هل كانت دول مجلس التعاون الخليجي جزءا من هندسة الحرب على إيران؟


 
صباح يوم 28 فبراير 2026، تحول ما كان يصطلح على تسميته بحرب الوكالة إلى حرب مباشرة تمر عبر “دول صديقة” وأخرى “جارة”، هكذا يمكن وصف الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، التي تشهد استهدافا غير مسبوق ومباشر لدول مجلس التعاون الخليجي.
ورغم تأرجح العلاقات بين إيران وبعض دول الخليج، وبالخصوص السعودية والبحرين، غير أنه لم يسبق لدول الخليج أن شهدت في تاريخها الحديث استهدافاً عسكرياً مباشراً من إيران كالذي يحدث في هذه الحرب.
تتوالى على مدار الساعة منذ نحو أسبوعين مشاهد الانفجارات العنيفة التي تهز مدنًا خليجية كانت حتى وقت قريب رمزا للرفاه والازدهار، ورغم القوانين المتشددة في دول الخليج التي تقضي بمنع التصوير والبث، تنتشر مشاهد تصاعد كرات النار من المنشآت النفطية والمناطق الصناعية والموانئ، وصولاً إلى بعض المطارات، وفي مقدمتها المطار الأكبر حركة واتساعًا (مطار دبي).
“تقصف إيران دولنا الخليجية أكثر من قصفها إسرائيل”، جملة يكررها محللون خليجيون منذ اندلاع الحرب، وهي لا تلخص رأيا شخصيًا بل هي حقيقة تعززها الأرقام الصادرة عن وزارات الدفاع.
في غضون أسبوعين من الحرب، استهدفت إيران دول الخليج بشكل شبه يومي، بنحو 3700 صاروخا ومسيرة، وكان للإمارات نصيب الأسد منها. هذا العدد يفوق عدد الصواريخ التي أطلقتها إيران على إسرائيل وعددها 250 صاروخا بحسب صحيفة هآرتس العبرية.
 
قواعد اللعبة

ولئن اختلفت طبيعة علاقة دول الخليج بإيران، وتراوحت بين الخلاف والحرب بالوكالة في اليمن كما هو الحال بين إيران والسعودية، أو العداء الصريح مع البحرين، أو ما يجمع إيران بدول خليجية أخرى من علاقات تتسم بحسن الجوار والتعاون الاقتصادي كما هو الحال مع الإمارات وقطر وسلطنة عمان، والأخيرة تحديدًا هي من اختارتها طهران وسيطًا مع واشنطن في الملف النووي، رغم ذلك، فإن القاسم المشترك بين دول الخليج – بالنسبة للإيرانيين – هو وجود القواعد الأمريكية على أراضيها وكونها جميعًا أهدافًا لها. تؤكد إيران أنها مجبرة على تنفيذ هذه الضربات وأنها لا تستهدف دول الخليج بل القواعد الجوية والبحرية التي تتمركز فيها قوات أمريكية. بالتوازي، فإن بنك الأهداف الإيراني شمل منشآت صناعية وفنادق ومطارات.
نظريًا، تبرز أهمية القواعد الأمريكية في حماية دول الخليج وفي ضمان تدفق النفط والغاز من دول المنطقة إلى بقية دول العالم. أبرز هذه القواعد هي قاعدة الجفير في البحرين مقر الأسطول الخامس ومعسكر وقاعدة السالم في الكويت وقاعدة العديد في قطر التي تمثل قاعدة تنسيق عملياتي وتضم ما لا يقل عن 10 آلاف جندي أمريكي. كما تُستخدم قاعدة الظفرة في الإمارات لإدارة العمليات الجوية والمناورات المشتركة.
باستهداف هذه القواعد وغلق مضيق هرمز تكون إيران قد قلبت الأمور رأسًا على عقب. ومن الواضح أن من يدفع الكلفة المباشرة لهذه الضربات هي دول الخليج، فالضربات تستهدف أراضيها وتهدد سلامة مواطنيها.
 
تبريرات طهران

في 16 مارس الجاري، كتب وزير الخارجية الإيراني، ‌عباس عراقجي، على حسابه في منصة “اكس” أن “الدول المجاورة التي تستضيف القوات ⁠الأمريكية تسمح بشن هجمات على إيران وتشجع بنشاط على قتل الإيرانيين وإن مئات المدنيين الإيرانيين، بينهم ‌أكثر ⁠من 200 طفل، قتلوا في غارات جوية إسرائيلية أمريكية”. كان عراقجي يشير بوضوح إلى دول الخليج. قبل ذلك، نشر الحساب الرسمي للقيادة المركزية الأمريكية على منصة إكس صورا لأنظمة الصواريخ المدفعية عالية الحركة التابعة للجيش الأمريكي وهي توجه ضربات إلى إيران وكان واضحا أنها تطلق من بيئة صحراوية، ما يشير إلى أن بعض الضربات الصاروخية تنطلق من دول الخليج. وربما، فإن هذا ما يفسر الحدة الخطابية في أول بيان منسوب للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي الذي قال فيه إن إيران تؤمن بالصداقة مع دول الجوار لكنها مضطرة إلى استمرار استهداف القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، داعيا دول الخليج إلى تحديد موقفها منها وإغلاق القواعد الأمريكية على ترابها.
استخدمت إيران في ضرباتها على دول الخليج إلى جانب الطائرات المسيرة، صواريخ تحمل رؤوسًا حربية ثقيلة مثل “فتاح” و”عماد” و”قادر” وصواريخ موجهة مثل “ذو الفقار” و”دزفول”، ولم تستهدف طهران القواعد الأمريكية وحسب، بل شملت الأهداف منشآت النفط والغاز ما أجبر كل من قطر والبحرين والكويت على إعلان القوة القاهرة بشأن انتاج النفط والغاز وبيعهما.
 
استهداف الخليج كان متوقعا

مع اغتيال المرشد الإيراني على خامنئي، توالت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي كان يكرر فيها بأنه قرر ضرب إيران مدعومًا بتقارير من المخابرات الأمريكية تقول إنها كانت ستمتلك قريبًا قدرات صاروخية في إمكانها استهداف الأراضي الأمريكية، وأنها تحتاج ما بين أسبوعين إلى أربعة أسابيع لصنع قنبلة نووية، وهو الأمر الذي نفته طهران.
في هذا السياق، نشر مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، في 17 مارس نص استقالته وضمنه احتجاجا على الحرب ضد إيران قائلا في خطاب استقالته إن “إيران لم تكن تهديدا وشيكًا وأن الحرب كانت بضغط من إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة”.
ورغم إعلان الرئيس، دونالد ترامب، أن الضربات التي شنتها إيران على قطر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت ردًا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية كانت مفاجئة بقوله “لم يكن من المفترض أن تستهدف إيران كل ⁠هذه الدول الأخرى في الشرق الأوسط. لم يتوقع أحد ذلك… لقد صدمنا”، إلا أن الرئيس كان، بلا شك، يعلم بأن شن الحرب على إيران كان يعني بالضرورة أن دول الخليج ستكون داخل دائرة الاستهداف.
 
الخيارات أمام الخليج

سواء كانت دول الخليج قد أُخطرت من واشنطن وتل أبيب قبل تنفيذ العمليات الأمريكية الإسرائيلية الواسعة على إيران أم لا، إلا أنها في كل الأحوال تدفع ثمن هذه الضربات بشكل مباشر من حيث درجة استهدافها شبه اليومية أو من حيث مستقبل علاقاتها مع إيران الذي بلغ مرحلة اللاعودة.
أمام دول الخليج الآن وقد دخلت الحرب أسبوعها الثالث خيارات صعبة، ما بين الدخول مع واشنطن وتل أبيب في تحالف صريح والإذن باستخدام أجوائها وأراضيها للعمليات العسكرية ضد إيران لحسم الحرب وإنهاء الخطر الإيراني الذي يهددها أو تحمل المزيد من الضربات التي تطال أراضيها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين فيها.
الثابت أن الاستمرار في الحياد حتى الآن قد لا يطول أكثر، وهذا ما أكده اجتماع مجلس التعاون حين هدد بالدفاع الجماعي عن النفس ما يحول دول الخليج من سياسة درع دفاعي إلى خط هجوم مباشر على إيران.
لكن الخيار الأخير كلفته باهظة سياسيًا وعسكريًا، بما يشمل توسيع الحرب والمخاطرة بأمن دول كانت حتى وقت قريب رمزا للأمان والاستقرار.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.