البيانات لا تكفي: هل آن لمصالحة إيران والسعودية أن تقف على قدميها؟
لم يعد السؤال بعد لقاء طهران الثلاثي (ديسمبر 2025) ما إذا كانت المصالحة السعودية الإيرانية لا تزال قائمة، الأهم من ذلك هو التساؤل عن كيفية تحصين هذه العلاقة ضد التقلبات أو الاتكاء المفرط على وسيط خارجي (الصين). الاجتماع، الذي عُقد في العاصمة الإيرانية بحضور رسمي سعودي وبرعاية صينية، لم يكن حدثًا بروتوكوليًا بقدر ما كان اختبارًا لصلابة المسار الذي انطلق من بكين عام 2023: هل هو مسار قائم بذاته، هل يبدي الطرفان القدر المطلوب من التفاعل والالتزام أم أنه مجرد تفاهم هشّ يستمد بقاءه من المظلة الصينية؟
يحمل انعقاد الاجتماع في طهران، بعد قرابة ثلاث سنوات على اتفاق بكين، رسالة سياسية واضحة: الرياض وطهران راغبتان في تثبيت المصالحة وعدم السماح للتوترات الإقليمية بنسفها. الحضور السعودي الرسمي على الأراضي الإيرانية عكس مستوى من الثقة لم يكن متاحًا قبل سنوات قليلة، فيما أرادت بكين من مشاركتها التأكيد على استمرار دورها كراعٍ سياسي للمسار.
الخطأ الاستراتيجي – إن صح التعبير – هو في تحويل الوساطة الصينية من ميسّر إلى ضامن دائم. تمتلك الصين أدوات اقتصادية ونفوذًا سياسيًا، لكنها لا تملك لا الإرادة ولا القدرة على إدارة صراعات الشرق الأوسط بالنيابة عن أطرافه. المصالح الصينية براغماتية، وتبدّل أولوياتها سيبقى احتمالًا قائمًا. من هنا، فإن أي رهان طويل الأمد على “الضمانة الصينية” هو رهان ناقص ولن يمنع العلاقات السعودية الإيرانية من أن تقع في انتكاسة جديدة.
البيان الختامي، الذي شدد على احترام السيادة وعدم التدخل وأدان الاعتداءات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وسوريا، ودعم تسوية سياسية في اليمن، قدّم صورة تقارب سياسي في ظاهره. لكنه، في جوهره، يبقى إطارًا سياسيًا عامًا لا يرقى بعد إلى مستوى التفاهمات الصلبة القابلة للصمود دون وسيط. هذه المواقف والقرارات المشتركة يجب أن تتحرر من كونها صياغات مكررة في البيانات إلى مواقف وقرارات نافذة على الأرض.
استقرار مُدار لا شراكة مكتملة
المشهد في المجمل ليس سلبيًا، فمنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية عام 2023، تحقق تقدم ملموس. عادت سفارات البلدين للعمل، تم تعيين السفراء، تشكيل لجنة ثلاثية، وتبادل الطرفان زيارات سريعة لمسؤولين رفيعين. عمليًا، انعكس ذلك في تهدئة ساحات الاشتباك غير المباشر، خصوصًا في اليمن بالتوازي مع ضبط إيقاع التنافس والصراع في العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى تسهيلات لافتة في ملف الحج والتبادل الثقافي.
لكن هذا الاستقرار يبقى استقرارًا حذرًا ومُدارًا لا شراكة استراتيجية. الملفات الخلافية الكبرى لم تُحل لكن جرى تجميدها. أحداث 2025 الإقليمية، بما فيها المواجهة العسكرية الإيرانية الإسرائيلية، كشفت أن المصالحة لا تزال قابلة للاهتزاز، رغم أن الرياض حرصت على عدم الانجرار إلى منطق المواجهة، ما أنقذ مسار العلاقات من الانهيار.
بالنسبة لإيران المنهكة والمحاصرة سياسيًا واقتصاديًا، العلاقات مع السعودية لم تعد ترفًا دبلوماسيًا. وفي علاقات طهران المتعثرة مع واشنطن، تبدو الرياض قناة وازنة ومؤثرة يمكنها تخفيف الاحتقان وفتح مسارات تواصل موثوقة مع الرئيس دونالد ترامب. في لبنان، لا يمكن لأي تسوية أن تمر دون قبول سعودي، وهو ما تحتاجه طهران لتخفيف الضغط عن حزب الله ومنع انفجار الساحة اللبنانية. اقتصاديًا، يشكل التقارب مع السعودية فرصة اقتصادية واعدة. بعبارة أوضح: السعودية هي بوابة كبيرة يمكن لإيران أن تستثمرها وأن تراهن عليها للخروج من العزلة.
ما الذي تنتظره الرياض؟
في المقابل، لا تنظر الرياض إلى المصالحة بوصفها غاية رمزية بل كأداة أمنية وسياسية وطريق مختصرة لصناعة حلول وتثبيت نفوذها في أكثر من منطقة. وعليه، ليس المطلوب من إيران بيانات أو تصريحات حسن نية بل خطوات عملية وقابلة للقياس، خصوصًا وأن وولي عهد السعودية ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، وعلى نقيض الإيرانيين، هو شخصية عملية وتواقة للنتائج السريعة والمباشرة.
أولاً: تريد السعودية انتقالًا حقيقيًا من منطق المنافسة الأمنية إلى الشراكة في أمن الخليج، وذلك عبر تفاهمات عدم اعتداء وآليات إنذار وتنسيق استخباراتي شفاف.
ثانيًا: تريد السعودية تسوية حقيقية في اليمن تكبح تهديدات الحوثيين لا مجرد تهدئة تكتيكية، يشمل ذلك قبول الحوثيين بالانضمام للشرعية السياسية التي تمر بأسوأ حالاتها في جنوب اليمن.
ثالثًا: تحتاج السعودية إلى ضبط سلوك إيران الإقليمي، وفي مقدمة ذلك احترام سيادة دول الخليج، وقف استخدام الوكلاء والمواطنين الشيعة في السعودية والبحرين والكويت كأدوات ضغط، والتعامل الجاد مع الملفات الخلافية المزمنة، ومنها ملف التنازع مع الكويت على الطاقة الغازية.
دون ذلك، ستبقى الثقة السعودية مشروطة ومحدودة، مهما تحسنت اللغة السياسية بين الطرفين.
جوهر المعادلة: المصالح أهم من الوسطاء
تستطيع إيران الرهان على علاقاتها مع السعودية في تخفيف ما تتعرض له من ضغوط إقليمية ودولية، لكنها، حتى الآن، لم تحصل على شيء وازن. كذلك السعودية، لا تزال الرياض تنتظر سلة حوافز طهران في اليمن وغيرها من الملفات. وبالتوازي مع كل هذه الانتظارات، يكبر نفوذ إسرائيل في المنطقة ويتمدد. وهو ما لا يرغب فيه أي من الطرفين.
إن استمرار المصالحة السعودية الإيرانية لا يمكن أن يُبنى على الوساطة الصينية وحدها. ديمومة العلاقة بين طهران والرياض مرهونة بتشبيك المصالح. المصالح السياسية والاقتصادية والتفاهمات الأمنية الصلبة، والآليات السياسية التي يمكنها أن تمنع عودة البلدين إلى منطق الصفر مجددًا.
يمكن لإيران أن تكسب من العلاقة مع الرياض كسر العزلة وتوسيع هامش الحركة وتخفيف الضغط على الحلفاء، خصوصًا في لبنان. ويمكن للسعودية أن تكسب تحييد تهديد استراتيجي وتوازنًا إقليميًا يعيد نفوذ إسرائيل المتصاعد في المنطقة إلى حدوده السابقة، ويسمح للرياض التركيز على أولوياتها التنموية. هذا التقاطع هو الضمان الحقيقي وهي مساحة الاختبار الحقيقية للنوايا.
إن نجاح الطرفين في تحويل هذا التقاطع إلى تحالف مصالح صلب، سيحول دور الصين تلقائيًا من دور “الضامن” إلى “الشاهد”، وهو الموقع الطبيعي لأي قوة خارجية في نظام إقليمي ناضج. أما إذا بقيت المصالحة معلّقة على الوساطة، فستظل قابلة للاهتزاز في أي لحظة. يضاف لذلك أن هذا التحول في دور الصين سيكون موضع ترحيب في واشنطن.
الاختبار الحقيقي لنجاح وديمومة مسار العلاقات بين طهران والرياض هو في مدى استعداد البلدين لبناء علاقة تقف على قدميها دون عكّاز دولي، وهو ما لم يحدث حتى الآن.