من مسقط إلى جربة: الإباضية كفضاء مذهبي عابر للحدود

تتجاوز آفاق العلاقات بين سلطنة عُمان وتونس حدود العلاقات الدبلوماسية والاستثمار وتبادل الخبرات، لتستند إلى عمق تاريخي وثقافي ومذهبي ضارب في القدم. ثمّة قرون من الامتداد المشترك، جعلت من العلاقة بين مسقط وتونس حالة مختلفة في الفضاء العربي، علاقة تتجاوز الجغرافيا وتستند إلى ذاكرة ثقافية وروحية مشتركة.

قبل أن يشدّ مئات المدرسين والأساتذة التونسيين الرحال إلى سلطنة عُمان في العقود الأخيرة للتدريس في مدارسها وجامعاتها، سبقتهم إلى مسقط مدرسة تونسية عمرها يزيد على مئة عام. وقبل أن تُفتتح أول سفارة عُمانية في تونس، كان الشعبان مرتبطين بروابط استثنائية ذات طابع مذهبي وثقافي، رغم آلاف الأميال التي تفصل بين سواحل الخليج العربي وسواحل المتوسط.

مدرسة بوذينة… حجر زاوية ثقافي

خمسة وخمسون عامًا مرّت على افتتاح سفارة سلطنة عُمان في تونس عام 1971، لكن العلاقات التاريخية التي تربط مسقط بتونس أقدم بكثير من هذا التاريخ الدبلوماسي الحديث. لعبت الثقافة والتربية والدين أدوارًا محورية في تشكيل هذا الامتداد المبكر، وكان التعليم أحد أبرز تجلياته.

في عام 1914، قدم المعلم التونسي محمد علي بوذينة إلى سلطنة عُمان ليؤسس مدرسته الخاصة في مسقط في العام ذاته، وذلك خلال عهد السلطان تيمور بن فيصل. حملت المدرسة بداية اسم “مدرسة بوذينة” قبل أن يُطلق عليها لاحقًا اسم “مدرسة الزواوي”. تلك المدرسة كانت أول مدرسة نظامية مختلطة للبنين والبنات في عُمان، تُدرّس مواد دينية ولغوية وحسابية، وشكّلت محطة مفصلية في مسار تطور التعليم العُماني الحديث، في لحظة كانت فيها المنطقة بأسرها تخطو ببطء نحو التعليم النظامي.

اليوم، ترتبط تونس وعُمان بـ 44 اتفاقية تعاون تشمل مجالات التربية والثقافة والإعلام والصحة إلى جانب التعليم العالي. كما تستقبل الجامعات التونسية طلبة عُمانيين لاستكمال دراساتهم العليا، في حين تواصل سلطنة عُمان، منذ عقود، فتح باب انتداب المدرسين التونسيين للتدريس في مدارسها ومعاهدها وجامعاتها.

هذه الهجرة “العكسية” من المغرب العربي إلى الخليج تعيد إلى الذاكرة الهجرات الأولى من المشرق إلى المغرب، وتحديدًا إلى القيروان والجريد التونسي وجزيرة جربة، التي كانت حاضنة تاريخية للمذهب الإباضي، القادم آنذاك من البصرة وعُمان.

تاريخ الإباضية في عُمان

الإباضية مذهب إسلامي يُصنَّف ضمن المذاهب الإسلامية المبكرة، ويتّسم بقدر كبير من الاعتدال والبراغماتية السياسية. يتركز وجوده اليوم بشكل أساسي في سلطنة عُمان إلى جانب امتداد تاريخي وازن في شمال أفريقيا. يتميز المذهب بالتركيز على القرآن والسنة، واعتماد مبدأ الشورى، ورفض توريث الحكم، وهو ما انعكس تاريخيًا على بنية السلطة في التجربة الإباضية.

يعتبر بعض العلماء، مثل أبي الحسن الأشعري والشهرستاني وغيرهما، الإباضية مذهبًا متسامحًا لا علاقة له بالخوارج المتشددين، في حين يرى آخرون أنه تفرّع تاريخيًا عن الخوارج، مع اختلاف جذري في المنهج والممارسة السياسية والدينية.

ينتشر الإباضيون اليوم في سلطنة عُمان حيث يشكلون مذهب السلطة السياسية ومذهب المفتي العام للسلطنة، إضافة إلى وجودهم في جزيرة جربة جنوب تونس، وجبل نفوسة في ليبيا، ووادي ميزاب في الجزائر.

ظهرت الإباضية منذ القرن الأول الهجري، حين نشأت كدعوة معتدلة في البصرة على يد جابر بن زيد، ومنها انتشرت إلى عُمان. وشهدت عُمان تأسيس أول إمامة إباضية عام 132هـ بانتخاب الجلندي بن مسعود، ثم قيام دول إباضية لاحقة، أبرزها الدولة الرستمية في الجزائر (160–296هـ / 777–909م). وبعدها جاء عهد السلاطين البوسعيديين، الذين أسسوا الدولة العُمانية الحديثة.

يمثل الإباضيون اليوم تعدادًا كبيرًا من سكان سلطنة عُمان، التي أنجبت المرجع الأبرز للمذهب الإباضي، جابر بن زيد (توفي 93هـ)، وهو تلميذ لعدد من الصحابة، ولد في عُمان ثم رحل لاحقًا إلى البصرة حيث أسهم في بلورة الأسس الفكرية للمذهب. استفادت الإباضية في عُمان من الطبيعة الجغرافية الوعرة للبلاد، بين سلاسل الجبال وقممها والوديان السحيقة، ما مكّنهم من تأسيس الإمامة الأولى والحفاظ على حلقات العلم واستقلال القرار السياسي والديني، رغم تقلبات الحكم في العهدين الأموي والعباسي.

بعد معركة النهروان عام 38هـ / 659م بين جيش الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وفرقة “المحكّمة” (الخوارج)، لجأ المعتدلون الرافضون لتطرف الأزارقة إلى البصرة، وهناك تبلورت النواة الأولى للمذهب الإباضي، الذي سرعان ما وجد في عُمان بيئة سياسية واجتماعية مناسبة لاحتضانه.

لم تظهر تسمية “الإباضية” إلا في القرن الثالث الهجري، قبل ذلك كان أتباع المذهب يسمّون أنفسهم “أهل الدعوة” و”أهل الاستقامة”. وتعود التسمية إلى عبد الله بن إباض، الذي عُرف بمواقفه السياسية المناهضة للأمويين، رغم أن الإباضيين أنفسهم لم يكونوا متحمسين لهذه التسمية، وفضّلوا الابتعاد عن وصف “الخوارج”.

الإباضية في تونس

في تونس، ينتشر المذهب المالكي بوصفه المذهب الفقهي السائد لدى أغلبية السنة، وهو مذهب وسطي رسّخه الإمام سحنون بن سعيد (160–240هـ / 777–854م) بعد عودته من الحجاز ومصر إلى القيروان عام 191هـ.

لكن كيف وصلت الإباضية إلى تونس؟

وصل المذهب الإباضي إلى تونس من البصرة إلى شمال أفريقيا عبر بعثات دعوية قادها أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة في القرن الثامن الميلادي (بداية القرن الثاني الهجري). ومثلما حدث في عُمان، ظهر الإباضيون في تونس في حالة من الكتمان أولًا واستقروا في منطقة الجريد جنوب غربي البلاد، قبل أن تنتقل مجموعات منهم إلى جزيرة جربة عقب سقوط الدولة الرستمية عام 296هـ، ومنها إلى جبل نفوسة في ليبيا ووادي ميزاب في الجزائر.

كانت جربة، ولا تزال، تتمتع بخصوصية جغرافية جعلتها ملاذًا للأقليات الدينية؛ فالبحر شكّل حاجزًا طبيعيًا أمام تدخلات السلطة المركزية، ووفرت سواحل الجزيرة المفتوحة قدرة دفاعية ومراقبة ذاتية، وهو ما كان يبحث عنه أتباع المذهب الإباضي.

تذهب بعض المصادر إلى أن الإباضية امتدت تاريخيًا حتى مشارف القيروان، وكانت في مرحلة ما مذهبًا واسع الانتشار بين الأمازيغ حتى القرن الرابع الهجري. ويمثل الإباضيون في جربة اليوم نحو 50٪ من السكان، ويؤكدون أن مذهبهم يقوم على الربط بين العقيدة والعمل، ويمنح المرأة كامل حقوقها التي نص عليها الإسلام، كما يتبنى نهجًا سلميًا ينبذ العنف ويرفض الاعتداء على أي إنسان، بغض النظر عن مذهبه.

لا يزال نظام “العزّابة” حاضرًا في الذاكرة والمؤسسة الدينية في جربة، وهو مجلس مكوّن من 12 عضوًا كان يشرف تاريخيًا على الشؤون الدينية والاجتماعية، ويأذن ببناء البيوت وحفر الآبار، ويمثل شكلًا مبكرًا من التنظيم الذاتي للمجتمع.

يمكن اعتبار الإباضية، إلى حد بعيد، مذهب الأمازيغ في جنوب تونس، حيث يشكل الإباضيون غالبية الحرفيين في صناعة الفخار، أحد أهم منتجات الجزيرة وصادراتها. بعد الثورة التونسية عام 2011، تعرض الإباضيون إلى اعتداءات من التيارات السلفية المتشددة التي تكفّرهم، كما تكفّر غيرهم من المذاهب.

تحتفظ المكتبة الإباضية في جربة، المعروفة بـ “المكتبة البارونية” بمخطوطات إباضية عُمانية نادرة، من بينها “مدونة الأشياخ”، أحد المراجع الأساسية في الفقه الإباضي، ما يعكس عمق الصلة بين جربة ومسقط رغم المسافات.

ما يمكن أن يختصر هذا التشابه المذهل بين جربة ومسقط هو ذلك المبدأ المشترك، وهو الوقوف على الحياد في أوقات الأزمات، وتحييد الاختلافات العقائدية والمذهبية عندما تشتد الخلافات، وتقديم السلم الاجتماعي على منطق الصراع.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.