لم يكن قرار وزارة الخارجية الإماراتية في 29 من يونيو الماضي رفع حظر سفر مواطنيها إلى لبنان بعد أشهر من المنع، مدفوعا بشحنة عاطفية بقدر ما كان رهانًا، على سياق جديد، تأمل أبو ظبي أن تكون بيروت قد سارت في طريقه بعد مخاضات عسيرة ومتعثرة، حالت دون بلوغ لبنان الصورة التي كانت تأملها العواصم الخليجية له على مدار سنوات طوال.
من يتابع تطور سياقات العلاقات الخليجية اللبنانية في السنوات الأخيرة، يجد أن منطق “الهبة المالية” غير المشروطة لشقيق منكوب لم تعد مطروحة رغم ادمان لبنان على ذلك السخاء دون مساءلة لاحقة، بل تحولت أيّ مساعدة مهما كانت صغيرة إلى سياسات “الدعم المشروط” الذي يُصرف على دفعات. كل دفعة فيه مرهونة بخطوة سياسية ملموسة يقوم بها اللبنانيون أنفسهم.
من هنا، خطوة عودة السماح للإماراتيين بالسفر إلى بيروت منذ عدة أسابيع لم تكن قراراً منفصلاً عن مؤشرات على حصول متغيرات عميقة – قرأتها أبوظبي – تطال المشهد السياسي العام في لبنان والإقليم على مدار أكثر من سنة، تمثلت في انتخاب قائد الجيش جوزيف عون رئيساً للجمهورية، ثم تسمية نواف سلام رئيسا للحكومة، وكلاهما جاء من خارج حسابات حزب الله ونطاقات نفوذه، ثم جولات حروب انهكت حزب الله عسكريا وسياسيا وأضعفت نفوذه داخليا، وشجّعت الرئاستين الأولى والثانية على المطالبة بنزع سلاح حزب الله مهما كلّف الأمر، ثم السير في تفاهمات لطالما اعتُبرت محرمة في السياسة اللبنانية، تجسدت بالذهاب الى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية لوضع نهاية لحالة العداء المستمر بين البلدين.
بهذا المعنى، لم تتحرك أبوظبي نحو بيروت بلا مقدمات، فهي انتظرت إشارات داخلية تعتبرها أساسية، ثم اختارت خطوة ذات طابع رمزي ومنخفض الكلفة: فتح باب السفر أمام مواطنيها، من دون أي التزام اقتصادي مباشر تجاه لبنان. هذا الإيقاع المتدرّج يفسّر الصياغة الحذرة للترحيب الإماراتي باتفاق الإطار بين لبنان واسرائيل: دعم كامل لسيادة لبنان، لكن مع تأكيد صريح أن نزع سلاح حزب الله شرط لا يمكن تجاوزه في أي مسار نحو الاستقرار.
في هذا السياق يقدّم مسار رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور مثالاً لافتاً يتجاوز أي بيان رسمي. ففي يناير 2024 أعلن الرجل وقف كل استثماراته في لبنان وبيع ممتلكاته فيه، مشيراً إلى خسائر تخطّت 1.4 مليار دولار نتيجة غياب الاستقرار. لكن بعد عام واحد فقط، ومع ظهور مؤشرات أولية على إمكان تشكيل حكومة جديدة، عاد ليعلن استعداده للعودة إلى الاستثمار “فور تشكيل الحكومة”. هذا التحوّل لا يبدو مجرد قرار فردي لرجل أعمال، بل يعكس طريقة التفكير الإماراتية في التعامل مع الملف اللبناني: المال يتحرك عندما تتحرك السياسة، ولا يسبقها. وهذا ما يفسر غياب أي التزامات استثمارية إماراتية كبيرة حتى الآن، رغم أن كلفة إعادة الإعمار في لبنان تُقدَّر بأكثر من عشرين مليار دولار وفق تقديرات أممية، بعد الحرب التي اندلعت في مارس 2026 وتسببت بنزوح يفوق 1.2 مليون شخص.
وكما هو معلوم فإن الدعم الاقتصادي والسياسي الإماراتي للبنان يعود لسنوات طويلة. نتذكر إنه في عام 1974 موّل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مشروع نهر الليطاني بمبلغ 150 مليون دولار، واستمر لاحقا عبر هبات وقروض لإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية التي دامت 15 عاما.
الحضور الإماراتي في لبنان لم يكن جديدا أو طارئا على الحياة السياسية لكنه لم يكن أيضا مشروطا، ولم يكن مستتبعا بمتطلبات سياسية بقدر ما كان يعكس رغبة إماراتية كحال غيرها من دول الخليج في دعم الدول العربية الأخرى انطلاقا من منطق التعاضد والتآخي العربي وتوسيع حجم النفوذ الخليجي في مساحات العمل العربي المشترك.
بين الإمارات ودول الخليج الأخرى
بمقارنة السياسات الخليجية الحالية بما كان عليه الأمر عشية العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، نجد أن الأموال الخليجية تدفقت في حينه عبر مؤتمري ستوكهولم وباريس دون اشتراطات سياسية أو متابعة لمجالات الإنفاق وكيفيتها. المفارقة أن لبنان عام 2006 كان يملك قطاعًا مصرفيًا قادرًا على استيعاب التمويل وتحويله إلى استثمار فعلي. كما كان يملك سعر صرف مستقر نسبيا.
أما اليوم فالدولة اللبنانية شبه مفلسة منذ الانهيار المالي عام 2019 ومؤسساتها أضعف من أن تدير ورشة إعمار بهذا الحجم دون ضمانات حوكمة واضحة. ولذلك نجد أبوظبي كغيرها من دول الخليج لا تريد أن يتكرر سيناريو 2006. أموال تتدفق بسرعة إلى لبنان عبر حزم من الحوافز والدعم غير المشروط ثم تذوب في شبكة المحاصصة والزبائنية والفساد دون أن تعالج جوهر المشكلة وهو غياب احتكار الدولة للسلاح وتحكم جهات تصفها بالميليشيوية في إدارة الدولة ومؤسساتها.
ولهذا تفضل الدول الخليجية “المقاربة التراكمية” أي تصور سياقات تطورات العلاقة بسُلّم من عدة درجات، كل درجة يصعدها لبنان سياسيا وأمنيا على صعيد الحوكمة ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات واحتكار السلاح تقابلها درجة جديدة من انفتاح إماراتي وخليجي ماليا وسياسيا، وبالعكس.
وهنا يأتي السؤال: هل ما تفعله أبوظبي في لبنان اليوم هو امتداد لدور سعودي وخليجي أم هو مسار مستقل له أدواته الخاصة؟
من الصعوبة وضع إجابة منجزة، لكن من يدقق أكثر يرى أن الرياض تحتفظ بثقل أكبر في لبنان ولديها قدرة هائلة في التأثير على القرار السياسي اللبناني. فنفوذها السياسي هو من أوصل الثنائي جوزيف عون-نواف سلام إلى سدة الرئاسة والحكومة، وهو الذي مارس الضغط المباشر وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية لدفع بيروت وتل أبيب نحو مسار التفاوض من أجل إنهاء حالة العداء بخروج الاحتلال الإسرائيلي من لبنان ووقف دوامة العنف وخلق مسار واضح أمام الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله الذي تراه الرياض سلاحا يُوظف لأهداف تضر بمصلحة لبنان وبسياقات إقليمية تهدد المصالح العربية. فأبوظبي هنا لا تختلف كثيرًا في الأهداف عن الرياض وإن كانت توظف أدوات مختلفة تتماشى مع قدراتها وإمكاناتها بدل الضغط السياسي المباشر الذي تمارسه الرياض بحكم علاقاتها المتجذرة وتأثيرها العميق في السياسة اللبنانية، والهدف الذي يوحد الجميع هو أن تحتكر الدولة اللبنانية قرار السِّلم والحرب، وأن يحلّ حزب الله جناحه العسكري وينفصل ايديولوجيا عن ولاية الفقيه الإيرانية.
بهذا المنطق يمكن القول إن لبنان يعتبر من الملفات التي تتقارب فيها الرؤى الخليجية رغم التباين الذي قد يظهر بينها في ملفات إقليمية أخرى، مثل اليمن والسودان والتعامل مع إسرائيل.
بمرور الوقت تحولت العلاقة الخليجية اللبنانية من علاقة عاطفية إلى علاقة تفاوضية مشروطة، فلا الرياض ولا أبوظبي تراهن على لبنان الحالي، البلد المفكك الذي تتنازعه الصراعات، الدولة فيه عاجزة والسلاح فيه متفلت والفساد مستشري في مفاصله، بل الرهان على لبنان الذي يمكن أن يصبح يومًا ما. فدول الخليج تريد لبنان دولة عربية خالصة بعيدة عن النفوذ الإيراني ومنيعة من الاحتلال الإسرائيلي، دولة تستعيد حدودها وقرارها السياسي، دولة مستقرة يمكن التعامل معها والاستثمار فيها دون أن يتحول المال إلى رهينة. فالخليج يرغب بالعودة إلى بيروت لكن لا يحمل حقيبة أموال مفتوحة، بل يحمل دفترا لشروط وينتظر النتائج.
