع الرياض وإسلام آباد على اتفاقية الدفاع المشترك.
خيارات متاحة
يرى مراقبون أن اتفاقية الدفاع المشترك السعودي الباكستاني تعزز من آليات الدفاع المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة أي تهديدات إسرائيلية مستقبلية. ويفترض آخرون أن الإتفاقية قد تؤسس إلى “ناتو إسلامي” يشمل دولًا خليجية وباكستان ومصر وتركيا في ظل غياب أي تقدم ملموس لما سمي في وقت سابق بـ “الناتو العربي”. وكانت فكرة الناتو العربي قد طرحت أول مرة في مصر عام 1988 إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك ثم مرة ثانية عام 2015 من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
حتى إذا كان التحضير للاتفاقية السعودية الباكستانية قد بدأ قبل سنوات من الهجوم الإسرائيلي على قطر، فإنها تتجاوز إطار الردع الرمزي أو المعنوي. فالاتفاق، حتى من دون بلوغ أبعاده “النووية”، سيواجه اختبارًا حاسمًا يتعلق بمدى استعداد باكستان لفتح أبواب ترسانتها الباليستية وقدراتها في مجال المسيّرات أمام الرياض. أما التحدي الأكبر، فيكمن في الموقف الأمريكي وما إذا كانت واشنطن ستتسامح مع انتقال هذه التقنيات والأسلحة إلى السعودية.
لا تبدو خطوة توقيع اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية مجرد خطوة ثنائية بل تعكس لحظة انتقالية في معادلة الأمن الخليجي. فبينما تتراجع الضمانات الأمريكية وتتصاعد المغامرات الإسرائيلية في المنطقة، تسعى العواصم الخليجية إلى بناء بدائل متعددة المصادر للحماية.
ومع دخول باكستان – بقدراتها النووية وخبراتها العسكرية – على خط المعادلات الخليجية، يصبح واضحًا أن المنطقة تتجه نحو توازنات جديدة لا تحددها العواصم الغربية منفردة، بل أيضًا عواصم آسيوية وإسلامية، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة الاستراتيجية وخيارات الدول كلها.