مع عودة السعودية إلى لبنان: كيف تدخل الطائفة السنية انتخابات 2026؟


يتّجه لبنان نحو الانتخابات النيابية عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة واحدة من أعمق الأزمات في تاريخه الحديث، أزمة لم تعد محصورة بالبعد الاقتصادي والمالي بعد أزمته الاقتصادية وحربه مع اسرائيل الأخيرة التي انتهت بهدنة هشة واعتداءات يومية، بل تمدّدت لتضرب جوهر النظام السياسي وآليات عمله. هذا الاستحقاق يأتي في لحظة إقليمية دقيقة، تتداخل فيها التحوّلات الخارجية مع هشاشة الداخل، ما يجعل من الانتخابات المقبلة محطة مفصلية تتجاوز بعدها الإجرائي لتلامس مصير التوازنات السياسية برمّتها.
في هذا السياق، يبرز العامل الإقليمي، وتحديداً عودة الاهتمام العربي – السعودي بالملف اللبناني بعد مرحلة من الانكفاء المقصود. هذه العودة لا تحمل طابعاً عاطفياً ولا تستند إلى استعادة تحالفات تقليدية، بل تقوم على مقاربة براغماتية عنوانها الأساسي منع الانهيار الكامل، وضبط مسار الفوضى السياسية والأمنية.
الرياض، وفق المعطيات المتداولة، لم تعد تراهن على الزعامات الفردية كما في السابق، خصوصاً بعد التجارب التي أثبتت محدودية هذا الرهان داخل الساحة السنية. المقاربة الجديدة تميل إلى دعم خطاب الدولة والمؤسسات، والانفتاح على شخصيات سنية معتدلة وقوى مدنية قادرة – ولو جزئياً – على خرق الاصطفافات التقليدية. الهدف ليس تحقيق انتصار انتخابي صاخب، بل المساهمة في تكوين كتلة سنية عقلانية تلعب دور “بيضة القبان” داخل المجلس النيابي، ولا سيما في الاستحقاقات الكبرى التي تلي الانتخابات.

ما بعد الحريري: أزمة قيادة أم فرصة إعادة بناء؟


لا يمكن مقاربة المشهد السني من دون التوقف عند الأثر العميق لغياب الرئيس سعد الحريري عن الحياة السياسية. هذا الغياب لم يخلّف فراغاً تنظيمياً فحسب، بل أحدث ارتباكاً في هوية القرار السياسي داخل الطائفة السنية التي اعتادت، لعقود، على مرجعية مركزية واحدة.
فتح هذا الفراغ، الباب أمام نقاش مؤجّل: هل ما زال نموذج الزعامة الواحدة صالحاً؟ أم أن المرحلة المقبلة تفرض انتقالاً نحو تمثيل تعددي قائم على البرامج والتحالفات لا على الوراثة السياسية؟ في هذا الإطار، تبرز شخصيات ذات طابع مؤسساتي وخلفيات دولية، إلى جانب مبادرات شبابية ومحلية تحاول ملء المساحات التي تركها تراجع الزعامة التقليدية. غير أن النجاح في هذه التجربة لن يكون لمن يرفع سقف الخطاب، بل لمن ينجح في بناء تحالفات قابلة للاستمرار بعد يوم الاقتراع.
التنوع السياسي داخل الشارع السني يحمل وجهين متناقضين: فهو من جهة فرصة لكسر الاحتكار السياسي، لكنه من جهة أخرى يهدد بتفكك التمثيل النيابي. فالانتخابات لا تُقاس فقط بعدد المقاعد، بل بالقدرة على تحويل هذا الحضور إلى كتلة متماسكة قادرة على التفاوض والتأثير داخل البرلمان.
التحدي الحقيقي سيظهر بعد الانتخابات: من سيتمكن من ترجمة فوزه النيابي إلى وزن سياسي فعلي، ومن سيبقى مجرد رقم إضافي في مجلس يعاني أصلاً من الانقسامات الحادة؟

سوريا: نفوذ غير مباشر وحضور محسوب


رغم انتهاء الوصاية السورية رسمياً منذ عام 2005، إلا أن القول إن دمشق خرجت كلياً من المعادلة اللبنانية لا يعكس الواقع بدقة. النفوذ السوري لم يعد مباشراً، لكنه ما زال قائماً عبر شبكة علاقات وتحالفات معروفة. في المرحلة الحالية، قد تلتقي المصالح السورية والسعودية عند عناوين محددة، أبرزها الاستقرار الأمني وضبط الحدود، إلا أن هذا التقاطع يبقى هشّاً وقابلاً للتبدل مع أي تغيير في موازين الإقليم.
بالتوازي مع هذه التحوّلات، تشهد الساحة اللبنانية نقاشاً متصاعداً حول مصير الانتخابات نفسها، في ظل معطيات داخلية وخارجية تطرح بجدية احتمال إجرائها في موعدها أو الذهاب نحو تمديد ولاية المجلس النيابي. ويأتي ذلك بالتزامن مع حراك دبلوماسي سعودي نشط، تمثّل في زيارات واتصالات قادها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، شملت طيفاً واسعاً من القيادات السياسية، ولا سيما السنية منها.
وخلال هذه اللقاءات، طُرحت ملفات حساسة تتعلق بالمرحلة المقبلة، من موقع رئاسة الحكومة إلى العلاقة مع حزب الله ودور القوى الحليفة للرياض. وبحسب أوساط تابعت هذه الاجتماعات، فقد أبدى بعض المشاركين تحفظات على بعض الطروحات، لكنهم تعاملوا معها بواقعية سياسية، من دون تسجيل مواقف صدامية.

أولويات سعودية وحسابات انتخابية


تشير المعطيات إلى أن الرياض تضع في سلم أولوياتها دعم الحكومة والعهد في مسار الإصلاحات الاقتصادية، والدفع باتجاه فتح نقاش سياسي حول ملف سلاح حزب الله، ورفع مستوى المواجهة السياسية حول هذه العناوين قبل الانتخابات. وفي هذا السياق، طُرح تساؤل حول قدرة القوى السياسية على تحقيق هذه الأهداف ضمن مهلة زمنية قصيرة، وما إذا كان ذلك قد يفتح الباب عملياً أمام تأجيل الاستحقاق النيابي.
انتخابياً، تُظهر المؤشرات اهتماماً سعودياً بتوازنات المجلس المقبل، من خلال السعي إلى حصد غالبية المقاعد السنية، وتعزيز حجم الكتلة المسيحية الكبرى عبر دعم «القوات اللبنانية» وحلفائها، إضافة إلى محاولات تحقيق خروقات محدودة داخل البيئة الشيعية. وتندرج هذه الحسابات ضمن تنسيق سياسي أوسع مع الولايات المتحدة وفرنسا، في ظل تراجع أدوار عربية تقليدية أخرى.
هذا وقد شهد مجلس النواب في الآونة الأخيرة سجالاً سياسياً حول تصويت المغتربين، ولا سيما حقهم في الاقتراع لكامل أعضاء المجلس، وسط رفض واضح من رئيس المجلس نبيه بري والثنائي أمل وحزب الله لهذا التعديل، مع التأكيد على إجراء الانتخابات ضمن المهل الدستورية من دونه.
في المقابل، تنقسم القوى السياسية حول مسألة التأجيل، بين من لا يمانع التمديد لأسباب سياسية أو تقنية، ومن يعتبر الوضع المالي عائقاً، ومن يخشى تراجع شعبيته في حال جرت الانتخابات. وفي هذا السياق، طُرحت سيناريوهات متعددة للتمديد، من تمديد تقني محدود إلى تمديد كامل للولاية، إلا أنها لا تزال تصطدم بانقسام سياسي حاد حول الخيار النهائي.
اذاً، تبدو انتخابات 2026 واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ لبنان الحديث. هي ليست مجرد استحقاق دستوري، بل اختبار لقدرة النظام على تجديد نفسه. بالنسبة للطائفة السنية، تمثّل لحظة انتقال من منطق الزعامة الواحدة إلى التمثيل المتعدد. وبالنسبة للسعودية، هي اختبار لنهج جديد يقوم على الشراكة لا الوصاية. أما لبنان ككل، فهو يقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما إعادة بناء السياسة على أسس أقل هشاشة، أو تثبيت الانهيار عبر صندوق الاقتراع.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.