خلل النظرية والتطبيق لدى المعارضة الخليجية المُتخيلة

كشفت التجارب الفاشلة/المهزومة لحركات الربيع العربي منذ أواخر عام 2010م عن أوجه الخلل والتراجع التي تعيشهما المُعارضات السياسية في الخليج. يبدو مِن الصعب الجزم بتواجد كُتل سياسية صلبة معارضة داخل معظم بلدان الخليج، إذ غالباً ما يتكون مشهد المعارضة الخليجية من أفراد ذوي نزعات ثقافوية – حقوقية من النخب الخليجية، أو تتشكل المعارضة داخل أطر العائلات الحاكمة نفسها، أو تأخذ سياقاتٍ إقتصادية ذات بُعد طائفي. 

وبالرغم من هذا التنوع في روافد المعارضة الخليجية سنحاول أن نجمع المعارضات الخليجية تحت عناوين عريضة، حيث العطب لم يتوقف عند المعارضة الإشتراكية والقومية الوطنية التي هيمنت في عقود سابقة، بل أصاب المعارضة الليبرالية ومعارضة الإسلام السياسي، على السواء. ولعل هذا ما شكل ضرورة لإسقاط عدسة النقد على النظرية والممارسة السياسية للمعارضات الخليجية للوقوف على الأسباب والعوامل الموضوعية والذاتية حول نظريتها وأداءها السياسي، وهذا النقد لا يحمل مُزايدة على التضحيات التي قدمها أبناء الخليج، أو تقليلاً من بطش السلطات اليومي ضد كل أشكال تكون الحياة السياسية في الدول العربية كافة والدول الخليجية خاصة، بل تأتي هذه الدراسة المُختصرة تعاطفاً مع أولئك الذين دفعوا حياتهم وحريتهم ثمنًا لأهداف آمنوا بها، ناضلوا لأجلها وضاعت بسبب غياب المنهجية وسوء الأداء من أفراد تصدروا المشهد السياسي كمعارضين.

طائفية العمل السياسي

بقت الطائفية التقليدية لقرون كبش محرقة يُبرر عُنف الأنظمة الحاكمة في أوروبا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية، في صراع بين الأديان تارة أو داخل الأديان نفسها تارة أخرى، مستندةً على كراهية متبادلة وغير عقلانية. في الحقيقة، غالبًا ما يكون ظهور الفكر الطائفي مُتعمدًا. 

اليوم، تعيش دول الخليج حالة جديدة من الطائفية، طائفية ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ آيلول وتقوم على البعُد السياسي تحديداً، وهي نتيجة لاقتران “الأسباب الثقافية الغير عقلانية للطائفية التقليدية” مع “البُعد الإقتصادي الريعي للنفط” لينتج “طائفية سياسية” تُمكن العائلات الحاكمة في الخليج أن تُحدد مَن يحصل على هباتها وعطاياها، وماهية هذه الهبات والعطايا، متى يُحصل عليها وأين. 

ولم تنجو الحركات المُعارضة في الخليج من السقوط في بئر “الطائفية السياسية” فقد عملت كل من الحركات السياسية في السعودية والبحرين والكويت – على سبيل المثال لا الحصر – على الحشد بناءًا على الهوية الدينية مستندين لقطبية (سنة – شيعة) مبتلعين طُعم العائلات الحاكمة التي شجعت هذا الإستقطاب الديني – الإقتصادي. 

هذا السقوط أضعف الشارع الخليجي، وصنع خطوط تقاطعية تَمنع التوافق بين القوى السياسية المُعارضة وهو ما حقق التوازن المطلوب للسلطات نحو الحصول على الموالاة الكاملة من طائفة دينية تنتمي لها، ليسهل تدجين الجزء المُعارض منها وإسترضاءه بإمتيازات مالية ضخمة تارة، وبالبطش بالطائفة الدينية الآخرى المُخالفة تارة أخرى. 

التمويل بين الخيانة والعجز

يشكل “الدعم المالي” أمرًا ضروريًا في عمليات الحشد الجماهيري وبناء قاعدة إجتماعية يستمد منها التنظيم/الفرد المُعارض شرعيته. لا تكفل القوانين السياسية والضمانات في الدساتير الخليجية ما يساهم في صنع معارضة سياسية لها كينونتها الخاصة، ومشروعها البديل. 

في الحقيقة، يمنع الإقتصاد النفطي الريعي لدول الخليج قيام هياكل تنظيمية سياسية معارضة “ذاتية التمويل” خارج إطار السلطات الحاكمة، حيث غالبية مواطني دول الخليج يعملون في القطاع الحكومي، ويعتمدون على هبات وعطايا الدولة، ما يجعل توافر الأموال مشروطًا بالتحالف مع الأسر الحاكمة والإندماج مع تيارها السائد. وهو ما يدفع الأحزاب -إن وجدت- والحَركات المُعارضة إلى المُهادنة مع النظام القائم، ومع مرور الوقت، وتأخر الدعم المادي المطلوب للوصول للجماهير ببرامج مستقلة ومتثقة مع مطالبهم وبيئتهم، تفقد المعارضة زخمها.

وقد فشلت المعارضات الخليجية حتي اليوم في توفير حلول حقيقية لمُعضلة التمويل الذاتي، فعلى سبيل المثال نسجل أن الحركة الشيرازية (شيعية) على الرغم من المعارضة الطويلة وحالة المُهادنة التي عايشتها بعدما وقعت مع النظام السعودي إتفاقية عام 1993م تسمح لهم بممارسة بعض الحقوق والشعائر الدينية بالإضافة للعفو العام من أي إتهامات، إلا أنها سقطت في فخ التمويل المذهبي أثناء الربيع العربي.

وقد أشار رئيس تحرير صحيفة الوسط البحرينية منصور الجمري الذي ينتمي لأحد الأسر الدينية الشيعية العريقة إلى أن خطاب الشيرازيين الصدامي مع الأسر الحاكمة في البحرين والسعودية وإعتمادهم على صلاتهم بجماعات وجمعيات عراقية وإيرانية في التعبئة والتمويل صعبا من موقف الحراك الشعبي ككل في ساحة اللؤلؤة البحرينية وأعطت مجانًا لنظام البحريني مبرراً ليرى أن ما يحدث مؤامرة خارجية تدعمها إيران لكي يبطش بكل مَن في الإعتصام.

كما أن الأخوان المسلمين والحركات السلفية بفروعها (سُنة) سقطت في فخ الموالاة وتحصيل مكاسب مالية ضخمة من الأسر السُنية الحاكمة في الخليج، ومع الربيع العربي وبروز الاخوان كقوة وبدء الإفصاح عن تابعيتها لدول بعينها كقطر وتركيا تآكل خطابهم، وصاروا كبش محرقة ثانٍ في أكثر دول الخليج.

وما نستنتجه من تجربتي التمويل الطائفي أعلاه، أن هذا التمويل سيصبح عائقًا ونقطة ضعف وقتما تريد أي حركة أو حزب سياسي أن يُعارض الأنظمة القائمة، ولهذا، يكون التمويل الذاتي وتعبئة الموارد داخليًا ليسا مسألة عبثية بل فعلاً يصنع مصداقية لدى الحواضن الشعبية الغير منضوية تحت لواء الحركات والأحزاب المعارضة، ويحقق للمعارضة إستقلالية القرار.

السلطة ليست هدف

المعارضة ليست وجاهة إجتماعية بل هي مشروع سياسي مُحكم للوصول إلى السلطة، أو المشاركة فيها، على أقل تقدير. وهو الأمر الذي لا نجده متوفراً في أغلب أدبيات وسياسات الحِراكات الخليجية المعارضة. 

الدساتير الخليجية أقرت بطبيعة الحُكم في دولة الخليج باعتبارها حِكراً على عائلة بعينها مقابل تقديم غالبية الخدمات الإجتماعية (وظائف، صحة، تعليم…إلخ) لرعايا هذه الأسر. 

المعارضات الخليجية التي تشكلت قبل وبعد حركات الربيع العربي لم تتطرق، أو أختلفت فيما بينها، حول طبيعة الحكم للدولة. الشارع البحريني الذي شهد التظاهرات الأكثر زخمًا في الخليج عام 2011، لم يستقر على طبيعة الحُكم الذي يريده، هل هي دولة جمهورية أم ملكية دستورية؟ إسقاط النظام أم إصلاح النظام؟ وهو ما شتت المعارضة وجعل جولات الحوار التي جرت بين المعارضة والسلطات عديمة الفائدة، أو بلا أثر ملموس، لأنها لم تقم على أطر قانونية تنفيذية واضحة بل على عموميات خطابية رددت كلمات فقط مثل (ديمقراطية، حرية… إلخ) دون النظر لآليات التنفيذ. 

التظاهرات في بعض بلدان الخليج (السعودية، الكويت، عُمان) والتي كانت في معظمها “سائلة”، أي بلا قيادة فعلية، اقتصرت على الشق الإقتصادي وتعاملت السلطات معها بطريقة العصا والجزرة، فقد قامت بعض البلدان الخليجية بتغييرات شكلية في النظام الإنتخابي وتقديم تسهيلات مادية ضخمة بالتزامن مع حملات إعتقال وتهجير وإسقاط جنسيات.

لا نظرية ولا تطبيق  

يعد مفهوم “الهيمنة الثقافية” أساساً نظريًا يمكن تخيله كدينامو يُنتج أدوات سلطة جديدة ومغايرة للنظام القائم، يعمل على تحسين مواقع الجماهير على الأرض، كما يهدف لتحويل الجماهير لقوة قادرة على القيام بنضال ثوري “مُنظم” وليس عفوياً يصل للعشوائية على غرار التظاهرات في بعض دول الخليج، وهذا ما يجعل من هذا التساؤل ضروريًا: هل تريد الشعوب في الخليج تغيير أو إصلاح أنظمتها فعلًا؟ أم أن هذا الافتراض إدعاء ومبالغة من مبالغات حقبة الربيع العربي؟ 

على كل حال عَمِلَ الفكر الليبرالي، وكذلك الإسلامي، وهما يهيمنان على التيارات العامة لحركات المعارضة الخليجية وفي ظل إختفاء أو إنعدام وزن قوى اليسار، على إنتاج إنتفاضات شعبية أو هبات مبنية على أسس تخلط بين المطالب السياسية والمطالب الحقوقية. ترفع هذه الحركات شعارات فضفاضة ومتأثرة بفكر دعائي وشحنات عاطفية تم تكريسها سابقاً في انتفاضات مثل ربيع براغ عام 1968، وانتفاضات أوروبا الشرقية 1989، وهبات الربيع العربي في تونس ومصر 2010-2011 والتي قدمت نفسها كنهاية للفكر الثوري الراديكالي؛ مثل ثورة أكتوبر البلشفية.

نتج عن ذلك قطع نظري وتطبيقي خطير مع فكرة أساسية لأي تغيير أو إصلاح، وهي ضرورة صُنع فكر بديل. ولذلك، أُعيد إنتاج الأنظمة من جديد أو أعطت لها مبررات ومسوغات للبقاء، نتيجة إنعدام تأثير فكر المعارضة في الحواضن الإجتماعية وعدم طرحها أي بديل فعال للجماهير.

فخ الإستبداد الشرقي

أعتقد أنه ولغياب نظرية متماسكة، خلطت النخب الخليجية المُعارضة غالبًا بين مفاهيم الدولة والمجتمع المدني والجماهير، دون النظر للمرحلة التاريخية لتكوين الدولة، وفهم أن الدولة ليست جهازاً للحُكم فقط، وإنما أيضاً جهاز للقمع على كافة الأصعدة، لا يمكن إستبداله إلا بنظام آخر يمكنه الهيمنة عبر مؤسسات وآليات جديدة ما دفع البعض للإنحياز لنظم إستبدادية عبر ادعاء مبدأ الخصوصية القُطرية (مثل أن الدولة عشائرية – قبائلية – سُنية… إلخ).

وهذه الخصوصية -السابق ذكرها- تشكل أحد أسباب رسوخ الأسر الخليجية في الحُكم، حيث ترتبط بالعائلات المالكة فئات بعينها من المجتمع إرتباطًا وجوديًا يقوم على مصالح وإمتيازات إقتصادية وإجتماعية تحصلها هذه الفئات دون غيرها مقابل الرضوخ والموالاة.  

في الواقع، إنحياز البعض للأسر الحاكمة لا يعود فقط إلى غياب أو تغييب المثقف الخليجي المُعارض عن الساحة، فقد سنحت للأخير فرصة للظهور لكن يبدو أنه لم يكن له مساحة أو قبول بين الطبقات الشعبية. أدى غياب أي رغبة اجتماعية واسعة النطاق في التغيير إلى فشل في تكون شبكة علاقات جديدة ثورية/ديمقراطية وتشييد مصالح مع البنى الاجتماعية القائمة، وبناءًا عليه، تحولت فكرة الثورة نفسها داخل الخليج العربي لفكرة “يوتوبيا” تحقق ذاتها وليست ممارسة مستمرة حيث تنتقل الحِراكات الجماهيرية من الإنتفاضة إلى التنظيم إلى الممارسة السياسية.

المعارضة تأكل أبناءها

تفتقد المعارضة الخليجية لوجود مجتمع مدني/سياسي يتمثل في أحزاب ونقابات مُستقلة، وهذا جعل الحراك الجماهيري القائم لا يفتقد فقط لنشاطات وأفكار سياسية فعالة للتغيير، بل لا يحتوي على أي فكر إجتماعي وإقتصادي وحتى أخلاقي ضروري ليُطرح كبديل لما هو قائم سابقًا والمطلوب تغييره.

إنعدام البدائل يجعل أفراد أي حراك والمُطالبِين بالإصلاح والتغيير أمام وجه “الدولة/الشرطي”، أي أن عليهم أن يواجهوا العنف القسري عبر الأجهزة السلطوية العسكرية والأمنية وترسانة القوانين التي تنتجها السلطة لمحاصرة دعوات التظاهر وتضييق الحريات لمنع أي خطر أو محاولات لخلخلة بنى النظام عبر وسائل التواصل الإجتماعي، مثال ذلك: تطبيق قانون “الجرائم الإلكترونية ” في أغلب البلدان الخليجية.

هذا الخلل في الممارسة للمعارضة وعدم وضع طبيعة الحكم والدولة والقوانين على رأس أولوياتها، والخلط والإكتفاء بالمفاهيم الحقوقية العامة مثل عدم التعذيب أو إنتخابات الصناديق مكن العائلات الحاكمة في الخليج على الإلتفاف على الجماهير والتحول من المواجهات المباشرة والصدام مع قوات الأمن (الشرطة والجيش)، والتخلي مرحليًا عن العنف المباشر لصالح ما يُعرف بـ “القوة الصامتة”. وتعني “القوة الصامتة” أن الأسر الحاكمة ونتيجة رعونة حركات المعارضة حولت عنفها تجاه المعارضين إلى ترسانة من القوانين أدت لتشريد مئات الأسر وطرد المئات من العمل وإسقطات الجنسيات والسجن والتعذيب والإختفاء القسري وأحكام الإعدام، وهذا لم يتم بشكل مباشر بل تم عبر محاكمات قانونية شكلت فيها أذرع العنف المباشر مجرد وسيط.

خاتمة
الإشارة النقدية المُختصرة لبعض أوجه الخلل في النظرية والممارسة لدى بعض النخب السياسية الخليجية تجعل من الضروري فيما بعد تقديم دراسة مُفصلة لإمكانية تشكل مُعارضة خليجية حقيقية على ضوء “فلسفة التاريخ” حتى نتمكن مِن الإستشراف بالمستقبل السياسي للمنطقة.

وعلى الرغم مِن الإحتكاك المباشر للخليجيين مع الواقع السياسي مع تفجر التظاهرات في العديد من البلدان مع الربيع العربي إلا أن الممارسة السياسية بفمهومها الأشمل، والذي يتضمن إعادة توزيع القوى والثروات داخل المجتمع، عبر طرح بدائل لأنظمة الحُكم القائمة، ما زالت غائبة.

يتبين لنا من قراءة الأحداث السياسية في بلدان الخليج وتعاطي ما تُسمى “المعارضة الخليجية” معها أننا أمام مجتمع مدني بدائي في أفكاره وأطروحاته على الرغم من إرتفاع معدلات التعليم والثروات الهائلة. ثمة خلل في توزيع الثروات كما أن نمط الحياة الإستهلاكي يمنع دورة الترقي الإجتماعي والسياسي والفكري في هذه البللدان. 

على أي حال؛ لا تبدو الصورة قاتمة في مجملها حول المعارضات في دول الخليج، بل قد تبدأ دورة حياة سياسية صحية في الخليج مع الوصول لمرحلة ما بعد النفط حين تتكون إقتصادات متنوعة. وهو ما يعني تكون طبقات وحواضن شعبية تبحث عن الحرية والممارسة الديمقراطية الفعلية لا الإجرائية، وصولاً لصياغات دستورية توافقية تؤسس السلم الإجتماعي، العدالة في توزيع الثروات، المساواة بين الجنسين، الحرية العقائدية والحد من التمييز الطائفي.

1. الخليج الطائفي: البحرين والسعودية والربيع العربي الذي لم يكن، المؤلف: توبي ماثيسن، ص 69