تشهد بعض دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت والبحرين، توسعاً لافتاً في ملفات سحب الجنسية أو إسقاطها خلال الفترة الأخيرة، في سياق بات يثير نقاشاً قانونياً وحقوقياً متصاعداً حول حدود سلطة الدولة في هذا الملف، ومدى الحاجة إلى إخضاع هذه القرارات لضمانات العدالة والرقابة القضائية. وتكتسب هذه القضية حساسيتها من كونها لا تمس مجرد وضع إداري أو وثيقة قانونية، بل تتعلق مباشرة بهوية الإنسان في دول الخليج واستقراره ووجوده القانوني والاجتماعي داخل وطنه.
القرارات الأخيرة، شملت أعداداً كبيرة من الأفراد، معظمهم ولد أو عاش لعقود طويلة في أوطانهم. وهو ما أدى وسيؤدي بالنتيجة، إلى تداعيات خطيرة على هؤلاء الأفراد وعائلاتهم.
حين تتحول الجنسية من رابطة قانونية مستقرة إلى وضع قابل للإلغاء بقرار إداري محصّن من الرقابة القضائية، فإن المسألة لا تعود مجرد إجراء قانوني، إذ تتحول إلى قضية تمس جوهر دولة القانون والأمان القانوني الذي يفترض أن يتمتع به الإنسان في وطنه. لا يمكن اعتبار الجنسية مجرد امتياز مؤقت تمنحه السلطات في الدولة وتسحبه متى شاءت، فهو الأساس الذي تقوم عليه الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية. كما أن استقرار المواطنة لا يقوم فقط على حمل الجنسية من الناحية القانونية، لكن على شعور الإنسان بالأمان والثقة في أن انتماءه الوطني محمي بضمانات مستقرة وعادلة. وحين تصبح الجنسية عرضة للإلغاء أو السحب بقرارات واسعة التقدير وضعيفة الرقابة القضائية، فإن ذلك قد يضعف مفهوم المواطنة الفاعلة، ويُنتج مشاعر القلق والهشاشة القانونية، ويؤثر سلباً على مستوى الثقة والاندماج والانتماء المجتمعي، وهي عناصر أساسية لاستقرار الدول وتماسكها. ولذلك، فإن إخراج قضايا الجنسية من نطاق المراجعة القضائية، تحت عناوين مثل “أعمال السيادة”، وهو ما يثير مخاوف جدية، لأنه يضع قرارات تمس هوية الإنسان ووجوده القانوني خارج أي رقابة مستقلة أو ضمانة فعالة للعدالة.
إن التوسع في معاقبة أسر كاملة بسبب مزاعم غير مثبتة قانونياً أو قضائياً، تتعلق بأفعال أحد أفرادها، حديثاً أو قبل عقود طويلة، سواء بدعوى ارتكابه مخالفة ما، أو تقديم معلومات غير دقيقة عند اكتساب الجنسية، أو نتيجة أخطاء ارتكبتها مؤسسات الدولة نفسها في مراحل سابقة، يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة التي تقوم على شخصية العقوبة وعدم توريث المسؤولية عبر الأجيال أو تعميمها على بقية أفراد الأسرة. وهو الأمر المعمول به في العديد من الدول التي راعت ضرورة تحديد العقوبات على مرتكبيها.
تزداد هذه الإجراءات قسوة حين تتبعها عمليات ترحيل جماعي أو اقتلاع الناس من أوطان عاشوا فيها لعقود إلى بلدان لا يعرفون عنها شيئاً، أو مصادرة لمستحقاتهم التقاعدية وإنهاء أعمالهم ومصادر أرزاقهم، بما يحوّل المسألة من إجراء إداري إلى عقوبة جماعية تمس الأسرة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، خصوصًا حين تشمل عمليات الإبعاد النساء والأطفال.
إن المضي في هذه السياسات يهدد بخلق أزمات إنسانية واجتماعية معقدة، ففي بعض الحالات قد تنشأ فئات واسعة من عديمي الجنسية (البدون) وما يرتبط بذلك من أزمات قانونية ومعيشية ممتدة، وفي حالات أخرى قد يتحول مواطنون سابقون إلى لاجئين أو منفيين قسراً في دول أخرى. وهذه النتائج لا تمس الأفراد وحدهم، بل تترك آثاراً عميقة على تماسك المجتمع وصورة الدولة واستقرارها القانوني على المدى البعيد. جدير بالذكر أن بعض دولنا وعلى مدى عقود ماضية، تعاني من أزمة “البدون” بتعداد كبير، وما يحدث اليوم يزيد من تعقيد هذا الملف ويراكم آثاره السلبية أكثر وأكثر.
جدير بالقول أن هذه السياسات وتتعارض مع الاتجاه العام في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ تنص المادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل فرد حقاً في التمتع بجنسية، وأنه لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته تعسفاً، فيما تؤكد المواثيق الدولية على حماية الحياة الأسرية والملكية الخاصة، ومنع التدخل التعسفي في استقرار الأفراد وحياتهم الخاصة.
إن ما تحتاجه هذه الملفات الحساسة هو مقاربة أكثر توازناً تجمع بين مقتضيات السيادة والحفاظ على الأمن ومتطلبات العدالة، وتحافظ في الوقت ذاته على حضور القضاء بوصفه ضمانة للإنصاف لا عائقاً أمام الدولة. فالدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض السلطة، بل أيضاً بقدرتها أيضًا على بناء الثقة القانونية وحماية الاستقرار المجتمعي طويل المدى. أما القرارات التي تمس الهوية والانتماء والمصير الإنساني، فإن آثارها غالباً ما تتجاوز اللحظة السياسية الآنية، وقد تترك ندوباً عميقة يصعب احتواء تداعياتها الاجتماعية والسياسية مستقبلاً.
إن أخطر ما قد تخلّفه هذه السياسات بالإضافة إلى الضرر المباشر الواقع على الأفراد والعائلات، هو إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة من القلق والتشكيك والخوف والكراهية بدلاً من الثقة، والضعف والتذبذب بدلاً من الاستقرار القانوني. وفي منطقتنا التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز التماسك الداخلي والاستقرار الاجتماعي، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة أكثر توازناً تحفظ هيبة الدولة من دون أن تُضعف فكرة المواطنة أو أن يصاب العقد الاجتماعي بالضعف والخلل.
