أدت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وما ترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط. وبسبب الميزة الجغرافية لسلطنة عُمان، ازدادت الصادرات والإيرادات العامة. تمخضت عن ذلك تداعيات مالية وتجارية إيجابية، انتقلت ميزانية الدولة من عجز إلى فائض، كذلك حال الحساب الجاري. وبالنتيجة، تصاعدت الأصول الاحتياطية وتراجعت الديون العامة وتحسنت الاستثمارات الأجنبية.
أظهرت حرب إيران تأثير العلاقات السياسية والاقتصادية على العمليات العسكرية من جهة، ومدى أهمية الجغرافيا في المؤشرات الاقتصادية من جهة أخرى. متانة العلاقات العمانية الإيرانية، حيث تلعب مسقط دورًا محوريًا في الوساطة الدولية مع طهران، كانت السبب في أن تكون السلطنة أقل دول الخليج تعرضًا للهجمات العسكرية الإيرانية مقارنة ببقية دول الخليج.
أطلقت إيران على عمان 19 مسيرة استهدفت عدة مواقع من بينها ميناء الدقم وميناء صلالة، في حين تلقت الإمارات 521 صاروخاً باليستيا و2141 مسيرة.
بالتوزاي، حقق الموقع الجغرافي مكاسب جمة لعمان، فهي تقع في الجنوب الشرقي لشبه جزيرة العرب، يحيطها خليج عمان من الشمال الشرقي وبحر العرب من الجنوب الشرقي، وللسلطنة حدود برية مع السعودية والإمارات واليمن، أما مضيق هرمز فيقع في الشمال على شبه جزيرة مسندم العمانية.
يلعب هذا العامل الجغرافي دوراً محورياً في التجارة الخارجية، وتحتل المنافذ البحرية الواقعة على خليج عمان وبحر العرب المرتبة الأولى في التجارة الخارجية العمانية، وتأتي المنافذ البرية بالمرتبة الثانية، تليها المنافذ الجوية.
التأثير السلبي لإغلاق مضيق هرمز يبدو ضعيفًا في عمان مقارنة بجميع بلدان الخليج الأخرى لسببين أساسيين: الموانئ خارج مضيق هرمز واستمرار التجارة البرية. وباستثناء ميناء خصب في مسندم، تقع جميع الموانئ العمانية خارج المضيق: ميناء صحار وميناء الدقم وميناء صلالة. في عام 2025، رست بميناء صحار أكثر من ثلاثة آلاف سفينة محملة بسلع قيمتها 7389 مليون ريال. أي نحو 43.0% من المجموع الكلي لواردات عمان.
السبب الثاني في ضعف تأثير إغلاق مضيق هرمز يتعلق بأهمية التجارة البرية العمانية الإماراتية. فالإمارات هي الشريك التجاري الثاني من حيث صادرات عمان والشريك التجاري الأول من حيث وارداتها، 85.5% من هذه الصادرات و75.5% من هذه الواردات برية. رغم ذلك، يمر القسط الأكبر من التجارة الخارجية لعمان مع السعودية والكويت والبحرين وقطر والعراق بمضيق هرمز.
وفيما يخص التنظيم القانوني لهذا المضيق، يتعين الرجوع إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 التي تعالج جميع المسائل المتعلقة بحقوق وسيادة الدول على مختلف المناطق البحرية. وتنص على حرية الملاحة في المضايق للسفن المدنية والعسكرية. وحسب نظام المرور العابر المنصوص عليه في الاتفاقية لا يجوز للدول المشاطئة منع مرور السفن أو فرض رسوم على عبورها.
صادقت 166 دولة على هذه الاتفاقية بما فيها عمان والسعودية وقطر والبحرين والكويت والعراق. بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، قررت طهران إغلاق مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة حسب حمولتها: دولار واحد لكل برميل من النفط. كما ترى طهران أن من حق عمان تحصيل رسوم المرور كونها تقع على المضيق.
يرتكز الموقف الإيراني على مبادئ سيادة الدولة المشاطئة خاصة وأن طهران لم تصادق على الاتفاقية بل وقعت عليها فقط، وقررت تخصيص حصيلة الرسوم لإعادة اعمار البلد. أما عمان فقد أعلنت رسمياً التزامها بالاتفاقية التي صادقت عليها، وشددت على حرية الملاحة في المضيق وعارضت تحصيل رسوم على مرور السفن.
جدير بالذكر أن عدم المصادقة على الاتفاقية لا يعني بالضرورة عدم الاعتراف بحرية الملاحة في مضيق هرمز. الولايات المتحدة مثلاً تدعو إلى حرية الملاحة فيه لكنها لم تصادق على الاتفاقية، وكذلك حال الإمارات. تجدر الإشارة إلى أن المنظمة البحرية الدولية دعت إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز دون تدخل الدول المشاطئة، رغم ذلك، أخفق مجلس الأمن في اتخاذ قرار بفتح المضيق بالقوة.
ارتفاع أسعار وإيرادات النفط
عُمان دولة نفطية ليست عضواً في منظمة أوبك. بعد انسحاب الإمارات في الآونة الأخيرة لم يعد في هذه المنظمة من دول مجلس التعاون سوى السعودية والكويت، رغم ذلك، السلطنة هو عضو في أوبك+. وبالتالي، تلتزم بالقرارات الجماعية لا سيما ما يتعلق بتوزيع حصص الإنتاج، وينطبق هذا التوصيف على البحرين أيضًا.
يبلغ الاحتياطي النفطي المؤكد في السلطنة نحو 5 مليارات برميل، أي ما يعادل الاحتياطي في السودان. ولا يساوي سوى 1.8% من الاحتياطي السعودي. أما الإنتاج النفطي الحالي لعمان فيصل حسب الجهاز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى 1.052 مليون ب/ي. يخصص منه 0.196 مليون ب/ي للاستهلاك المحلي وتصدر الدولة 0.856 مليون ب/ي من الخام والمنتجات النفطية.
لا شك أن تأثير النفط العماني على المستوى العالمي ضعيف مقارنة بغالبية دول المنطقة، لا سيما السعودية والعراق وإيران، إذ لا تشكل صادرات النفط العمانية سوى 0.8% من الاستهلاك العالمي. لكن لا يجوز تهميش هذه الصادرات خاصة في الفترة الحالية التي تتسم بشح العرض جراء الحرب وتداعياتها، يضاف إلى ذلك أن عُمان بلد مصدر للغاز الطبيعي والغاز المسال، وهذه الصادرات كالصادرات النفطية ترتفع سنويًا. فقد انتقل إنتاج الغاز من 152.3 مليون متر مكعب يومياً في 2025 إلى 155.5 مليون متر مكعب يومياً في 2026.
جدير بالذكر أن لمضيق هرمز أهمية كبيرة في التجارة النفطية العالمية، فعن طريقه تمر عشرين مليون ب/ي أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي. لذلك، من البديهي أن ترتفع أسعار الخام نتيجة إغلاقه.
ولكن على الصعيد العملي لم تحرم السوق العالمية من عشرين مليون ب/ي لثلاثة أسباب:
السبب الأول هو المنافذ البديلة، فقد استطاعت السعودية تصدير نفطها عبر أنبوب يربط شرق البلاد بغربها في ميناء ينبع. كذلك فإن قسطًا كبيرًا من نفط الإمارات الذي بات ينقل من حبشان في أبو ظبي إلى الفجيرة على خليج عمان.
السبب الثاني زيادة الإنتاج النفطي في البلدان غير الخليجية، لاسيما روسيا وفنزويلا. والسبب الثالث السحب من الخزين الاستراتيجي لتهدئة السوق، حيث قامت الدول، لا سيما الصناعية، بالسحب من خزينها النفطي.
رغم هذه الأسباب، ارتفعت أسعار برنت من 71.4 دولاراً للبرميل في 27 فبراير 2026 (قبل بداية الحرب بيوم واحد) إلى 92.2 دولاراً في 6 مارس وإلى 109.2 دولاراً في 15 مايو. عندئذ يمكن حساب الإيرادات انطلاقاً من حجم الصادرات وهذه الأسعار.
لكن هذه الطريقة غير دقيقة في تقدير إيرادات عمان، لأن أسعار صادرات النفط العماني تتحدد بموجب العقود الشهرية الآجلة. لذلك سنحاول هنا حساب الإيرادات الشهرية وفق أسعار هذه العقود معتمدين الحسابات على صادرات قدرها 0.856 مليون ب/ي.
في شهر مارس، كانت أسعار هذه العقود 62.2 دولاراً للبرميل أي اقل بكثير من أسعار برنت. وعليه، لم تقد الحرب إلى ارتفاع إيرادات عمان فوراً، من هذا الجانب سجلت عمان خسائر مالية بسبب العقود الآجلة. في أبريل، ارتفع سعر نفط عمان قليلاً إلى 68 دولاراً فأصبحت الإيرادات ما يلي: 68 دولاراً للبرميل × 0.856 مليون ب/ي × 30 يوما = 1746 مليون دولار. بمعنى لم تختلف كثيراً إيرادات هذا الشهر عن إيرادات الشهر السابق.
أما في مايو فقد قفزت أسعار نفط عمان عالياً لتصل إلى 124.4 دولاراً، أي أعلى من معدل أسعار برنت.
بتطبيق المعادلة أعلاه تصبح إيرادات شهر مايو نحو 3301 مليون دولار، أي بزيادة هائلة قدرها 89% مقارنة بالشهر السابق. أما في يونيو 2026 فسيبلغ سعر نفط عمان 104.7 دولاراً، وستصل الإيرادات إلى 2688 مليون دولار. في يوليو 2026 سيبلغ السعر 106.0 دولاراً، أي عوائد قدرها 2812 مليون دولار.
ميزانية 2026: من العجز إلى الفائض
قدرت إيرادات ميزانية السلطنة في 2026 بمبلغ 11447 مليون ريال. منها عوائد نفطية قدرها 5752 مليون ريال. واعتمدت في حساب إيراداتها النفطية على سعر مرجعي بلغ 60 دولاراً للبرميل.
نلاحظ أن إيرادات النفط تعادل نصف الإيرادات الكلية للدولة، الأمر الذي يشير إلى الأهمية القصوى للنفط في المالية العامة العمانية، وتزداد الأهمية عند إضافة عوائد الغاز. وقدرت النفقات العامة بمبلغ 11977 مليون دينار. وهكذا، نظمت هذه الميزانية بعجز قدره 530 مليون ريال.
بطبيعة الحال يزداد العجز إذا كان سعر العقود الآجلة اقل من السعر المرجعي. وبالعكس، ينخفض العجز وقد تحقق الميزانية فائضاً في حالة ارتفاع سعر العقود الآجلة مقارنة بالسعر المرجعي.
قرر قانون هذه الميزانية تغطية العجز من مصدرين: المصدر الأول السحب من الاحتياطي النقدي للبنك المركزي بمبلغ 400 مليون ريال، والمصدر الثاني اللجوء إلى القروض الداخلية والخارجية بالمبلغ المتبقي أي 130 مليون ريال. وعلى هذا الأساس يقود العجز إلى تناقص الاحتياطي النقدي فتهبط المقدرة المالية للدولة، وترتفع المديونية العامة.
لكن الإيرادات النفطية ارتفعت فعلياً بمعدلات تفوق بكثير توقعات الميزانية. وفق الحسابات أعلاه، ستصل الإيرادات النفطية الفعلية للأشهر الثلاثة مايو ويونيو ويوليو 2026 إلى 3394 مليون ريال، في حين بلغت تقديرات الميزانية لهذه الأشهر 1928 مليون ريال. وبالتالي، ستنتقل الميزانية في نهاية السنة من عجز قدره 530 مليون ريال إلى فائض بمبلغ 936 مليون ريال على افتراض عودة أسعار النفط بعد شهر يوليو إلى مستواها في فبراير 2026.
لكن يتعين إدخال عامل آخر في الحساب وهو تزايد الإنفاق العسكري العماني بسبب الهجمات الإيرانية. علماً بأن المصروفات العسكرية مرتفعة أساساً فقد بلغت في الميزانية الحالية 3160 مليون ريال أي 25.3% من إجمالي الإنفاق العام. وبكيفية عامة قادت الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع إيرادات الدولة الداخلية كما أدت إلى تحسن ماليتها الخارجية.
المالية الخارجية تزدهر
في 2025 وضع صندوق النقد الدولي (مشاورات المادة الرابعة) جدولاً يتضمن توقعاته للحساب الجاري العماني لعام 2026. نستنتج ما يلي من قراءة أرقامه: هبوط صادرات النفط والغاز من 38.6 مليار دولار في 2025 إلى 36.0 مليار دولار في 2026. وعليه، تنخفض الصادرات الكلية. وبسبب انخفاض الصادرات الكلية ينتقل عجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات من 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 3.4% منه في 2026. وبسبب ارتفاع عجز الحساب الجاري يتراجع الاحتياطي النقدي من 19.3 مليار دولار في 2025 إلى 17.8 مليار دولار في 2026.
ولكن الحرب على إيران وما ترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز أدت كما رأينا إلى تصاعد أسعار النفط العماني اعتباراً من مايو 2026. عندئذ ارتفعت حصيلة الصادرات، وسوف يستمر هذا الارتفاع مع استمرار الإغلاق. عندئذ، أصبحت توقعات الصندوق التي وضعت قبل الحرب غير دقيقة وتحتاج إلى تعديلات.
لذلك، وكما هو الوضع في الميزانية العامة، ستتحول حالة الحساب الجاري من عجز إلى فائض. وبالتالي، سيرتفع الاحتياطي النقدي وستنخفض الديون العامة.
أما حجم هذا التحول فسوف يتوقف على أسعار النفط في العقود الآجلة التي ستعقدها عمان لاحقا. ومن زاوية أخرى أفضت حرب إيران إلى تزايد الاستثمارات الأجنبية لا سيما في القطاع النفطي.
تصاعد الاستثمارات الأجنبية
سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عمان ارتفاعاً كبيرًا، فقد انتقل حجمها الإجمالي من 7.2 مليار ريال في 2016 إلى 31.3 مليار ريال في 2025 أي بزيادة سنوية معدلها 37.2%. تحتل الطاقة المرتبة الأولى فقد بلغت الاستثمارات الأجنبية في النفط والغاز الطبيعي 25.4 مليار ريال أي 81.1% من المجموع. يتأتى أكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة من المملكة المتحدة، تليها من حيث الأهمية الولايات المتحدة ثم الكويت فالصين.
ومن أهم الشركات البريطانية العاملة في عمان شركة بي بي التي وقعت اتفاقاً في 2013 مدته 30 عاماً وقيمته 16 مليار دولار لاستخراج الغاز الطبيعي غير التقليدي من حقل خزان. وبسبب الصراع المسلح في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز وبالنظر للموقع الجغرافي لعمان يرتفع الطلب على النفط العماني، فتزداد الاستثمارات الأجنبية في الحقول العمانية. لذلك، طرحت وزارة الطاقة والمعادن في أبريل 2026 خمس مناطق امتياز جديدة نفطية وغازية. الأمر الذي يضع الشركات في حالة تنافس للحصول على عقود في هذه المناطق.
من المتوقع أن تحقق عمان سياستها الرامية إلى تحسين الاستثمارات الأجنبية في الميدان النفطي. وذلك رغم بعض السلبيات المتعلقة بكلفة الإنتاج. يرى المختصون أن الحقول العمانية تعد من الحقول الصعبة من الناحية الجيولوجية. ويتطلب الإنتاج تقنيات متقدمة ورصد كميات كبيرة من الغاز لاستخراج النفط الثقيل. فقد قدرت الكلفة التشغيلية لإنتاج البرميل في عمان عشرة دولارات مقابل خمسة دولارات في إيران والعراق وأقل من أربعة دولارات في السعودية.
