لماذا تهرول عُمان إلى تل أبيب؟

زار الرئيس التشادي إدريس ديبي نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إسرائيل في أول زيارة من نوعها لرئيس تشادي بعد أربعة عقود من قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بهدف ”التعاون بين البلدين لمكافحة الارهاب“ كما أكد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو (١).

يبدو أن تشاد ليست الدولة الوحيدة التي قررت مد يدها لاسرائيل والتطبيع معها، بعد أن كانت ومنذ تأسيسها عدوا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وكذلك لبعض دول أمريكا اللاتينية، وهي ذاتها الدول التي حافظت على موقفها على مدار عقود من الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقه في دولة مستقلة ضد الاحتلال الصهيوني.

فاجأ السلطان قابوس بن سعيد، سلطان عُمان العالم في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، باستقباله رئيس الوزراء الاسرائيلي لبحث ”سبل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط وأمور ذات اهتمام مشترك فيما يتعلق بتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط“ حسب بيان صادر عن مكتب نتنياهو (٢).

ولم يكتف الاستقبال على محادثات بين الطرفين، بل تعداه إلى مرافقة مسؤولون كبار خلال الزيارة من بينهم رئيس الموساد يوسي كوهين ومستشار رئيس الوزراء لشؤون الأمن القومي ورئيس هيئة الأمن القومي مائير بن شبات ومدير عام وزارة الخارجية يوفال روتيم ورئيس ديوان رئيس الوزراء يؤاف هوروفيتس والسكرتير العسكري لنتنياهو أفي بلوت، كما نشرت وكالات الأنباء العالمية صورا للسلطان يشرح لنتنياهو شرحا لخارطة عمان بالإضافة لصور زيارة الأخير وزوجته لدار الأبرا العمانية (٣)

وفي تعليق لوزير الخارجية العماني، يوسف بن علوي، على الزيارة قال: إنه “سبق زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، زيارة رئيس الوزراء الفلسطيني، فالسلطنة تهتم بالموضوع بشكل بالغ، الزيارة الفلسطينية والإسرائيلية تمت بطلب من كل منهما وجه إلى السلطان قابوس فى إطار ثنائي، الاثنان خرجا من الزيارتين أفضل حالا عن ذي قبل“، لافتا إلى أن “السلطان قابوس طرح على عباس ونتنياهو رؤيته وهي “محل قبول واستحسان“ (٤).

فيما قال عبدالله باعبود الباحث متخصص في الشرق الأوسط والخليج، المحاضر في جامعة كامبريدج: “لا اعتقد ان الزيارة مسألة تطبيع لمجرد التطبيع وقبول إسرائيل بدون ان يكون هناك تحرك على مستوى التسوية وإيجاد حل للقضية الفلسطينية بكل ثوابتها. اما عن التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج (…) فهو حقيقة قائمة بين معظم دول الخليج وإسرائيل ومنذ فترة ولو بطرق سرية“.

هذه الزيارة هي ليست الأولى لمسؤول اسرائيلي إلى السلطنة فقد زار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين مسقط في أواخر العام 1994، واستضاف شمعون بيرس، الذي خلف رابين، وزير الخارجية العماني في القدس العام 1995، وأنشأت كل من قطر وعُمان مكاتب تجارية لاسرائيل في العام 1996 ولكن تم إغلاقها بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في العام 2000 (٥).

كما كتب ستيفن أ. كوك وهو الحاصل على زمالة إيني إنريكو ماتيي لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية في مقال نشرتها مجلة ”فورين بوليسي“ نوفمبر الماضي أن ”الاماراتيون يستضيفون دبلوماسيون إسرائيليون في أبوظبي تحت غطاء الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وهناك تسريبات مستمرة عن اجتماعات منتظمة بين رؤساء الاستخبارات الإسرائيلية والمصرية والأردنية والخليجية، ومع ذلك، لم يتجاوز أي زعيم في الخليج الحدود كقابوس عندما اجتمع علانية مع نتنياهو“ (٥).

”ليست هناك علاقات دبلوماسية بين عُمان وإسرائيل لا قبل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لمسقط ولا بعد هذه الزيارة ففي الماضي، تحديدا في العام 1994 وعلى ضوء نتائج اتفاقية أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين جرت محادثات بين العمانيين والإسرائيليين أفضت إلى تبادل تمثيل تجاري محدود توقف بعد قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000.، ورغم زيارة نتنياهو المفاجئة للسلطنة، فإنه لا يبدو أن عُمان ستكون أول دولة خليجية تقيم علاقات مع الدولة اليهودية قبل حل القضية الفلسطينية، وتحقيق مطلب الفلسطينيين في حقهم تقرير مصيرهم في دولة مستقلة“، كما قال محمد اليحيائي، الكاتب والصحافي العماني.

وأضاف اليحيائي: ”وإذا كانت مسقط أول دولة خليجية تقيم علاقات مع الدولة اليهودية فلن تكون أول العواصم العربية التي يرفرف في سمائها العلم الإسرائيلي، ولن تكون العاصمة الخليجية الأولى التي يصدح فيها السلام الوطني الإسرائيلي، وقد رفرف العلم وصدح النشيد في أبوظبي في بطولة الجودو الشهر الماضي“، مشيرا إلى أن ”مسقط أيضا لن تكون العاصمة الأخيرة على الأرجح التي لن تقيم علاقات مع إسرائيل. هذا يتوقف بطبيعة الحال على تحولات المشهد السياسي في المنطقة خلال الفترة القادمة، وإذا ما كان الخليجيون سيواصلون سياسة الكيد على بعضهم البعض، أو سياسة (الأخوة الأعداء)“.

ردة فعل الشارع

يؤكد الباحث عبدالله باعبود أنه نظرا لعدم وجود مراكز استطلاع أو قياس رأي عام، فيصعب قياس الرأي العام بدقة ولكن ما اتضح من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ان هناك انقسام بين من هم معارضين للتطبيع بشكل عام وعلى هذه الزيارة بشكل خاص. وهناك من آثر الصمت لمعرفة أسباب وتداعيات الزيارة وهناك من لم يعارضها لإيمانهم بأن القيادة العمانية لن تقوم بهذه الخطوة إلا لمصلحة الشعب الفلسطيني وبالتنسيق مع القيادة الفلسطينية حيث قام محمود عباس بزيارة الى عمان قبل ايّام من زيارة نتانياهو، فقد كانت هناك مساحة من التعبير على الرفض خصوصا في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي“.

وشاطره الرأي الكاتب والصحافي محمد اليحيائي: “رفض الشارع العماني الزيارة وهذا متوقع، فالعمانيون مثل بقية الشعوب العربية ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها قوة احتلال تنتهك بصورة يومية حقوق الفلسطينيين، ولا تقيم وزنا للاتفاقات الدولية، لذا فقد استقبلت الزيارة بالرفض، خصوصا من قبل الجيل الجديد من ناشطي شبكات التواصل الاجتماعي.

ولم تقتصر ردة الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي على المغردين العمانيين بل شاطرهم في ذلك المغردون الخليجيون والفلسطينيون، فيما الكاتب البحريني عبد الله الجنيد في مقابلة تلفزيونية في أكتوبر (تشرين الأول) أن بلاده لن تستأذن أحدا في إقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل إذا ما وجدت أن مصلحتها تكمن في ذلك“. (٨)

الحكيم الخليجي

لطالما عرفت السلطنة بحياديتها إلا في القضايا القومية ودبلوماسيتها الحكيمة، فقد رفضت السلطنة ارسال قوات عسكرية تشارك في قمع المتظاهرين البحرينيين ضمن مشروع درع الجزيرة، كما لم تقطع العلاقات مع إيران كما فعلت دول الخليج الأخرى، كما إنها لم تتدخل في حرب اليمن كما فعلت السعودية والإمارات والبحرين، وكانت وسيطا فاعلا في التوصل لاتفاق حول النووي الإيراني وغيرها من المشكلات الإقليمية.

وهذا ما أكد عليه ستيفن أ. كوك في مقالتها في مجلة ”فورين بوليسي“ فقال: ”غالبًا ما لعب قابوس دور حلال المشاكل الإقليمي الهادئ والوسيط بين أولئك الذين لا يستطيعون -أو يفضلون عدم التحدث- إلى بعضهم البعض فمن المعروف أن معظم المباحثات الأساسية بين الولايات المتحدة وإيران حول الاتفاقية النووية للعام 2015 تم إجراؤه من خلال قناة عمانية، كما كانت هناك تكهنات على مدار العام الماضي، بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت تسعى لاستخدام مساعي مسقط في طهران للمساعدة في إنهاء النزاع المدمر في اليمن“ (٥).

ويرى كوك في المقالة ذاتها أنه ليس للسلطان الحالي أي وريث، وعندما يرحل نظرا لضعفه ومرضه الواضحين خلال السنوات الأخيرة، فأن القائد الجديد لعُمان يحتاج – أيا كان – إلى دعم سياسي ودبلوماسي من الولايات المتحدة لتعزيز استقرار البلاد وهذا ما قد يحدث في ظل الظروف العادية، لكن نظراً للصراعات والقوى – الداخلية والخارجية على حد سواء – التي تحيط بمنطقة الخليج، فلا توجد ضمانات. ”فدور عُمان في المنطقة كمحاور ووسيط متقن للصفقات يجعل مسقط مهمةً إلى أبعد من حجمها ومواردها، لكنها أيضاً ضعيفة فالعمانيون يجلسون بين إيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة واليمن فإذا لم يستطع السلطان أو خليفته الحفاظ على التوازن بين هذه الدول، فإن السلطنة قد تتورط في نزاعات سعت قيادتها إلى تجنبها“(٥).

بوابة الدعم الأمريكي

أكدت الولايات المتحدة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب على المزيد من التأييد لإسرائيل، الأمر الذي تمثل في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وحماية المصالح الإسرائيلية في مجلس الأمن والأمم المتحدة ودعم قانون القومية الذي اقرته حكومة نتنياهو وقطع المساعدات المالية عن الوكالة الأممية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.

فقد صرح الرئيس الأمريكي في نوفمبر (تشرين الثاني) للصحافيين “إذا نظرتم إلى إسرائيل، فإن إسرائيل ستكون في ورطة كبيرة من دون السعودية. فماذا يعني ذلك؟ هل تعتزم المغادرة؟ هل تريدون أن تغادر إسرائيل (المنطقة)”؟ (٦) فيما أكد ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في أوائل أبريل/نيسان الماضي، أن المملكة وإسرائيل تواجهان عدوا مشتركا يتمثل بإيران، كما قال إن الإسرائيليين لديهم الحق في العيش على أرض خاصة بهم. (٧)

لدى فان قابوس الحكيم رأى بأن إسرائيل هي بوابة الحصول على الدعم الأمريكي كما قال الباحث ستيفن أ. كوك: ”العمانيين يتوقعون من الإسرائيليين وأصدقائهم رد الجميل في واشنطن إذا صعبت الأمور على مسقط“.(٥)

فيما يرى باعبود أن ”الخطوة العمانية تعطي إشارة إيجابية لإسرائيل أنه في حال حل القضية الفلسطينية فأنه بالإمكان التعاون معها في شتى المجلات وأنها ستستفيد من عملية السلام كما جاء في مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز. لكن هذا كله مرتبط بانطلاق مفاوضات السلام وحل القضية الفلسطينية التى توقفت منذ فترة ووصلت الى طريق مسدود نظرا للتعنت الاسرائيلي وللموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل خصوصا بعد نقل السفارة الأمريكية للقدس الشريف واعتراف بها كعاصمة لإسرائيل“.

ويخالفه في الرأي الكاتب اليحيائي : ”أظن أن الزيارة مقدمة لتطبيع محتمل يأتي ضمن محاولة أميركية أوروبية لإطلاق حوار إقليمي مفتوح وشامل يعالج كل المشكلات والأزمات من القضية الفلسطينية إلى أزمة الصراع السعودي – الإيراني إلى مشكلة الحرب في اليمن، إلى أزمة حصار قطر، وسواها من المشكلات، لكن هذه المقدمة قد تطول وقد لا يكون التطبيع بالضرورة مباشرا كإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، إنما عبر أشكال مختلفة، تجارية ورياضية وفنية متنوعة“.

  1. https://www.mc-doualiya.com/articles/20181126-رئيس-تشاد-إدريس-ديبي-زيارة-تاريخية-إسرائيل-لقاء-نتانياهو
  2. https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN1N01WD
  3. https://arabic.rt.com/middle_east/978786-مراسلتنا-نتنياهو-يعود-إلى-إسرائيل-بعد-زيارة-إلى-سلطنة-عمان-التقى-خلالها-بالسلطان-قابوس/
  4. https://www.youm7.com/story/2018/10/27/أول-تعليق-للخارجية-العمانية-على-زيارة-نتنياهو-لمسقط/4006584
  5. https://foreignpolicy.com/2018/11/07/oman-just-bought-israeli-insurance/
  6. https://arabic.rt.com/world/984373-ترامب-لولا-السعودية-ستكون-إسرائيل-في-ورطة-كبيرة/
  7. https://arabic.rt.com/world/978166-ترامب-السعوديون-ساعدونا-كثيرا-في-ما-يخص-إسرائيل/
  8. http://www.aljazeera.net/news/arabic/2018/10/28/كاتب-بحريني-لن-نستأذن-أحدا-بإقامة-علاقة-مع-إسرائيل