أموال الخليج في لبنان: الرقص على السياسة

في ظل أزمة إقتصادية يمر بها لبنان تعد الأسوأ منذ سنوات؛ تتأرجح الإستثمارات الخليجية في هذا البلد على وقع متغيرات السياسة الداخلية من جهة، والإقليمية من جهة أخرى.

يرتبط الإقتصاد اللبناني بإقتصاد دول الخليج بشكل وثيق؛ يتفاعل إيجابياً عندما تكون العلاقات السياسية اللبنانية الخليجية في المستوى المأمول، ويتأثر سلبياً عندما تتدهور هذه العلاقات. ولذلك؛ يحاول رجال الأعمال اللبنانيين تأكيد أواصر العمل بين لبنان ودول الخليج وأنها علاقة لا يجب أن ترتهن بالحال السياسية بينهما.

قبل الحديث عن حال الإستثمارات الخليجية في السوق اللبنانية والتهديدات التي تتلقاها بيروت من حين لآخر من دول الخليج وتحديداً “السعودية” نظراً لمعارضة قسم لبناني لا يستهان به لسياسة الرياض في الإقليم؛ نعود إلى عام 2016، وقتئذ؛ رصد أحد التقارير الإقتصادية مستنداً إلى إحصاءات “غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان”، مدى تأثُر الاقتصاد اللبناني بالعلاقات مع دول الخليج، وأهمية الإستثمارات الخليجية في لبنان.

يشير التقرير إلى أنّ استثمارات الخليجيين تشكل 40% من الإستثمار العقاري بقيمة 3.5 مليار دولار، وتتصدّر الكويت هذه الاستثمارات، تليها الإمارات، فالسعودية، ثم قطر، وبعدها سلطنة عمان، وبحسب التقرير تبلغ الإستثمارات الإماراتية في القطاع العقاري في لبنان نحو ملياري دولار. ويضيف التقرير أنّ حجم الإستثمار السعودي في قطاع عقارات لبنان يبلغ 85% من مجموع الإستثمارات الأجنبية ضمن القطاع، وقدرت الإستثمارات التراكمية لدول الخليج في لبنان بنحو 11.3 مليار دولار، الحصة الأكبر منها للسعودية بنحو 4.8 مليارات دولار، تليها الإمارات بنحو 2.9 مليارات دولار، ثم الكويت بنحو 2.8 مليارات دولار.

قبالة ذلك، وفيما يتعلق بحجم الإستثمارات اللبنانية في دول “مجلس التعاون الخليجي”، تقدر الإستثمارات اللبنانية بنحو 4.7 مليارات دولار، منها 2.4 مليار دولار في السعودية، و1.5 مليار دولار في الإمارات، فيما كانت حصة الكويت منها نحو 680 مليون دولار.

وعلى الصعيد الصناعي والتبادلات التجارية، ذكر التقرير أنّ قيمة الصادرات اللبنانية إلى بلدان الخليج تشكل 30% من مجمل الصادرات اللبنانية، كما بلغ حجم صادرات لبنان إلى السعودية خلال 2015 نحو 356 مليون دولار، فيما وصل حجم الصادرات لدول الخليج والإمارات إلى 312 مليون دولار العام الماضي.

كذلك تتصدر السعودية لائحة أهم أسواق الصادرات اللبنانية خلال 2014، وتستأثر بنحو 11% من إجمالي الصادرات اللبنانية، أما الواردات فتقدر بنحو 415.4 مليون دولار.

وفيما تتداخل الإستثمارات الخليجية في العديد من المنشآت والمؤسسات والمشاريع التجارية والصناعية والزراعية والمالية في لبنان، ومنها مطار بيروت الدولي إذ تقوم مجموعة الخرافي الكويتية بتشغيل جزء من خدماته، تمثل تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج ثقلاً وازنا في الداخل اللبناني رغم سياسات الترحيل القسري للعمالة اللبنانية في أكثر من بلد خليجي. وبلغت تحويلات اللبنانيين من دول الخليج عام 2015 نحو 7.5 مليار دولار وهو ما يعادل 60% من تحويلات اللبنانيين في الخارج.

ولئن كان إستمرار الإستثمارات الخليجية في لبنان بشكل طبيعي دون توقف على مدى السنوات الماضية أمراً مشجعاً، إلا أن نموها وضخ المزيد من الأموال الخليجية في السوق اللبنانية قد توقف منذ العام 2013 مع إستفحال الأزمة السورية؛ وإشتباك الداخل اللبناني فيها.

ليس خافياً أنّ نهوض الاقتصاد وحيويته يتطلبان في الحدّ الأدنى جاذبية إستثمارية هي غير متوفرة في ظلّ الأزمات الإقليمية. والأهم من ذلك؛ هي معارضة مكون سياسي – هو الأقوى داخل لبنان خصوصاً مع نتائج الإنتخابات السابقة – لسياسات دول الخليج، وفي ظلّ غياب المرجعية المسؤولة في لبنان، فضلاً عن غياب مقومات الإستثمار على صعيد ضمان الأمن والإستقرار السياسي في البلاد. يأتي كل هذا في توقيت حرج يكون فيه لبنان عرضة لعقوبات مالية أميركية قد تطال نظامه المصرفي بسبب ما تعتقده وزارة الخزانة الأميركية من أن “حزب الله” يستفيد من هذا النظام للقيام بعمليات مالية غير مشروعة.

المستجد اليوم، هو إصرار السياسة الخارجية التي يعتمدها “النظام الجديد” في الرياض على مواجهة نفوذ إيران المتمدد في كامل المنطقة، ولبنانياً؛ عبر مواجهة حليف طهران المحلي “حزب الله”. ولما كانت هذه المواجهة متعذرةً بمنع الحُكم المشترَك بين الحزب والحريري في بيروت، ومن دون الرهان على تصعيد أميركي شامل ضد طهران في المنطقة، فإن السعوديين يرغمون الحريري على خوض معارك خاسرة؛ تارة بإجباره على الإستقالة ورفع سقف الخطاب مع الإيرانيين؛ وتارة بتعطيل تشكيل الحكومة لصالح حلفاء أخرين أكثر وضوحاً وجرأة في مواجهة حزب الله وحلفائه.

حال المال والأعمال في لبنان ليست صورة قاتمة على الدوام، تحتضن بيروت هذه الأيام مؤتمرات ومهرجانات تذكّر اللبنانيين بإزدهار إقتصادي عاشه لبنان في حضور خليجي وازن قبل الأزمات المتلاحقة منذ 2011. هذا ما يؤكده رئيس مجلس الأعمال والتكنولوجيا السعودي عبدالله بن صادق دحلان على هامش مشاركته في منتدى الإقتصاد العربي إذ يقول “عندما يستقر لبنان سياسياً وأمنياً، وتتشكل الحكومة الجديدة وتضع بعض الحوافز لضمانات الإستثمار كل الخليج سيعود إلى لبنان للإستثمار والإصطياف”. كلام دحلان يؤكد مجدداً على أن الإستثمارات الخليجية في لبنان – لا سيما السعودية منها – هي دائماً إستثمارات سياسية مرهونة بمدى إستجابة الرئيس الحريري لمطالب الرياض وحلفائها؛ وهو ما لا يبدو متاحاً أو ممكناً في هذا التوقيت.