تمكين المرأة في دول الخليج: ديكور سياسي

لا يزيد تمكين المرأة في دول الخليج العربية عن كونه صفقة أو محاولة بائسة لتجميل الصورة المُتخيلة التي تحاول دول الخليج تصديرها للعالم باعتبارها دولاً متقدمة ومتحضرة. لا نبالغ إذا ما اعتبرنا تمكين المرأة، في أفهام هذه الدول، سجادةً تُستخدم لتغطية أكوام مُكدسة من القوانين والتشريعات والأعراف القامعة للمرأة والخانقة لها. 

عدد النساء الخليجيات اللاتي تضعهُن السلطات في مناصب إدارية ووزارية مهمة ووزانة قليلٌ في مجموعه، وفي الغالب؛ من يتم تعيينُهن في هذه المناصب يتعاملن مع هذا التعيين باعتباره “صفقة سياسية”؛ تستثمر الدول هذه التعيينات سياسياً وتستفيد منه أمام العواصم الغربية ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية وتتجاوز به ضغط المساءلات في المحافل الحقوقية العالمية من جهة. من جهة أخرى، تستفدن هؤلاء النسوة من هذه المناصب والوجاهة دون أن يكون لهن دورٌ حقيقي أو مؤثر في صنع القرار داخل أي مجال من مجالات الدولة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية على حد سواء.

في موضوعة تمكين المرأة الخليجية، يجدُر بنا في البدء الوقوف عند مفهوم “التمكين”. يعد هذا المصطلح أحد أهم المفاهيم في مجال دراسات المرأة وأولت الأمم المتحدة اهتمامًا كبيرًا بهذا المفهوم وتطبيقه في الربع الأخير من القرن الماضي. لغويًا، التمكين هو التقوية والتعزيز، واصطلاحًا هو: “العمل في الجماعات المقهورة أو المضطهدة لتخطي أو مواجهة أو التغلب على العقبات وأوجه التمايز التي تقلل من أوضاعهم أو تسلبهم حقوقهم”، وفق تعريف صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (اليونيفيم).

مرت الظروف المعيشية للمجتمعات الخليجية، والمرأة الخليجية بالنتيجة، بتغييرات كثيرة قبل عصر النفط وبعده. انتقلت المجتمعات من تداول اطلاقات وأحكام كارثية حول المرأة ودورها الإجتماعي إلى انتشار ثقافة جديدة تؤكد وتعترف بأحقية المرأة في أن يكون لها مواطنة متساوية أسوة بالرجل في التعليم والعمل. 

هذا الانتشار عند غالبية المجتمعات الخليجية رافقتهُ تحفظات عدة منعت أو تسببت في تأخير أن يكون للمرأة تمكين حقيقي ووجود فعال في كل المجالات، مثل دخول المرأة إلى سوق العمل في بعض الأقطار الخليجية، أو اقتصار دخولها على قطاعات محددة كالتعليم والصحة، بعيًدا عن أعمال الرجال. 1 

لم يُبعث مفهوم “تمكين المرأة” في دول الخليج من داخلها، بل عبر قاطرة في مقدمتها مؤسسات الأمم المتحدة وعواصم غربية ومؤسسات حقوقية. وعليه، تسعى دول الخليج عبر بعض الإجراءات -مستثمرًة الإهتمام الدولي بآليات تمكين المرأة- التي هي في الغالب تعيينات مختارة بعناية  إلى إرضاء المجتمع الدولي وركوب موجة تمكين المرأة. هذه الآليات أو التعيينات لا تنبع عن رغبة حقيقية في تمكين المرأة الخليجية وضمان مشاركتها في صناعة القرار بقدر ما هي محاولة للتعايش مع ثقافة عالمية رائجة ولتسويق صورة الدولة في المحافل الدولية والعواصم الغربية. 

ولو نظرنا بشكل أقرب إلى تمكين المرأة في نسخته الخليجية لوجدنا أنه تمكين “صوري”، وبالرغم من أن معظم النساء في دول الخليج على مستوى متقدم من التعليم والثقافة (84 في المئة في فئة الراشدات(، رغم ذلك، تختار السلطات عددًا بسيطًا من النساء الخليجيات ليكونوا جزءًا من صفقة تمكين المرأة، غالبية من يتم اختيارهن يأتين من طبقات اجتماعية قريبة من مؤسسات الحكم، وعليه، غالباً ما يكون تمكين المرأة في الخليج محتكرًا على نساء العائلات الحاكمة والعائلات المقربة منها.  

اختيار هؤلاء النسوة هو جزء من امتيازاتهم العائلية وقابليتهن واستعدادهن للتعامل المتزن والواعي مع متطلبات هذه التعيينات “التسويقية” أكثر من كونه ايمانًا بكفاءتهن ومهاراتهن الفردية. وهو ما نراه جليًا وواضحًا في حجم ومساحة الصلاحيات المحدودة التي يمتلكونها بعد هذا التعيينات. وهكذا، تتحول المرأة التي يتم تمكينها في دول الخليج إلى ديكور سياسي للدولة، لا ممثل فاعل للمرأة، هموماً وطموحات.

في معالجة وفهم واقع المرأة في الخليج لا يجدر بنا التعامل مع تعليم المرأة ودخولها إلى سوق العمل باعتباره اعترافًا بها وبمواطنتها المتساوية، في تلك الثقافة الذكورية، لا يعني ذلك أن المرأة اكتسبت وعًيا جديًدا يؤهلها للاستقلالية والمساهمة الإيجابية في تنمية مجتمعها.  

هناك قصور في الثقة بكفاءة المرأة في الخليج، هناك إرث ثقيل من العادات والتقاليد التي تهيمن عليها ذكورية عنيفة ومستبدة، هناك استضعاف المرأة ونظرة قاصرة لها باعتبارها كيانًا مملوكًا من الأسرة، والأعضاء الذكور خاصة. الإرث الديني أيضًا له مظاهر سلبية، منها تطبيق الولاية.

حين نحاول تتبع هذه العناصر التي أثرت على تمكين المرأة الخليجية في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يجب أن نفهم أن السبب الرئيسي لهذا التمييز ضد المرأة في المناصب القيادية وفي فرص تمكينها الحقيقي هو غياب الإرادة السياسية في دول الخليج قبل أي شيء آخر.

يبدو لي، دون شك، أن التمكين “السياسي” للمرأة في دول الخليج يجب أن يتصدر قائمة الأولويات. دول الخليج لا تأخذ في الاعتبار اشكالية غياب المرأة في المجال السياسي، والمقصود بالغياب هنا هو غياب المرأة الحقيقي وليس حضورها التسويقي كما هو الحال الآن. دول الخليج لا تصنف هذا الوضع كمشكلة من الأساس، كما أن الإرادة السياسية، إن وجدت، يجب أن لا تتخذ أنظمة أو آليات متحيزة لتطبق سياسات داعمة لتمكين المرأة، ومنها نظام “الكوتا” الذي هو -كما آراه-  آلية متحيزة في ذاتها.