الكويت: تنمية مخنوقة في قبضة الإسلاميين

عُرفت الكويت بأنها عروس الخليج، نالت هذه التسمية لتفوقها على جيرانها في عديد المجالات، بدءًا من أربعينيات القرن الماضي إلى سبعينياته وصولاً إلى فترة ما قبل الغزو العراقي. واجهت الكويت- صغيرة المساحة – تحديات عدة منذ نشأتها وحتى استقلالها، ورغم الصعاب والتحديات من حروب وشح موارد وفقر وأوبئة وغيرها من الصراعات السياسية الخارجية والأطماع في ثرواتها بعد اكتشاف النفط، إلا أن القيادة السياسية استطاعت أن تأخذ الكويت من سنوات الفقر والعوز وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي إلى حال دولة الثراء والرخاء والأمن.

لا تقلّ تحديات اليوم خطورة أهمية عن تحديات الماضي، بل يمكن القول أن الكويت تمر اليوم في أزمات عديدة وصراعات وشقوق داخلية أشد فتكاً وأكثر خطورة. ورغم الوفرة المالية للبلاد ووجود الكفاءات الوطنية في شتى المجالات والقطاعات، وتوفر المناخ الملائم والموقع الاستراتيجي، لكن تداخل السلطات وقصور التشريعات والتعدي على الدستور والنظم والقوانين، والعمل دون خطة ورؤية واضحة وجليَّة، وغياب المحاسبة والمحاكمة، أدى لظهور احتقان سياسي عميق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. عوامل أخرى أعاقت التنمية وتنفيذ المشاريع. فكيف للكويت أن تنجو في محيط مليء بالحيتان الملوثة؟ في ظل عشوائية القرارات وغياب الحكومة الرشيدة في قراراتها ومستهدفاتها.

المد الإسلامي المتوغل

تأثرت الكويت بدخول الإسلام السياسي وتوغله فيها، تنامت هذه القوى في جميع الاتجاهات وبسطت نفوذها في الدولة وأصبحت تتحكم بمفاصل العملية السياسية والقرارات التنموية في البلاد.

تعمل جماعات الإسلام السياسي بطرق منظمة ولها طرقها الخاصة وتكتيكاتها في نشر أفكارها ورؤاها في المجتمع، تعي هذه الجماعات جيداً بأن المجتمع الكويتي مجتمع متنوع الفكر والأعراق والثقافات رغم صغره وقلة تعداده السكاني، لكن هذا لم يمنعها من الدخول البطيء ومحاولة تفتيت الثقافة السائدة وغرس ثقافة جديدة ممنهجة تعتمد تكتيكات صارمة وحادة، تتنوع ما بين الإقناع والتخويف والتخوين. كيف يتم السيطرة على مجتمع مدني متحضر منفتح على العالم؟ من يستطيع السيطرة على أفراد لا يعوزهم والوعي ولا الثقافة ولا الوعي بما يحيط بهم؟ كيف يتم السيطرة على مجتمع مثقف؟ لا يمكن ذلك إلا من خلال التأثير على الفرد وإحكام السيطرة على مؤسسات التعليم وتوجيهها وتغيير أفكار الأجيال المتعاقبة. يبدأ مفهوم السيطرة والقوة بفرض الأفكار الجديدة وهدم الأفكار السابقة وتدمير رؤوس التنمية والثقافة والعلوم والتربية، ويتحقق ذلك من خلال العزف على الوتر الحساس والرافعة الكلاسيكية لقوى الإسلام السياسي، وهو الدين.

تغلغل المد الإسلامي في الكويت وفرض هيمنته على الفنون والمسرح والموسيقى والشِعر والآداب والمفكرين والكُتاب والصحافة، كما وتلقى التيار الليبرالي (المفكك والذي لم يشعر بوجودهم في البداية) ضربات متتالية.

اقتحمت الجماعات الدينية الحياة السياسية بعد أن كان عملهم مقتصرًا على برامج الدعوة والعمل الخيري ودور تحفيظ القرآن وغيرها، ومع مواصلة مشروع الصعود السياسي لهذه القوى كان دخول رموز الإسلام السياسي لمجلس الأمة واضطلاعهم بمهام تشريع القوانين التي تناسب أطروحاتهم وتوجهاتهم نتيجة متوقعة.

تبنت هذه القوى خط المواجهة مع أفكار الحرية والمساواة واستبدلوها بدعاوى أنهم الأدرى والأكثر معرفة بالكويتيين المحافظين المتمسكين بالعادات والتقاليد. ومن هنا، بدأت لحظة الرعب الحقيقية داخل المجتمع المدني في الكويت، وصولاً للمساهمة في تعطيل حركة التنمية التي تستند على مقومات عديدة تخالف تلك التوجهات والأفكار.

العديد من الأفكار الخلاقة تم إجهاضها. وضعت هذه القوى ثقلها ضد مشروعات خلاقة مثل مدينة الحرير ومشروع وتطوير الجزر وفكرة التوجه لجعل الكويت بلد سياحي بمقومات عالمية يستطيع جذب الاستثمارات وتأمين فرص عمل للمواطنين والأجانب. وبعد أن كانت الكويت منارة وعاصمة للفنون والثقافة في الخليج والمنطقة العربية، أصبحت اليوم مركزاً لتصدير الفتاوى المتطرفة، أولوياتها تنحصر في ملاحقة المتشبهين والبحث عن رافعي أعلام المثليين، ومنع الاحتفالات والكرنفالات بدعوى الاختلاط والمطالبة بمنع المدارس والجامعات المختلطة، وإلغاء مواد الموسيقى والشعر والفلسفة. أصبحت الكويت بيئة طاردة للشباب، تترصد للفعاليات والأنشطة والماراثونات والرياضية والنوادي المشتركة. كذلك هي المرأة الكويتية التي أصبحت ضحية لسياسات رجعية ومتبلدة.

ثنائية الإعلام والقوانين

خلال السنوات الماضية وبشكل ملفت للانتباه، لعب الإعلام الحديث دوراً بارزًا في التأثير على القرارات الحكومية وتوجيهها حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة حيوية تساهم في صناعة القرارات داخل الدولة. يمكن وبسهولة ملاحظة ما تستطيع الحملات الإلكترونية أن تصنعه من تأثير وتفاعل حكومي مع أي قضية يتم التفاعل معها الكترونياً. ولئن كان مثل هذا التفاعل والتأثير يبدو منطقياً ومتوقعاً في أي بلد من بلدان الخليج إلا أنه في الكويت يبدو استثنائيًا وجديرًا بالملاحظة والدراسة. تميل العديد من القرارات الحكومية وكذلك مسارات الرأي العام إلى تبني أي تأييد – وهمي أو حقيقي – على وسائل التواصل الاجتماعي، وتضع هذه التطبيقات السلطتين التنفيذية والتشريعية في خيارات حادة وعميقة، بما يشمل ملفات سياسية كبرى مثل تشكيل الحكومات واستقالات وزراء أو قياديين من مناصبهم. وهو ما ساهم ويساهم أيضاً في رسم صورة ضبابية تفتح الباب لتساؤلات جادة ما إذا كانت الحكومة ترتكز على سياسات وخطط تنموية مدروسة أو أنها مجرد حكومات تسيير أعمال.

يساهم كل من تداخل اختصاصات المؤسسات والبيروقراطية وبطء العمل الحكومي، كذلك الثقافة الحكومية والمجتمعية التي تسيء الفهم لمنجزات الضمان الوظيفي والوفرة المالية والرخاء الاجتماعي، في إيقاف عجلة التنمية. يحصل القياديون في وزارات ومؤسسات الدولة على رواتب استثنائية ومزايا وهبات دون إنجاز، تهدر الأموال على مشاريع لم تنفذ أو غير ذات جدوى، وهو ما يتسبب في هدر المال العام.

مؤخرًا، اضطلع الديوان الأميري بالإشراف على مشاريع ترفيهية وتدشين وجهات سياحية على مستوى مرموق وبوقت قياسي دون أي معوقات ودون أخذ رأي ومشورة مجلس الأمة أو الرجوع لتشريعاته، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول هذه النجاحات والانجاز وما إذا كانت التجربة النيابية تستحق المراجعة، والصحيح هو أن مجلس الأمة لا يمثل عائقاً تنموياً في حد ذاته بل تنحصر الأزمة في مشاريع بعض النواب التابعين لقوى سياسية تتبنى سياسات التعطيل والتأخير وإعاقة نهوض الدولة والمجتمع.

اشتراطات النهوض

تنطلق دول الخليج اليوم في سباق محموم نحو التنمية خاصة بعد جائحة كورونا التي فتكت في العديد من الاقتصادات والدول، حيث سجلت عديد الدول عجوزات مالية أثَّرت في مختلف القطاعات، وهو ما أعطى بعض الدول دافعًا للعمل بشكل أفضل وبمواكبة التغييرات العالمية، واشراك القطاع الخاص والشركات العالمية في المشاريع التنموية دون وسطاء، وهذا ما أثار ويثير حفيظة بعض أعضاء مجلس الأمة والمتنفذين في الحكومة الذين يقفون (حجر عثرة) ضد أي مشروع تنموي قادم. الإصلاح في الكويت بحاجة الى قرارات جريئة ونافذة، بحاجة لخطوات دستورية مدروسة ورؤية واضحة وعمل سريع ومتقن، تنظيف السلم يبدأ من الأعلى، وبما أن القياديين في الحكومة والنواب في أعلى السلم فيجب البدء بهم أولاً.

لا يمكن أن تتقدم الدول وهي تعمل من خلال منظومة من قوانين لا تواكب الحاضر ومتطلباته، لا يمكن أن تتقدم الدول في ظل وجود نظام تعليمي رجعي، ولا يمكن أن تتطور المؤسسات على أفكار متهالكة وبالية. تتقدم الدول، من خلال بيئة منفتحة تعمل بعدالة ونزاهة، بيئة تستثمر في العنصر البشري (الشباب والناشئة) وتركز على العلم والتعليم والبحوث ومختلف العلوم، بيئة تتبنى سياسات واضحة نحو تنمية الاستثمارات وتعزيز الأمن، بيئة عادلة، بيئة تشرك القطاع الخاص وتستقطب الشركات العالمية، بيئة صارمة تجاه المخالفين ومعوقات التنمية والتحديث.

التحديات المقبلة أمام الكويت مفصلية، ويتوجب على الحكومة أن تمسك عصاها وتنطلق في فضاء التنمية، فبوادر الجدَّية الحكومية الأولية إيجابية لكنها لا ترقى للطموح وليست بالسرعة المطلوبة، السير ببطء في زمن سريع التغير والتطور لا يجدي. تستطيع الكويت أن تنهض عندما تتهيأ الظروف وتعمل بشكل صحيح وتعيد جدولة أولوياتها، حين يتوقف النزيف المالي والهدر في المال العام وحين تركز الدولة على تنفيذ رؤية اقتصادية متطلعة وطموحة.