استراتيجية الضباب: كيف تدير دول الخليج حربًا لا تريد دخولها ولا الانسحاب منها؟
من السهل أن نصف مواقف دول الخليج من الحرب المشتعلة منذ نهاية فبراير الماضي بالمتناقضة. لكن هذا التوصيف لا يشرح الأسباب التي تجعل من الضبابية خيارًا لا مجرد تعبير عن لحظة ارتباك.
أمضت دول الخليج أعوامًا في صياغة منطقة رمادية بين واشنطن وطهران، بعضها اليوم بات مقتنعًا بأن حسم الخيارات أصبح مُلحًّا، والبعض الآخر وجد بلاده – فجأة – في منطقة حرب مشتعلة دون أن يستشيره أحد.
في 28 يناير 2026، أعلنت السعودية والإمارات أنهما لن تسمحا لأي قوة باستخدام أراضيهما أو أجوائهما في أي هجوم على إيران. اتصل ولي عهد السعودية ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأكد احترام السيادة الإيرانية داعيًا للحل الدبلوماسي. في تلك اللحظة، كانت دول الخليج تراهن على أنها قادرة على أن تبقى خارج اللعبة، لكن تلك الضمانة لم تصمد أمام وقائع مختلفة تمامًا. المرشد الأعلى الإيراني السابق السيد علي الخامنئي، الذي اغتالته الولايات المتحدة في اليوم الأول من الحرب، كان قد صرّح وبوضوح قبل أيام من الحرب بأن أي اعتداء على إيران، سيكون بالضرورة، حربًا إقليمية.
حين انطلقت عملية “العزم الملحمي”، كانت بعض دول الخليج على علم مبق بموعد العملية قبل أسابيع، البعض الآخر لم يعلم بها إلا قبل ساعات قليلة. بعد نحو ساعتين من بدء العملية، كانت القواعد العسكرية الأمريكية في البحرين وقطر والكويت والإمارات تُضرب بصواريخ ومسيّرات إيرانية. لقد تحولت القواعد التي كانت مصدر طمأنينة وتوازن للردع مع إيران، بين ليلة وضحاها، إلى مصدر استهداف، ودول الخليج، باتت مسرحًا في الحرب.
تقارير صحافية واستخباراتية أكدت أن الولايات المتحدة نشرت أكثر من مئة وعشرين طائرة في قواعد خليجية، تقارير أخرى أكدت أن صواريخ أمريكية أُطلقت بالفعل من مواقع في بعض دول الخليج. تم تداول عشرات الصور من مواقع رصد حركة الطائرات (مفتوحة المصدر) لطائرات التزوّد بالوقود الأمريكية والإسرائيلية وهي تحلّق فوق بعض دول الخليج. قبالة ذلك، بقيت دول الخليج تؤكد أنها لا تشارك في العمليات ولا تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها، وأن ما تقوم به إيران من اعتداءات، شملت بنًى صناعية وفنادق ومنشآت في مناطق مأهولة بالسكان، هي اعتداءات لا سند قانوني لها.
إلى الجبهة الأمامية
ابتلعت دول الخليج ما بين 80 و85 بالمئة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية خلال الحرب. القاعدة البحرية الأمريكية الخامسة في البحرين ضُربت أكثر من خمس مرات، ومنصات الغاز في رأس لفان القطرية أُغلقت، وكذلك بعض خطوط الإنتاج في مصنع “البا” للألمنيوم في البحرين. بالتوازي، فإن البنية التحتية للطاقة في السعودية والإمارات والكويت تعرّضت لضربات متكررة. ومع ذلك، أصرّت دول الخليج على رواية “لسنا طرفًا في هذه الحرب”، وهي رواية صحيحة في جوهرها لكنها غير كافية لفهم ما يجري فعلاً على أرض الواقع.
هناك ثلاثة أبعاد متناقضة تعمل معًا داخل البنية التي تتحرك فيها دول الخليج حاليًا. في الوقت الذي تُعد فيه دول الخليج من أكثر المتضررين من الحرب، إلا أنها تستفيد في الوقت ذاته من الإجهاز على قدرات إيران العسكرية، وبالخصوص القدرات الصاروخية والنووية. وفي الوقت الذي تحتضن فيه قواعد عسكرية باتت تشكّل ثغرة أمنية لا درعًا واقية، فإنها تؤمّن في الوقت نفسه لدول الخليج تحالفًا استراتيجيًا لا تستطيع الاستغناء عنه. وأخيرًا، ورغم أنها تسعى لإنهاء الحرب، فإنها لا تريد لهذه الحرب أن تنتهي إلا بنتائج تضمن أمنها الإقليمي على المدى البعيد.
وعليه، لا يوجد موقف خليجي موحّد بقدر ما نحن أمام خارطة تمزّق داخل المجلس، بحسب ميل كل بلد من هذه البلدان لأي بُعد من هذه الأبعاد المتناقضة.
تمثّل كلٌّ من السعودية والإمارات مركز الثقل المؤيد لاستمرار الحرب حتى تحقيق نتائج حاسمة. السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة كتب في وول ستريت جورنال أن أي اتفاق يجب أن يعالج “القدرات النووية لإيران وصواريخها ومسيّراتها ووكلاءها وحصارات طرق الشحن الدولية”. وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أعلن أن “صبر المملكة على الهجمات الإيرانية ليس بلا حدود”. في المقابل، تدرك الدولتان أن البنى التحتية الاقتصادية تتضرر بجدية؛ كما أن فقدان القدرة على تصدير النفط عبر مضيق هرمز يُقيّد عائداتهما بشكل حاد حتى مع ارتفاع الأسعار. أكثر من ذلك، تدرك الإمارات أن السمعة الدولية التي راكمتها بوصفها “الوجهة الأكثر أمنًا وملاءمةً للاستثمار في العالم” بدأت تتآكل.
قبالة الحماسة في الرياض وأبوظبي، تبدو مواقف قطر والكويت أقرب إلى الحلّ الدبلوماسي. رفضت قطر رسميًا أنها جزء من “الحملة ضد إيران” واعتبرت قصف أراضيها نكرانًا لإدوار الوساطة التي قامت بها، بالتوازي، تعاني الكويت من ضغط جغرافي مضاعف وهجمات إيرانية قاسية ومؤثرة. وبشكل أكثر وضوحًا، تشكّل سلطنة عُمان الحالة الاستثنائية بين دول الخليج؛ وزير خارجيتها بدر البوسعيدي، الذي أدار المفاوضات قبل ساعات من انفجار الحرب، أعلن مرارًا موقفًا مناوئًا للحرب وقريبًا من إيران، وهو ما أثار حفيظة دول خليجية. لم تنضم مسقط إلى البيان الجماعي الصادر عن دول مجلس التعاون في السادس والعشرين من مارس الماضي، كما ويستمر التواصل مع طهران عبر قنواتها الخلفية.
أكثر دول الخليج ضعفًا وانكشافًا هي البحرين؛ إذ أعلنت “القوة القاهرة” على صادرات الطاقة والألمنيوم والفولاذ، وشهدت ضرب قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي مرات متعددة، ولم يبق لها من هامش المناورة إلا ما يسمح به الواقع المفروض عليها. المنامة، وبالضرورة، تتشارك المواقف السياسية مع كل من الرياض وأبوظبي، إلا أنها لا تملك القدرة الاقتصادية لدفع كلفة هذه الخيارات السياسية الصعبة والمُكلفة.
مخاوف “اليوم التالي”
إن أكثر ما يُقلق دول الخليج هو احتمال نهاية الحرب بأسوأ السيناريوهات الممكنة، وهو توقفها دون نتائج حقيقية أو حاسمة. يشكّل هذا الهاجس نقطة إجماع نادرة بين دول الخليج التي تختلف في كل شيء آخر. نقلت رويترز في الأول من أبريل عن مسؤولين خليجيين خشيتهم من أن تنتهي الحرب “دون صفقة تضمن عدم معاودة إيران تهديد طرق الشحن أو ضرب البنية التحتية الخليجية”. صحيفة “لوموند” وصفت الموقف ببلاغة: “إسرائيل ودول الخليج تخشيان الانسحاب الأمريكي المتسرع”. تضيف الفايننشال تايمز أن الخوف يتملك دول الخليج من أن تُنهي الولايات المتحدة الحرب دون إسقاط النظام ودون أي ضمانات، فتجد دول الخليج في جوارها إيران غاضبة وأكثر جرأةً وأشد حقدًا.
المربك في هذه المعادلة هو أن بديل هذا الخيار لا يبدو مريحًا أو مضمونًا بشكل قاطع، فسقوط النظام في إيران قد يُفضي إلى دولة فاشلة على الشاطئ الآخر من الخليج، مليئة بالفصائل والميليشيات المعادية، وهو ما قد يحوّل الحوثيين وفصائل الحشد الشعبي في العراق إلى تنظيمات ودودة وعقلانية بالمقارنة. هذا الخوف المزدوج هو بالضبط ما يُفسّر التأرجح في الخطاب الخليجي.
ختامًا، ضبابية مواقف دول الخليج ليس ضعفًا في مستوى اتخاذ القرار. هي على الأرجح، انعكاس أمين وواضح لمأزق موضوعي يجمع بين حرب لم تُخطَّط لها، وتضررٍ لم يُحسب ثمنه، والتزامات عسكرية وأمنية مع واشنطن التي لا يمكن التخلي عنها، ومصالح اقتصادية تتعارض مع حسابات الاستقرار، وأخيرًا، ذلك الخوف المتساوي من مآلين متعاكسين لهذه الحرب. ما تبحث عنه دول الخليج اليوم هو صياغة تُتيح/ تضمن لها ثلاثة أشياء في آنٍ واحد: دعم التحالف مع واشنطن دون الانجرار إلى ساحات القتال، ضمان ألّا تنتهي الحرب بإيران أقوى أو أشرس مما بدأت، وأخيرًا، الإبقاء على قنوات دبلوماسية مع إيران توفّر خروجًا آمنًا في اليوم الذي تنضج فيه اللحظة الملائمة. الجمعُ بين هذه المتناقضات هو ما يُولّد الضبابية في الخطاب وتقلّب مواقف دول الخليج. والضباب هنا ليس وصفًا لحالة، هو استراتيجية بقاء حقيقية.