إيران من الداخل: هبوط العملة الإيرانية والإصلاحات المالية الممكنة
يشكل سقوط الريال الإيراني خلال العقدين الأخيرين واحدة من أبرز ظواهر الاضطراب الاقتصادي في إيران، ليس لأنه يعكس أزمة نقدية فحسب، بل لأنه يكشف مقدار العطب الكامن في بنية الاقتصاد الإيراني.
العملة الوطنية ليست رقما على شاشات الصرف، بل مؤشر حساس على مدى الثقة، والانسجام المؤسسي، وتماسك السياسات العامة. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن هذه المؤشرات جميعها قد وصلت إلى مستويات حرجة جعلت من الريال أكثر عملات الإقليم هشاشة وتقلبا. وما يزيد هذه الأزمة تعقيدا، أنها لم تعد قابلة للتفسير عبر الأدوات الاقتصادية التقليدية وحدها، بل باتت تتطلب مقاربة تجمع بين السياسة والاقتصاد والإدارة العامة، وهو ما تؤكده تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومركز أبحاث البرلمان الإيراني التي تصف التضخم المستمر وتدهور العملة بأنهما نتاج “بنية سياسية – اقتصادية غير مستقرة” أكثر من كونهما نتيجة ضغوط خارجية فقط.
يتوزع الاقتصاد الإيراني بين أطراف متعددة تمتلك نفوذا وصلاحيات واسعة، بعضها يعمل خارج إطار الرقابة الحكومية التقليدية. يمنع هذا التشظي في مراكز اتخاذ القرار صياغة سياسة اقتصادية موحدة، ويجعل أي محاولة للإصلاح – مهما كانت صائبة من الناحية التقنية – عرضة للتعطيل أو المساومة السياسية. وما تكشفه السنوات الأخيرة هو أن غياب المركزية الاقتصادية لا يؤدي إلى اقتصاد أكثر تنافسية بل إلى اقتصاد أكثر ضبابية، حيث تتناقض السياسات، وتُستنزف الموارد، وتتراجع الثقة لدى المواطنين والمستثمرين على حد سواء. كما أن العقوبات الدولية، رغم تأثيرها الكبير، لم تكن السبب الأول في الانهيار، بل جاءت لتظهر هشاشة كانت قائمة أصلا. تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن اعتماد إيران شبه الكامل على النفط جعلها عرضة للتقلبات الجيوسياسية، وأن فشلها في بناء اقتصاد متنوع أضاع فرصة حماية العملة من الصدمات الخارجية.
بدوره، التضخم المزمن، لم يعد مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل أصبح السمة الأكثر رسوخا في الاقتصاد الإيراني. فالحكومات المتعاقبة لجأت مرارا إلى تمويل العجز عبر طباعة النقد أو الاقتراض من البنك المركزي، وهي سياسات قصيرة المدى تُستخدم لاحتواء الأزمات الاجتماعية لكنها تؤسس لأزمات نقدية أعمق. ومع الزمن، تحول التضخم إلى ظاهرة مركبة تتغذى من عامل نفسي بقدر ما تتغذى من السياسات المالية.
المواطن الإيراني اليوم – كما توضح تقارير صندوق النقد الدولي – بات يتوقع انخفاض قيمة الريال قبل أن يحدث، ويتصرف بناء على هذا التوقع، فيسارع إلى شراء العملات الصعبة أو الذهب أو العقار، مما يزيد الضغط على العملة ويخلق تضخما ذاتيا تتصاعد وتيرته حتى في غياب محفزات اقتصادية مباشرة.
ومع تراجع قيمة الريال، بدأ المجتمع الإيراني يختبر تحولات اجتماعية عميقة. فقد شهدت السنوات الأخيرة انكماشا واضحا للطبقة الوسطى وارتفاعا لعدد الأسر التي تواجه صعوبة في تغطية احتياجاتها الأساسية. لم يعد الادخار بالريال خيارا واقعيا، ولا شراء منزل حلما قابلا للتحقق؛ بل أصبح الاستقرار الاقتصادي مرتبطا بقدرة الأسرة على التحوط المالي. وهذا التحوط لم يعد سلوكا خاصا بفئة محددة، بل أصبح ممارسة عامة تشمل مختلف الطبقات، وهو ما يؤكده تزايد الطلب على الذهب والعملات الأجنبية والعملات المشفرة. لقد فقد الريال دوره الاجتماعي كحامل للقيمة، وتحول إلى مجرد وسيلة للمعاملات اليومية لا أكثر.
وبموازاة ذلك، توسعت السوق السوداء وتضخم الاقتصاد الموازي إلى درجة باتت تهدد سيادة الدولة في المجال الاقتصادي. فمنذ اعتماد أسعار صرف متعددة، نشأت بيئة مواتية للتهريب والمضاربة، وأصبح تحقيق الأرباح يعتمد على الفارق بين الأسعار أكثر مما يعتمد على الإنتاج الحقيقي. هذا الواقع، الذي تحذر منه تقارير البنك الدولي، يجعل من أي محاولة لإصلاح سعر الصرف مهمة شبه مستحيلة دون معالجة جذرية لبنية الاقتصاد الموازي وشبكات النفوذ التي تستفيد من استمراره.
وهنا يظهر السؤال الجوهري: لماذا تفشل محاولات الإصلاح في إيران رغم وضوح المشكلة ورغم تكرار التوصيات الدولية؟
الإجابة ليست اقتصادية بقدر ما هي سياسية. فالإصلاحات المطلوبة – مثل توحيد أسعار الصرف، وتقليص الدعم غير الفعال، وإصلاح النظام المصرفي، وإعادة هيكلة الإنفاق العام – تتطلب مواجهة مصالح قوية تستفيد من الوضع القائم. وتوحيد سعر الصرف وحده، على سبيل المثال، يعني إنهاء فرص ضخمة للمضاربة ولتحقيق أرباح استثنائية، وهذا وحده كفيل بجعل الإصلاح معركة أكثر منها سياسة اقتصادية. يضاف إلى ذلك أن رفع الدعم أو تقليص حجم الدولة الاقتصادي قد يؤديان إلى اضطرابات اجتماعية، وهذا ما يجعل الحكومات مترددة في تبني هذه الخيارات الصعبة. وفي غياب مؤسسات مستقلة – وخاصة بنك مركزي يتمتع بصلاحية حقيقية – تبقى السياسات النقدية رهينة للقرارات السياسية قصيرة المدى.
أما السياسة الخارجية فلها دور محوري لا يمكن تجاهله. فقد أظهرت تجربة الاتفاق النووي عام 2015 كيف يمكن لانفراج سياسي أن يؤدي إلى تحسن سريع للريال وتدفق الاستثمارات وعودة جزء من الثقة إلى السوق. لكن هذه التجربة نفسها كشفت محدودية التحسن عندما لا تكون هناك إصلاحات داخلية موازية. فمع أول إشارة لعودة التوتر، عاد الريال إلى الانخفاض، ما يدل على أن الاستقرار النقدي في إيران يقوم على أسس هشة تعتمد على الظروف الخارجية أكثر مما تعتمد على القوة البنيوية للاقتصاد.
وبالنظر إلى مجموع هذه العوامل، يمكن استشراف ثلاث مسارات رئيسية لمستقبل العملة الإيرانية خلال السنوات المقبلة.
يتمثل المسار الأول في استمرار الوضع الحالي دون إصلاحات جدية، وهو المسار الأكثر احتمالا في المدى القريب. في هذا السيناريو سيواصل الريال تراجعه، وسيتوسع الاقتصاد الموازي، وستزداد الضغوط الاجتماعية على الطبقة الوسطى، فيما يفقد الاقتصاد الرسمي المزيد من الحيوية.
أما المسار الثاني فهو حدوث انفراج سياسي خارجي، سواء عبر اتفاق نووي جديد أو عبر تخفيف جزء من العقوبات. هذا السيناريو سينعش الريال بسرعة، لكنه لن يحقق استقرارا طويل الأمد ما لم يُستثمر الانفراج في تنفيذ إصلاحات داخلية.
أما المسار الثالث — وهو الأصعب لكنه الأكثر أهمية — فهو مسار الإصلاح البنيوي الشامل، حيث يعاد بناء المؤسسات الاقتصادية، ويُمنح البنك المركزي استقلالية حقيقية، ويوحد سعر الصرف، وتقلص أدوار المؤسسات غير الخاضعة للرقابة، ويفتح المجال أمام القطاع الخاص. هذا المسار بحاجة إلى إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة وتضع مصلحة الاقتصاد على المدى الطويل فوق اعتبارات التوازنات الداخلية.
استشراف مستقبل الريال الإيراني يتطلب إدراك أن الأزمة ليست نقدية فقط، بل هي انعكاس لمشهد سياسي واقتصادي أوسع. فكلما تراكمت القرارات قصيرة المدى، وكلما طغت الاعتبارات السياسية على الاقتصادية، وكلما غابت الشفافية عن الأداء المؤسسي، زادت هشاشة العملة وضعفت قدرتها على أداء وظيفتها الطبيعية في المجتمع. وما لم يتحقق تحول بنيوي تدريجي، ستظل العملة عرضة للصدمات، وسيظل المجتمع الإيراني يعيش حالة مستمرة من التحوّط والخوف الاقتصادي.
ومع ذلك، فإن المستقبل ليس مغلقا بالكامل. فالدول التي واجهت انهيارات مشابهة – كما يشير صندوق النقد الدولي في تقاريره – تمكنت من تحقيق استقرار طويل المدى حين توافرت الإرادة السياسية، وحين جرى تبني إصلاحات شجاعة ولو جاءت متأخرة. وإذا استطاعت إيران أن تستعيد قدرتها على التخطيط بعيد المدى، وأن تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وأن توفر بيئة أكثر شفافية ومساءلة، فإن الريال يمكن أن يستعيد جزءا من قيمته، ويمكن للاقتصاد أن يعود إلى مسار نمو أكثر استدامة. لأن القيمة الحقيقية للعملة لا تصنعها الأسواق وحدها، بل يصنعها الإجماع الوطني حول ضرورة الإصلاح، وإرادة الدولة في إعادة بناء الثقة التي تعد أساس أي استقرار اقتصادي.