إيران في البحر الأحمر وخليج عدن: معركة التمركز والنفوذ

تشهد منطقة البحر الأحمر وخليج عدن تحولات متسارعة في موازين القوة، مع بروز أدوار إقليمية جديدة تتجاوز حدود الشراكات الاقتصادية المعلنة إلى إعادة تشكيل الخريطة الأمنية للممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم.
فمن جنوب اليمن إلى أرض الصومال، تتقاطع تحركات الإمارات مع توسع الحضور الإسرائيلي، في مسار يثير قلق أطراف إقليمية، وفي مقدمتها إيران، التي باتت تنظر إلى هذه التطورات باعتبارها تهديدا مباشرا لأمنها القومي ولمعادلة الردع في البحر الأحمر.
في جنوب اليمن الطامح للاستقلال والإعلان عن دولته، عززت أبوظبي نفوذها عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أتاح لها السيطرة على موانئ وجزر ومناطق استراتيجية مطلة على خليج عدن، في وقت تحول فيه الجنوب من ساحة نزاع داخلي إلى عقدة صراع إقليمي على النفوذ البحري. أما في أرض الصومال، فقد جاء الصمت الإماراتي إزاء الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، بالتوازي مع استثماراتها الواسعة في ميناء بربرة، ليغذي تقديرات متزايدة بأن المنطقة تتجه نحو تمركز أمني–بحري جديد قرب باب المندب.
لم تبق هذه التطورات بلا ردود فعل. فإيران، التي راكمت نفوذها خلال العقد الماضي على ضفاف البحر الأحمر، تعيد اليوم تقييم تموضعها في ضوء ما تعتبره محاولة إسرائيلية–إماراتية لإعادة هندسة الفضاء البحري الجنوبي. وبينما تختلف أدوات طهران بين الاحتواء الناعم في بعض الساحات، والضغط الخشن في ساحات أخرى، فإن النتيجة واحدة: دخول الإقليم مرحلة صراع مفتوح على من يملك مفاتيح الملاحة والأمن في البحر الأحمر.

أرض الصومال واليمن الجنوبي


تشير المعطيات إلى أن طهران أعادت، خلال المرحلة الأخيرة، تعريف أولوياتها الجيوسياسية في جنوب الجزيرة العربية والقرن الإفريقي، واضعة البحر الأحمر وخليج عدن ضمن دائرة الأمن القومي المباشر، لا باعتبارهما مسرحين ثانويين للصراع، بل كجبهة حاسمة في معادلة الردع الإقليمي.
لا ينبع هذا التحول من تطورات يمنية داخلية معزولة، بل من إدراك إيراني بأن الإقليم يشهد عملية إعادة هندسة استراتيجية تقودها إسرائيل، مستفيدة من حلفاء إقليميين، وفي مقدمتهم الإمارات، بهدف تطويق إيران بحزام بحري جنوبي، وتأمين خطوط الملاحة الإسرائيلية، ومنع تشكل أي تهديد مستقبلي من هذه الجبهة. قبالة ذلك، تؤكد أبوظبي أنها بصدد رعاية مصالحها التجارية والاقتصادية وأن لا نوايا عدائية في حماية هذه الاستثمارات.
أعتقد أن تموضع إيران في ملفات أرض الصومال واليمن الجنوبي هو جزء من استراتيجية واحدة متكاملة، تدار بأدوات مختلفة تبعًا لطبيعة كل ساحة، لكنها تخدم هدفا مركزيا واحدا: منع تثبيت واقع جيوسياسي جديد معاد على البحر الأحمر.
يمثل الاعتراف الإسرائيلي بدولة أرض الصومال نقطة إنذار مبكر في الحسابات الإيرانية. لا تنظر طهران إلى هذه الخطوة باعتبارها تحركا دبلوماسيًا رمزيًا، بل كمؤشر على نية إسرائيل الانتقال من الوجود البحري المحدود إلى تمركز استخباري–أمني دائم في الضفة الجنوبية للبحر الأحمر، بما يتيح لها مراقبة الملاحة الدولية، التأثير في باب المندب واستكمال طوقها البحري حول خصومها.
حتى اللحظة، لا تتوفر مؤشرات مؤكدة على بدء تحرك إيراني ميداني فعلي في أرض الصومال. غير أن إدراج الإقليم في الخطاب الإيراني الرسمي التحذيري يعكس انتقاله إلى دائرة الرصد الأمني المتقدم.
وفق أنماط السلوك الإيراني المعروفة، يقدر أن طهران ستتعامل مع أرض الصومال بمنطق الاحتواء الوقائي لا المواجهة المباشرة، أي منع تحول الوجود الإسرائيلي إلى واقع مستقر قبل اكتماله.
في هذا السياق، من المرجح أن تعتمد إيران، إذا ما تطور التمركز الإسرائيلي، مقاربة اختراق ناعم منخفض الظهور، تقوم على بناء شبكات اجتماعية واقتصادية ودينية، واختراق النخب المحلية، دون رفع بصمة عسكرية أو سياسية مباشرة، وبهدف خلق قدرة تعطيل مستقبلية تجعل أي وجود إسرائيلي مكلفا وغير مضمون الاستقرار.
بعبارة أخرى، ترى إيران أرض الصومال كساحة منع وتحييد، لا كساحة اشتباك.
على النقيض من ذلك، يحتل اليمن الجنوبي موقعًا مختلفًا جذريًا في الحسابات الإيرانية. فهذه الساحة، من منظور طهران، هي خط الدفاع المتقدم عن معادلة الردع في البحر الأحمر، وأي تثبيت لكيان جنوبي منفصل خاضع لنفوذ إماراتي أو إسرائيلي أو الإثنين مجتمعين، ينظر إليه كاختراق استراتيجي بالغ الخطورة.
الدعم الإماراتي المتواصل للمجلس الانتقالي الجنوبي، والسعي إلى تكريس انفصال الجنوب، لا يقرأ في طهران كسياسة إماراتية مستقلة بل كجزء من وظيفة إقليمية تخدم المشروع الإسرائيلي الأوسع: تفكيك اليمن، السيطرة على الموانئ والجزر والنفط على امتداد خليج عدن، وتحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ بحري صديقة لإسرائيل.
بناء على ذلك، يقدر أن إيران ستتعامل مع اليمن الجنوبي بمنطق الإفشال الخشن لا الاحتواء الناعم. هذا الإفشال لا يتطلب بالضرورة سيطرة مباشرة، بل يكفي منع الاستقرار، وإدامة حالة السيولة الأمنية، وإبقاء الجنوب خارج أي معادلة حكم متماسكة لا تراعي المصالح الإيرانية.
في هذا الإطار، يتوقع أن توسع إيران من أدوار قائمة، وفي مقدمتها أنصار الله الحوثيين، وأن تستثمر الانقسام اليمني الداخلي كأداة استراتيجية، بما يفرض معادلة ردع غير معلنة مفادها أن أي محاولة لتثبيت واقع انفصالي في الجنوب ستواجه بتكلفة أمنية وسياسية عالية.

السعودية وإدارة الصراع


تدرك إيران أن السعودية تظل الفاعل الأكثر حساسية تجاه مستقبل اليمن، وأن الرياض تنظر إلى اليمن، شمالا وجنوبا، باعتباره عمقها الأمني المباشر. ومن هذا المنطلق، تحرص طهران على إدارة تحركاتها بطريقة لا تدفع السعودية إلى مواجهة مباشرة شاملة بل تبقيها في حالة مأزق استراتيجي.
هذا المأزق ناتج عن تعارض مسارين: مسار إيراني تراه الرياض توسعي وتدرك مخاطره، ومسار إماراتي تفكيكي ترى فيه السعودية تهديدا طويل الأمد لأمنها القومي.
تراهن إيران على أن هذا التعارض قد يدفع السعودية، في لحظة ضغط، إلى قبول تفاهمات تكتيكية مؤقتة، حتى لو أدى ذلك إلى تثبيت الحوثي كأمر واقع، باعتبار أن هذا الخيار أقل خطورة من خسارة الجنوب لصالح محور منافس، حتى وإن كانت ثقة الرياض بطهران لم تكتمل بعد. غير أن طهران لا تبني استراتيجيتها على ثقة كاملة بالرياض، بل على إدارة توازن دقيق يمنع السعودية من الانحياز الكامل لأي مشروع معاد.

من منظور إيراني، يشكل الانقسام بين مجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي أداة استراتيجية جاهزة لا تتطلب استثمارا إضافيا. يمنع هذا الانقسام تشكل جبهة يمنية موحدة، ويضعف أي مشروع استقرار، ويبقي الحوثي الطرف الأكثر تماسكا وتنظيما.
وبذلك، فإن البنية الحالية للصراع اليمني تعمل تلقائيا لمصلحة إيران، حتى في حال تأخر أو محدودية تدخلها المباشر.
يقدر أن تموضع إيران في ملفات أرض الصومال واليمن الجنوبي ليس رد فعل ظرفيا، بل جزء من استراتيجية طويلة النفس تهدف إلى منع إعادة رسم البحر الأحمر خارج معادلة الردع التي بنتها طهران خلال العقد الماضي.
إيران تتحرك: ناعما حيث يكفي المنع والاحتواء. وخشنا حيث يتطلب الأمر كسر المشروع المنافس.
وفي كلا المسارين، تستفيد من التناقضات الإقليمية والانقسامات المحلية، وتعمل على إبقاء المنطقة في حالة توازن هش يمنع خصومها من تثبيت مكاسب استراتيجية دائمة. إن أي فشل في قراءة هذا التموضع بوصفه استراتيجية موحدة، أو التعامل مع ساحاته كملفات منفصلة، سيؤدي إلى خطأ تقديري عميق ستكون كلفته الإقليمية عالية وطويلة الأمد.

صد واقع جيوسياسي جديد


في ضوء ما سبق، يتضح أن تموضع إيران في البحر الأحمر وخليج عدن لا ينطلق من منطق توسيع نفوذ عابر بل من سعي منظم لمنع تشكل واقع جيوسياسي جديد ترى فيه تهديدا مباشرا لتوازنات الردع الإقليمي.
فطهران، التي تراقب بقلق تمدد الحضور الإسرائيلي، تعتبر مشروع انفصال الجنوب وتحويله إلى كيان وظيفي بحري يخدم إسرائيل خطرًا يتجاوز الخلافات التقليدية مع السعودية، ويمس جوهر الأمن الإقليمي لشبه الجزيرة العربية.
ومن هذا المنطلق، تجد إيران نفسها، موضوعيًا وإن لم يكن تحالفيًا، في تقاطع مصالح مع الموقف السعودي الرافض لتفكيك اليمن وانفصال جنوبه. فالحفاظ على يمن موحد أو غير قابل للتفكيك الكامل ينظر إليه في طهران كحاجز استراتيجي يمنع تثبيت تمركز إسرائيلي دائم على الضفة الجنوبية للبحر الأحمر. وفي المقابل، ترى أن المشروع الإماراتي في الجنوب يشكل عاملا مهددا للجميع، وخصوصا للسعودية، لما يحمله من تداعيات بعيدة المدى على العمق الأمني للجزيرة العربية.
بناء على ذلك، تتحرك إيران وفق معادلة دقيقة: منع انفصال الجنوب وكسر نتائجه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وإبقاء السعودية في موقع الشريك الموضوعي في رفض هذا المسار، مع الاستمرار في استثمار الانقسام اليمني والتناقضات الإقليمية لإحباط أي محاولة لفرض واقع انفصالي مستقر.
وفي حال فشل الجهود السياسية أو التفاهمات التكتيكية في كبح هذا المسار، فإن طهران تبدو مستعدة للانتقال إلى مستويات أعلى من الضغط، انطلاقا من قناعة راسخة بأن إعادة هندسة البحر الأحمر لن تمر من دون كلفة، وأن جنوب اليمن سيبقى ساحة كسر لأي مشروع إقليمي يتجاهل موازين القوة القائمة.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.