مجلس التعاون الخليجي: بين واقعية اللحظة وعبء الأسئلة المؤجّلة

جاءت قمة المنامة في الثالث من ديسمبر 2025 وكأنها استدعاء قسري لمراجعة حسابات قديمة أكثر من كونها محطة بروتوكولية جديدة في سجل القمم الخليجية. اجتمع القادة في البحرين على وقع مشهد إقليمي ودولي معقد، حرب مدمّرة في غزة واشتباك إسرائيلي أمريكي إيراني وضربة عسكرية إسرائيلية على الدوحة وضغوط متصاعدة على بنية الأمن الإقليمي، بالتوازي مع تقلّبات حادة في أسواق الطاقة، وأهم من ذلك كلّه: على أرض سياسية لم تعد صلبة كما كانت قبل عقدين، لا على مستوى الإقليم ولا داخل مجلس التعاون نفسه.

البيان الختامي كالعادة، كان سخيًا في اللغة؛ إعادة تأكيد على “وحدة المصير” وحديث متكرر عن الأمن الجماعي، وعن الاتحاد الجمركي وعن سكة الحديد الخليجية وعن منظومة دفاع جوي موحّدة. لكن القراءة البطيئة لهذا النص تكشف أن المجلس ما زال يتحرك في المنطقة الرمادية بين طموح سياسي معلن لتجديد مشروع التكامل الخليجي، وبين واقع مؤسسي هشّ يجعل كلفة تحويل هذا الطموح إلى سياسات مُنجزة أعلى بكثير ممّا يُقال في قاعات الاجتماعات. كثير من الملفات التي أُعيد طرحها في المنامة ليست جديدة، بل هي مشاريع مؤجّلة تعيش منذ سنوات في هوامش البيانات أكثر مما تعيش في حياة المواطن الخليجي.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن قمة المنامة أعادت ترتيب جدول الأولويات: أعادت الاعتراف الصريح بتعثّر الاتحاد الجمركي والحاجة إلى جداول زمنية مُلزمة، وبثت الحياة مجددًا في ملف سكك الحديد الخليجية بوصفه مشروعًا بنيويًا عابرًا للحدود، وأكدت على تسريع العمل في منظومة الدفاع الجوي باعتبارها استحقاقًا لا يحتمل الترف السياسي والمشاحنات البينية بين دول المجلس. كما أعادت تثبيت الموقف الجماعي من القضية الفلسطينية في لحظة يُختبر فيها وزن أي موقف عربي وإسلامي إزاء ما يجري في غزة والأراضي الفلسطينية.

لكن تقييم قمة واحدة لا يكتمل دون وضعها في سياق الأعوام القليلة الماضية. فمنذ قمة العلا مطلع 2021 التي أنهت رسميًا الخلاف مع قطر، استعاد المجلس شكله المؤسسي لكنه، رغم ذلك، لم يستعد روحه بالكامل. الجغرافيا السياسية الخليجية تغيّرت جذريًا: السعودية تعيد تعريف ذاتها كقوة مركزية بمشروع تحوّل اقتصادي واسع، الإمارات تتحرك بثقة في فضائها الاقتصادي والدبلوماسي الخاص، قطر ثبّتت موقعها كفاعل سياسي مطلوب في وساطات كبرى من أفغانستان إلى غزة، فيما حافظت الكويت وعُمان على تموضعهما كقوتين تميلان إلى التحوّط والوساطة أكثر من المواجهة. البحرين بدورها تتحرك في هامش ضيق بين ثقل الرياض واندفاع أبوظبي. هذه الخارطة الجديدة تجعل من “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” أحد عناصر الحسابات الداخلية لكل دولة ليس أكثر. بالطبع، هو لا يزال إطارًا ضروريًا، لكنه لم يعد وحده مركز الثقل في صناعة قرار كل عاصمة.

مع ذلك، لا يمكن اختزال مسيرة المجلس في سردية التعثر. على امتداد أكثر من أربعة عقود، راكم المجلس رصيدًا لا يُستهان به من المنجزات التكاملية: إنقاذ الكويت من أن يبتلعها عراق صدام حسين، اتحاد جمركي أُطلق مبدئيًا في 2003 ولو ظل ناقصًا، سوق خليجية مشتركة أتاحت، بدرجات متفاوتة، حرية تنقل السلع ورؤوس الأموال والأيدي العاملة، شبكة ربط كهربائي خفّضت كلفة انقطاع الطاقة وعمّقت تبادلها بين الدول ومئات الاجتماعات الفنية التي وحدت معايير وتشريعات في التعليم والصحة والبيئة والمرور والتجارة، وصولًا إلى معاملة المواطن الخليجي في دول المجلس معاملة شبه متساوية في مجالات العمل والتملك والاستثمار. بهذا المعنى، كان المجلس، مقارنة بالتجارب العربية الأخرى، التجربة الأنجح حتى وإن بقي نجاحه “ناقصًا” أو غير مكتمل.

الوجه الآخر لهذه الصورة يكشف شبكة من الاختلالات المزمنة. مشروع الاتحاد الجمركي مثال كاشف: أكثر من عشرين عامًا بين إطلاقه وحديث القمم عن “استكمال متطلباته”، فيما تبقى المسائل الجوهرية، مثل توزيع العوائد الجمركية، معلّقة بين اللجان والدواوين. السوق الخليجية المشتركة لم تتحول إلى “وحدة اقتصادية” كاملة؛ حرية انتقال الخدمات لا تزال مقيدة في قطاعات بعينها، والسياسات الضريبية والمالية تتحرك في مسارات متباينة، من ضريبة القيمة المضافة إلى سياسات الدعم. مشروع العملة الخليجية الموحدة تعرّض لانتكاسة قاسية منذ انسحاب الإمارات من الاتحاد النقدي عام 2009، وتحوّل لاحقًا إلى ملف مجمّد لا يجرؤ أحد على إعلانه ميتًا ولا يملك أحد شجاعة إحيائه بشروط جديدة.

الأمر لا يتوقف عند الاقتصاد، الأزمات الإقليمية الكبرى كشفت حدود قدرة المجلس على التصرّف ككتلة واحدة. الحرب في اليمن تحولت إلى ساحة تُظهر اختلاف المقاربات الخليجية أكثر مما تُظهر وحدة القرار: السعودية والإمارات في تحالف عسكري مباشر لكنه موبوء بالاختلافات، عُمان بوابة الوساطة، الكويت وقطر في مساحة الإغاثة والدور السياسي. الأزمة الخليجية مع قطر نفسها جرت بالكامل خارج أطر المجلس؛ لم تُستدعَ أي آلية خليجية لتسويتها بل احتاجت إلى وساطة كويتية وإلى ضغط أمريكي مباشر، قبل أن تعود إلى مائدة القمة في العلا فقط لتُوقّع وثيقة المصالحة.

حتى في مواجهة جائحة كوفيد-19، عملت الدول بمصالحها وسياساتها الوطنية أكثر مما عملت كمنظومة صحية مشتركة، ومرّت الأزمة دون أن تترك خلفها مؤسسة خليجية متخصصة أو صندوق طوارئ صحي على مستوى المجلس.

في قلب هذه الصورة تكمن مشكلة بنيوية، يعيش مجلس التعاون على قاعدة الإجماع الكامل. أي اعتراض من عضو واحد قادر على تعطيل أي مشروع، وأي تحفّظ يكفي لتأجيل أي اتفاقية لسنوات. الأمانة العامة بلا صلاحيات تنفيذية حقيقية، وهي مجرد جهاز تنسيقي أكثر منه هيئة قادرة على فرض التزامات أو قياس أداء. الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى موجودة، لكنها بلا أنياب؛ تقارير تُرفع ثم تُطوى في الأدراج. آليات فض النزاعات منصوص عليها في النظام الأساسي، لكنها في الواقع معطّلة لصالح “المعالجات السياسية” المباشرة بين القادة، أو ترك الأزمة حتى تنضج تحت ضغوط خارجية.

تُضاف إلى ذلك حساسية توازنات القوة داخل المجلس. الشقيقة الكبرى السعودية، بثقلها الجغرافي والسكاني والاقتصادي، تشكل مركز الجاذبية الطبيعي للمنظومة، والدول الأصغر قبلت بهذا الدور إلى حد بعيد، لكنها في الوقت نفسه تقاوم، كل بطريقته، تحوّله إلى هيمنة. انسحاب الإمارات من مشروع العملة الموحدة كان تعبيرًا مبكرًا عن هذه الحساسية. علاقات بعض الدول الصغيرة بقوى إقليمية كعلاقات عُمان مع إيران وقطر مع تركيا في ذروة الأزمة الخليجية، كانت في أحد وجوهها بحثًا عن توازن خارجي إزاء ثقل الجار الكبير (السعودية). اليوم، تضيف التنافسات المكتومة بين الرياض وأبوظبي، وبين أبوظبي والدوحة، وبين الدوحة والمنامة، طبقة جديدة من التعقيد؛ من الصعب تصور مجلس متماسك إذا تحوّل التنافس بين هذه العواصم إلى صراع مكشوف على النفوذ والسوق والرمزية.

في هذا السياق، تعود قمة المنامة لتُظهر مفارقة لافتة: المجلس يرفع باستمرار شعار “وحدة المصير”، لكنه لم ينجز بعد الأدوات التي تجعل هذه الوحدة قابلة للحياة. الحديث عن الأمن الجماعي لا يصاحبه جهاز دفاع مشترك قادر على استيعاب صدمة هجوم صاروخي على عاصمة خليجية دون العودة الفورية إلى مظلة أمريكية أو غربية. الحديث عن السوق الواحدة لا يُترجم إلى اتحاد جمركي مكتمل أو إلى سياسة استثمارية منسّقة تمنع أن تتحول العواصم الخليجية إلى منافسين يقتطع كلٌ منهم حصة من حصة الآخر، وهو ما حدث ويحدث في صناعات الألمنيوم وقطاعات الطيران وحتى استضافة سباقات الفورمولا 1. الحديث عن الهوية الخليجية المشتركة يصطدم في لحظات التوتر بحملات إعلامية متبادلة تمزّق ما تبنيه عقود من التعليم والتقارب المجتمعي بين شعوب هذه الدول.

مع ذلك، لا يبدو الانهيار السيناريو الواقعي. لا تزال شبكة المصالح المتداخلة بين الدول الست فاعلة، كذلك ترابطها العميق في الطاقة والعمالة والمال، كلها عوامل تجبرها على البقاء داخل مظلة المجلس حتى عندما تتضايق من قيوده أو محدوديته. البديل عن المجلس ليس كيانًا أفضل بل فراغ تُسرع قوى أخرى لملئه. لذلك، يبدو أن السؤال الحقيقي بعد قمة المنامة ليس: هل يستمر مجلس التعاون أم لا؟ لكن بأي شكل يستمر؟ وبأي أدوات؟

من زاوية تقدير موقف، يمكن القول إن المجلس لا يفتقر إلى النوايا ولا إلى الخطاب، لكنه بات يحتاج إلى أدوات مؤسسية. إصلاح منظومة العمل الخليجي لم يعد ترفًا يمكن تأجيله من قمة إلى أخرى. المطلوب، في الحد الأدنى، ثلاثة مسارات متوازية: أولاً، إنشاء آلية ملزمة وذات مصداقية لحل الخلافات الداخلية قبل انفجارها، تستند إلى لجنة تحكيم أو محكمة خليجية تُلزم الدول بالتقاضي داخل البيت بدل الذهاب إلى المواجهات والحروب الإعلامية أو استدعاء العواصم البعيدة وطلب ودها. ثانيًا، منح الأمانة العامة وأي مفوضيات متخصصة تنشأ لاحقًا صلاحيات فعلية للمتابعة والتقييم ورفع تقارير علنية عن مستوى التزام كل دولة بما تقرره القمم، بما يحوّل “البيان الختامي” من نص بلاغي إلى جدول أعمال قابل للقياس. ثالثًا، إعادة تعريف العلاقة بين الرؤى الوطنية والمشروع الخليجي المشترك، عبر اتفاق سياسي صريح على حدود المنافسة وحدود التكامل، بحيث لا تتحول الطموحات المشروعة لعواصم المجلس إلى لعبة “جمع صفري” يخسر فيها الجميع.

العالم حول الخليج يتحرك بسرعة: موازين القوى تتبدل، الاقتصاد العالمي يدخل طورًا جديدًا، وساحة الطاقة نفسها التي كانت ضمانة قوة الخليج، تعاد صياغتها تحت ضغط التحوّل الأخضر والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. في هذا العالم، لا يكفي أن يتفاخر مجلس التعاون بإرث أربعة عقود؛ عليه أن يجيب عن سؤال أبسط وأكثر قسوة: هل يستطيع أن يتصرف كمنظومة تعيش زمنها أم سيظل يدير توازنات الأمس بلغته وأدواته؟

قمة المنامة لم تجب عن هذا السؤال، لكنها جعلته أكثر إلحاحًا. الإجابة لن تُكتب في البيان القادم بل في ما سيجري بين هذه القمة والتي تليها: في ما إذا كان الخليج مستعدًا لتحويل “وحدة المصير” من عبارة مطمئنة في البيانات إلى معادلة سياسية ومؤسسية تحكم قراراته حين تتعارض المصالح، لا حين تتطابق فقط.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.