أكثر من أي وقت مضى، تبدو المرأة الخليجية اليوم أكثر حضورًا في الواجهة. لا على مستوى الجامعات وسوق العمل، لكن أيضًا، وبشكل أكثر وضوحًا، في الحملات السياحية والمواسم الرياضية وصناعة الترفيه والمنصات الرقمية.
مؤخرًا، أعلنت السعودية وصول عدد السياح إلى نحو 123 مليونًا في 2025، فيما سجلت دبي نحو 19.59 مليون زائر دولي في العام نفسه، بينما أنهت قطر 2024 بأكثر من 5.07 ملايين زائر وقرابة 10 ملايين ليلة فندقية؛ وهي أرقام تشرح لماذا صار “الانفتاح الاجتماعي” جزءًا من اقتصاد المنافسة الإقليمية.
هذا التحول لا يعني اختفاء القيود بقدر ما يعني تبدلها، من ضبط اجتماعي مباشر إلى ضغوط الصورة والرقابة الرقمية والطبيعة الجدلية لبعض أنماط العمل الجديدة، وبالخصوص ما يتعلق باقتصاد الترفيه والمهرجانات ومنصات الإعلام الاجتماعي.
حين تتنافس عواصم الخليج على الزائر وعلى البطولة وعلى المؤتمر الدولي وعلى المستثمر، لا تعود صورة المجتمع مسألة داخلية صرفة، هي تدخل مباشرة في طريقة تقديم الدولة لنفسها. هذا ما تقوله الأرقام الرسمية بوضوح، فالسياحة في السعودية باتت تسير في مسار مباشر نحو 10% من الناتج المحلي بحلول 2030، والإمارات تربط استراتيجيتها السياحية باستقطاب 100 مليار درهم من الاستثمارات الجديدة ورفع مساهمة القطاع إلى 450 مليار درهم، وقطر تعلن صراحة أن هدفها هو رفع مساهمة السياحة إلى 10-12% من الناتج المحلي بحلول 2030.
وسط هذه الاستراتيجيات، تبرز صورة المرأة الخليجية في الإطار بوصفها جزءًا من المدينة الخليجية الجديدة: موظفة، ورياضية، ومؤثرة، ومضيفة للحدث، وواجهة لاقتصاد يريد أن يبدو حديثًا وآمنًا وجذابًا. فهل نحن أمام تحرر اجتماعي فعلي، أم أمام إعادة تعريف لوظيفة المرأة داخل الرواية الجديدة والشكل الجديد للدولة والسوق؟
من الوصاية إلى السوق
التحول الأوضح في الخليج لم يكن انتقالًا بسيطًا من المنع والقيود إلى الحرية والانفتاح. كان انتقالًا من شكل من أشكال الضبط إلى شكل آخر. في المرحلة السابقة، كانت الدولة المحافظة سياسيًا واجتماعيًا تضبط حضور المرأة من خلال العائلة والأعراف والفصل بين المجالات، ما يصل إلى مقاعد الدراسة في المدارس والجامعات. أما الآن، فإن السوق، مع الدولة الخليجية الجديدة، يطلب حضورًا مختلفًا، وهو حضور أكثر مرئية وقابلية للتدوير الإعلامي، وأكثر انسجامًا مع احتياجات السياحة والخدمات والرياضة والترفيه. هذا ليس استنتاجًا نظريًا متسرعًا؛ إذ تُظهر الوثائق الرسمية أن برامج “جودة الحياة” في السعودية واستراتيجية السياحة في الإمارات واستراتيجية السياحة والأحداث في قطر، أن الثقافة والترفيه والرياضة والتجربة المدينية في قلب النمو الاقتصادي. وفي مثل هذا النموذج، تصبح صورة المرأة عنصرًا من عناصر العرض العام والتسويق للصورة.
في السعودية، ربطت رؤية 2030 بين التنويع الاقتصادي والسياحة والرياضة وتمكين النساء في سوق العمل، وأعلنت في تقريرها السنوي الأخير أن مشاركة السعوديات في سوق العمل بلغت 36%، متجاوزة الهدف الأصلي للرؤية. في الإمارات، يمضي خطاب تمكين المرأة جنبًا إلى جنب مع خطاب الجاذبية الدولية للإمارات والاقتصاد الجديد والسياحة العالمية. وفي قطر، يأتي توظيف الرياضة والأحداث العالمية بعد كأس العالم 2022 باعتباره جزءًا من تثبيت مكانة الدولة كمركز إقليمي للزيارات والفعاليات الرياضية والمؤتمرات. بعبارة أخرى، المرأة في هذه النماذج هي أداة رئيسية وفاعلة في هندسة الانطباع العام. وهذا استنتاج تسنده أيضًا تحليلات حديثة تتناول صعود القوة الناعمة الخليجية عبر السياحة والرياضة والفعاليات الكبرى.
ما الذي يدفع هذا التحول؟
الدافع الأول اقتصادي صرف، في السعودية، يظهر التقرير السنوي لرؤية 2030 أن مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي بلغت 55% في 2025، فيما ارتفعت السياحة المباشرة إلى نحو 5% من الناتج في 2024 مع مسار معلن نحو 10% بحلول 2030. وفي الإمارات، سجل الاقتصاد غير النفطي 74.6% من الناتج الحقيقي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024، ثم ارتفعت مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 77.3% في القراءة الأولية للأشهر التسعة الأولى من 2025. في قطر، أعلن جهازها السياحي أن القطاع ساهم بنحو 55 مليار ريال في الناتج المحلي خلال 2024، أي ما يوازي نحو 8% من الاقتصاد. هذه الأرقام تقول إن المنطقة لم تعد تكتفي بالنفط كمحرك وحيد؛ هي تحتاج مدنًا قابلة للتسويق وقطاعات خدمية متماسكة وواجهات اجتماعية أقل انغلاقًا.
الدافع الثاني هو المنافسة. لا تتسابق دول الخليج فقط على جلب الاستثمارات المباشرة أو الموقع اللوجستي. هي تتسابق أيضًا على صناعة الانطباع حول الدولة الأكثر انفتاحًا، ومن بينها هو الأكثر أمانًا، ومن الأكثر قدرة على استضافة الحدث العالمي بطريقة تبهر العالم، وإبهار العالم هو من أكثر التعابير استخدامًا في دول الخليج لوصف تنظيم الفعاليات والأحداث على أراضيها. ولهذا، ترتبط السياحة في الإمارات بهدف جذب 100 مليار درهم من الاستثمارات الجديدة، وترتبط السياحة في السعودية بتوسيع قاعدة الوظائف والإنفاق، بينما تُدار السياحة في قطر من خلال رزنامة أحداث رياضية وثقافية كثيفة. في مثل هذا المشهد، يصير “الانفتاح الاجتماعي” أصلًا اقتصاديًا. والمرأة، بصورتها الجديدة، تدخل هذا الأصل بوصفها دليله المرئي.
أدوات ناعمة لسياسة الصورة
هذه الصياغة الجديدة تعمل عبر شبكة من الأدوات والتكتيكات. الموضة تمنح المدينة لغة بصرية حديثة، الرياضة تمنحها حضورًا عالميًا، أما الترفيه فوظيفته تخفيف خشونة الصورة القديمة عن دول الخليج. المؤثرون ونجوم منصات الإعلام الاجتماعي يترجمون التحول إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والانتشار. والإعلام يربط كل ذلك بفكرة الدولة القادرة على التحديث من دون فوضى. هنا لا تبدو الثقافة مجرد هامش، إنها تكنولوجيا حكم ناعمة.
النقطة الأهم أن هذه الأدوات لا تستبدل السياسة بل تخدمها. تحليلات حديثة عن القوة الناعمة الخليجية تشير إلى أن الرياضة والمهرجانات والمؤتمرات والسياحة التراثية، ليست فقط نشاطات مربحة، هي وسائل لإعادة تشكيل التصورات الدولية عن السعودية والإمارات وقطر وبقية دول الخليج. وعندما تدخل المرأة هذه الصناعات كصورة أو عاملة أو متلقية، تصبح جزءًا من الدبلوماسية العامة للدولة، لا مجرد طرف اجتماعي داخلها. هذا لا يلغي مكاسبها الفردية التي يجب أن لا نتنكر لها، لكنه يضعها في سياق أوسع يجب أن نلتفت إليه، وهو سياق الدولة التي تستخدم المجتمع نفسه بوصفه رسالة. أما القاسم المشترك فهو واضح، وهو أن المرأة لم تعد على هامش الاقتصاد الرمزي للخليج، لقد أصبحت في قلبه. ومع ذلك، يبقى هذا القلب مضبوطًا بإيقاع الدولة وخططها الاستراتيجية وحاجات السوق معًا.
القيود الجديدة
لكن ما المشكلة في كل ما هو أعلاه؟ المشكلة هي أن التراجع النسبي لبعض القيود القديمة لم يفتح المجال لتعبر المرأة الخليجية عن نفسها كما تعتقد أو تريد. الوضع الجديد جاء بقيود جديدة، أولها، وربما أهمها، ما يمكننا تسميته بضغط الصورة، فالمرأة التي دخلت الفضاء العام الجديد لا تحتاج إلى إثبات الكفاءة وحسب، بل أيضًا قابليتها الشخصية للقبول بالعرض، المظهر محسوب ومهم، اللغة محسوبة، الحضور الرقمي عامل حاسم.
تراهن الاقتصادات الجديدة في المنطقة على الخدمات والسياحة والتجزئة والإعلام والعمل المرن، وهي قطاعات قد تفتح الأبواب سريعًا لكنها لا تضمن الاستقرار الذي وفره القطاع العام/الحكومي لعقود مضت. ولهذا، تبدو المسألة أبعد من سؤال المحافظة والانفتاح، السؤال هو عن نوع وطبيعة الاندماج نفسه: هل تدخل المرأة الخليجية اقتصادًا يمنحها استقلالًا فعليًا وحقيقيًا أم أنه اقتصاد يطلب منها حضورًا دائمًا ويمنحها أمانًا أقل؟ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا، إذا تذكرنا أن متوسط مشاركة النساء في العمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ظل عند نحو 19% في 2023، ما يعني أن المكاسب الخليجية، مهما بدت كبيرة، لا تزال تجري داخل محيط إقليمي منخفض المشاركة ومثقل بأعباء الرعاية والتمييز البنيوي.
خاتمة مفتوحة
ليست المسألة، في أن نجيب، بشكل قاطع عن سؤال ما إذا كانت المرأة الخليجية قد تحررت أو لم تتحرر. هذا سؤال أخلاقي أكثر مما هو تحليلي. السؤال الأدق هو: ماذا تغيّر في وظيفة صورتها داخل المجتمع والدولة والسوق؟ يبدو أن الجواب الأقرب للدقة هو أن المرأة انتقلت من موقع كانت تُدار فيه غالبًا باسم الحماية الاجتماعية إلى موقع تُدار فيه أيضًا باسم التنافسية والجاذبية وجودة الحياة والقوة الناعمة. صحيح أن هذا التحول منحها فرصًا حقيقية في التعليم والعمل والرياضة والحضور العام، لكن بعضه الآخر حمّلها أعباء جديدة، من أهمها ضرورة أن تكون منتجة ومرئية ومقنعة وجاهزة دائمًا للظهور وإطلاق الضحكات والحركة الرشيقة واللافتة أمام الكاميرات.
