بين التجنيس والملاحقة: هل تنجح دول الخليج في احتواء العائدين من سوريا؟

مثلت الحرب السورية مغناطيسًا للآلاف من المرتزقة والجهاديين خلال 14 عامًا من الصراع المسلح بين قوات النظام وحلفائه والألوية المسلحة المناهضة له.  بين أبريل 2011 و2015، قاتل ما يناهز 360 ألفًا من المقاتلين الأجانب في سوريا، قدموا من أكثر من 90 دولة، ما اعتبره مركز الدراسات الألماني فيريل في ذلك الحين: “أكبر تجمع للمقاتلين الأجانب في التاريخ”.

عاد الحديث عن التنظيمات المتطرفة المسلحة ودور المقاتلين الأجانب بعد الأحداث الدامية التي جدت في الساحل السوري ربيع 2025، ثم في محافظة السويداء جنوب البلاد في يوليو من العام نفسه.

يُطلق على هؤلاء المقاتلين اسم “المهاجرين” أو “المرتزقة”، لأنهم يُجندون للمشاركة في صراعات معينة بدوافع أيديولوجية أو سياسية أو عقائدية، وغالبًا ما يكون ذلك مقابل مكاسب مادية.

كانت قوات الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، القائد السابق لهيئة تحرير الشام، قد قررت الدخول إلى السويداء لاستعادة السيطرة عليها لكن الزعامات الروحية في المدينة، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري، والفصائل المسلحة التي تدعمه – والتي يُعتقد أن لها ارتباطات بإسرائيل – رفضت السماح لها بدخول القوات. نتج عن ذلك قتال بين الجانبين تطور إلى قتال بين البدو والدروز ودخلت إسرائيل على الخط لتقصف القوات الحكومية في السويداء وبعض المواقع السيادية في العاصمة دمشق بحجة الدفاع عن الأقلية الدرزية.

فوضى السلاح والخطاب التحريضي

 شهدت سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، عمليات متفرقة من العنف الطائفي نتيجة انتشار السلاح والجماعات المسلحة، وسط اتهامات للنظام الجديد بعدم تبني خطاب صريح ينبذ التحريض ضد الأقليات. الحكومة السورية الجديدة بدورها قالت في مايو الماضي إنها تعرضت لهجوم من داعش استهدف مقرات أمنية. وكانت داعش قد أعلنت مسؤوليتها عن نحو 33 هجومًا إرهابيًا منذ بدء العام 2025.

هذا العنف الذي لم يتوقف مع رحيل الأسد، كان دليلاً واضحًا على ثقل الجماعات المتطرفة المسلحة في سوريا، سنية كانت أو شيعية، سواء كانت داعش أو تنظيم جماعة أنصار السنة الجديد، وكلاهما تنظيمات انضم إليها مواطنون أجانب، من بينهم خليجيون.

عدد المقاتلين الخليجيين

قدر عدد المقاتلين الأجانب في سوريا بعشرات الآلاف، وبلغت ذروة تجييشهم ما بين العامين 2014 و2015 حين قفزت أعدادهم التقديرية من 12 ألفًا إلى نحو 31 ألفًا قدموا من 82 دولة، وفق ما كشفه حينذاك تقرير أمريكي لصوفان غروب. كانت تونس أكثر دولة ينتمي إليها المقاتلون في سوريا بنحو 6 آلاف مقاتل، تليها السعودية بنحو 2500 ألف مقاتل وقدرت أعدادهم مصادر أوروبية بنحو 3 آلاف. تتضارب الإحصاءات لأعداد المقاتلين القادمين من دول الخليج لكنهم جميعًا انضموا لدوافع دينية وأيديولوجية، وقدموا أنفسهم على أنهم من السنة الذين يحاربون ضد نظام بشار الأسد “العلوي”. قبالة ذلك، دخل حزب الله اللبناني، كذلك بعض التنظيمات العراقية والأفغانية المسلحة لاحقًا، للدفاع عن نظام الأسد.

هذا الاستقطاب من الجانب الخليجي كان نتيجة حتمية لانتشار دعوات الجهاد التي أطلقها مؤتمر علماء المسلمين والمجلس التنسيقي الإسلامي العالمي في القاهرة في يونيو 2013 حين دعا إلى “النفور والجهاد بالمال والأرواح في سوريا”، وزادته دعوة الشيخ السعودي البارز محمد العريفي ورجال دين آخرون، إلى الجهاد في سوريا تأجيجا. كذلك، دعا رئيس اتحاد علماء المسلمين السابق يوسف القرضاوي (وهو رجل دين مصري حاصل على الجنسية القطرية) في عام 2013 إلى الجهاد في سوريا ضد النظام وضد حزب الله.

هذه الدعوات للقتال، قابلتها دعوات أخرى في الخليج تحذر من القتال في سوريا، من أبرزها فتوى الشيخ السعودي علي الحكمي أحد أعضاء هيئة كبار علماء السعودية حيث أفتى في عام 2012 بمنع الجهاد في سوريا دون الحصول على إذن السلطات السعودية، مستشعرًا الخطر الأمني على البلاد.

قاتل الخليجيون في صف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وفي جبهة النصرة المحسوبة على تنظيم القاعدة، وبشكل أقل في صفوف الجيش السوري الحر، في الكتائب التي تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، منها كتائب صقور الشام ودرع الشمال.

ويفسر استنفار بعض مواطني الخليج للقتال في سوريا  بوجود تركيبة وتاريخ جهاديين في منطقة الخليج قبل اندلاع الصراع في سوريا، وبالتحديد منذ الحرب في أفغانستان حين شارك مئات الخليجيين كمجاهدين في صفوف الأفغان ضد السوفييت، وبطبيعة الحال، كان أشهر هؤلاء المقاتلين والقادة السعودي أسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة السلفي الجهادي في عام 1988.

تاريخيًا، شارك المقاتلون الخليجيون في حروب أفغانستان والبوسنة وجمهوريات الاتحاد السوفيتي، كذلك في العراق واليمن وأخيرًا في سوريا.

وأحصى مركز فيريل للدراسات الألماني وجود ما يناهز 24 ألف مقاتل سعودي في سوريا بين 2011 و 2015 قتل منهم نحو 5990 شخصًا وفُقد 2700. غير أن الحكومة السعودية لا تعترف بهذه الأرقام، وأكدت وزارة الداخلية في عام 2016 أن 2000 سعودي فقط يقاتلون في تنظيمات جهادية في الخارج، وأن نحو 70٪ منهم يقاتلون في سوريا.

في عام 2014 كشفت صحيفة القبس الكويتية عن وجود نحو 200 كويتي يقاتلون في صفوف داعش في سوريا بعد “التغرير بهم على مواقع التواصل الاجتماعي”.

القادة في التنظيمات المسلحة

في يونيو 2017، أعلن التحالف الدولي بقيادة واشنطن مقتل الجهادي البحريني ومفتي تنظيم داعش، تركي البنعلي (34 عامًا)، الذي كان من أوائل الملتحقين بالتنظيم منذ تأسيسه. انتقل البنعلي إلى ليبيا عام 2013، ثم توجّه لاحقًا إلى الرقة في سوريا. وكان قد زار تونس عام 2012 خلال فترة حكم الإخوان حيث استُقبل في القاعة الشرفية بمطار قرطاج. لاحقًا، سُحبت منه ومن آخرين الجنسية البحرينية بعد تعيينه في منصب “الشرعي العام” للتنظيم.

ومن بين القياديين الخليجيين الآخرين في صفوف داعش، يبرز الكويتي محمد إموازي، المعروف بلقب “جون الجهادي”، وهو من فئة “البدون” وقد عاش في بريطانيا منذ صغره وتخرّج من جامعة وستمينستر. يُعتقد أن إموازي هو من نفّذ الإعدامات الشهيرة للتنظيم وظهر ملثّمًا وهو يضع السكين على رقاب الرهائن، مثل الصحفيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف.

أما السعودي بندر الشعلان، وهو ضابط سابق في أجهزة الأمن السعودية، فيُعد من الكوادر البارزة في داعش بسوريا. وتشير تقارير إلى دوره المحوري في تجنيد الخليجيين وحشد التبرعات لصالح التنظيم. إلى جانبه، كان الداعية السعودي عمر “أبو بكر” القحطاني من الأسماء البارزة، وقد تولى مسؤولية الشؤون الشرعية داخل التنظيم. كما يُذكر اسم عثمان آل نازح العسيري، الذي التحق بداعش عام 2013 وسافر للقتال في سوريا، ويُرجح أنه قُتل في السنة ذاتها.

في المقابل، انضم مقاتلون خليجيون آخرون إلى صفوف “الجيش السوري الحر”، المدعوم من دول خليجية، غير أن أعدادهم الدقيقة لا تزال غير معروفة حتى اليوم.

التنظيمات المتطرفة وأمن الخليج

بحسب دراسة صوفان غروب 2014، تتراوح أعمال غالبية المقاتلين في سوريا من معتنقي الفكر المتطرف، ما بين 18 و 29 سنة. وكان لانضمام مواطني دول الخليج إلى التنظيمات المتطرفة في سوريا، وبالخصوص تنظيمي داعش وجبهة النصرة، أثر مباشر على أمن دول الخليج واستقراره، لا سيما مع تنفيذ عمليات إرهابية في دول الخليج تزامنًا مع الحرب في سوريا استهدفت مساجد شيعية في السعودية والكويت التي شهدت تفجير مسجد الإمام الصادق في 16 يونيو 2015 وذهب ضحيته 27 شخصا وإصابة أكثر من 200. وقبل الكويت استهدفت داعش مسجدين للشيعة في الدمام والقديح (محافظة القطيف) في السعودية في شهر مايو 2015.

يمثل التحريض المذهبي أكثر الأدوات والأسباب شيوعًا لانضمام بعض الخليجيين في التنظيمات المسلحة في سوريا، لا سيما مع تبني داعش الهجمات ضد المساجد الشيعية في حملة أطلقت عليها حينذاك مسمى “حملة القضاء على الرافضين المشركين”. وسعت داعش من خلال استقطاب الخليجيين إلى نشر الفتنة الطائفية في دول الخليج، وهي ذات الاستراتيجية التي استخدمها أبو المصعب الزرقاوي في العراق.

إدماج الأجانب

بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 يزداد الحديث عن مصير ما تبقى من المقاتلين الأجانب في سوريا الذين تقدير أعدادهم بنحو  5 آلاف مقاتل، معظمهم من الإيغور والعرب. اقترحت واشنطن إدماج هؤلاء في الجيش السوري النظامي بعد أن أثنى الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع على دورهم في إسقاط الأسد.

لا توجد أدلة واضحة على وجود خليجيين في الوقت الراهن ضمن المقاتلين في سوريا، رغم ذلك، يشاع بأن هؤلاء المقاتلين إما يلتزمون الصمت والاختباء بطلب حكومي أو أنهم يقاتلون في صفوف تنظيم داعش. ومع عودة التنظيمات المتطرفة إلى الظهور في سوريا في عمليات العنف الطائفي في الساحل السوري والسويداء عاد الحديث عن مصير المقاتلين الأجانب ودورهم.

بالتوازي، يتساءل مراقبون عن مدى نجاح دول الخليج في التصدي للمخاطر التي قد تستجد جراء عودة هؤلاء الجهاديين من بؤر الصراع ومن بينها سوريا، على الاستقرار السياسي والأمني داخل هذه الدولة.

عملت دول الخليج منذ عام 2014 على منع جمع التمويلات للجماعات الجهادية وراقبت التجنيد على الإنترنت وانضمت إلى التحالف الدولي ضد داعش. كما تصدت للتنظيمات الإرهابية.

وفي حين تحدث الرئيس السوري أحمد الشرع في مايو الماضي عن نيته منح الجنسية السورية للمقاتلين الأجانب الذي عاشوا طويلاً في سوريا، تزداد التساؤلات حول ما إذا كان هذا سيشمل المقاتلين الخليجيين الذين بقوا في سوريا.

نية الشرع في توطين المقاتلين أثارت أيضًا مخاوف دول غربية من تحول سوريا إلى وجهة للتطرف حتى بعد انتهاء الحرب الطويلة، لا سيما بعد تعيين أجانب في مناصب عسكرية وازنة بعد سقوط الأسد.

لكن الأنباء التي حصلت عليها صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في أبريل الماضي تؤكد أن من عينوا في مناصب عسكرية رفيعة هم من مصر وتركيا والأردن. فيما قالت مجلة المجلة السعودية إن بين من حصلوا على مناصب قيادية مواطنون من ألبانيا وطاجيكستان وداغستان.

رغم تقديرات واشنطن بأن قدرات داعش القتالية في سوريا قد تقلصت إلى حد كبير إلا أن استخبارات دول غربية رصدت في الآونة الأخيرة سفر عدد من الأجانب إلى سوريا للانضمام إلى بعض التنظيمات القتالية، ما يعني أن فلول التنظيمات ما تزال قادرة على الاستقطاب في هذه المرحلة الانتقالية من عمر النظام السوري الجديد. وبالتزامن مع ذلك، رصدت قوات قسد الكردية المدعومة من واشنطن، محاولات هروب من السجن الذي تحتجز فيه ما يناهز 9 آلاف مقاتل من بينهم مقاتلون أجانب مع أسرهم.

خاتمة

بالنظر إلى تعقيدات المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، يظل مصير المقاتلين الخليجيين في هذا النزاع مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين الصمت الرسمي والتجاهل المتعمد، وبين تسريبات متقطعة تشير إلى حضور خافت أو متجدد في ساحات القتال. هؤلاء المقاتلون، الذين تحركوا بدوافع دينية أو أيديولوجية أو حتى شخصية، يمثلون اليوم معضلة أمنية وسياسية مزدوجة: فهم من جهة جزء من ذاكرة الحرب الطويلة، ومن جهة أخرى خطر محتمل إذا ما قرر بعضهم العودة إلى بلدانهم الأصلية أو استثمار ما اكتسبوه من خبرات قتالية في بؤر توتر جديدة.
في لحظة إقليمية تحاول فيها دول الخليج إعادة رسم أولوياتها الداخلية والخارجية، يفرض ملف “المجاهدين الخليجيين” نفسه كسؤال معلق: هل تطوي الحكومات الخليجية هذه الصفحة بهدوء أم أنها تستعد للتعامل مع تبعاته القادمة، سواء على هيئة عودة فردية صامتة أو انفجار أمني مؤجل؟

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.