الحرب ضد إيران ماليًا: خسائر دول الخليج فادحة
قادت الحرب ضد إيران إلى ارتفاع هائل للإنفاق العسكري لدول الخليج بالتوازي مع انخفاض إيراداتها العامة. رغم ذلك، يختلف حجم هذه التداعيات السلبية من دولة إلى أخرى ويعتمد اعتماداً كبيراً على العامل الزمني.
ورغم ارتفاع أسعار النفط والغاز في السوق العالمية، إلا أن دول الخليج هذه المرة لم تستفد من هذا الارتفاع بسبب غلق مضيق هرمز من قبل طهران إلى جانب تضرر بعض البنى التحتية للقطاعات النفطية والغازية. وهكذا، هبطت صادرات هذه الدول وما ترتب على ذلك من نتائج اقتصادية وخيمة.
تزامنت هذه الحرب مع ميزانيات خليجية تسجل عجزاً ملحوظاً ومزمنًا، فقد نظمت ميزانية السعودية بعجز قدره 165 مليار ريال وميزانية قطر بعجز بلغ 22 مليار ريال وميزانية البحرين بعجز قدره 1077 مليون دينار وميزانية الكويت بعجز وصل إلى 9755 مليون دينار. من المتوقع أن تقود هذه الحرب، حتى وأن لم تدم فترة طويلة، إلى ارتفاع جديد للعجز، لا بسبب هبوط الإيرادات العامة التي تعتمد على الصادرات النفطية وحسب، بل كذلك لتزايد الإنفاق العسكري. ويتخذ هذا التزايد عدة صور، منها التكلفة الباهظة للتصدي للهجمات الإيرانية.
كلفة التصدي عالية
وفق التقارير العسكرية تبلغ كلفة المسيرة الإيرانية شاهد 136 ما بين 20 و50 ألف دولار، ويتطلب إسقاطها استخدام صاروخ باتريوت كلفته 3.7 مليون دولار. هذه العلاقة وما يترتب عليها من تداعيات ظهرت بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية حيث تستخدم موسكو هذه المسيرة بصورة مستمرة.
إلى ذلك، تبلغ كلفة صاروخ عماد الباليستي الإيراني نحو 1.2 مليون دولار، وغالبًا ما يستوجب التصدي له استخدام صاروخين من نوع باتريوت.
وعلى ضوء ذلك يمكن إجراء الحسابات المالية للهجمات الإيرانية والدفاعات الخليجية في السعودية فقط على النحو التالي:
خلال 23 يوماً (من 28 فبراير إلى 22 مارس 2026) أطلقت إيران على السعودية 518 مسيرة و38 صاروخاً باليستيا.
(518 صاروخ باتريوت × 3.7 مليون دولار) + (38 صاروخ باتريوت × 2 × 3.7 مليون دولار) = 2197 مليون دولار وهي نفقات التصدي في السعودية فقط. في حين استخدم الإيرانيون أسلحة هجومية قيمتها 72 مليون دولار. وعليه، تحقق إيران نجاحاً من الزاوية المالية حتى وإن لم تصل هجماتها إلى أهدافها العسكرية.
وبنفس الطريقة يمكن حساب الخسائر المالية لدول الخليج الأخرى، فقد أطلقت إيران على البحرين نحو 244 مسيرة و143 صاروخاً. بمعنى أن البحرين استخدمت أسلحة اعتراضية قيمتها 1960 مليون دولار. في حين أن النفقات العسكرية السنوية للدولة بلغت 1457 مليون دولار. أي أن المنامة أنفقت خلال 23 يوماً مبالغ تفوق بكثير مصروفاتها العسكرية السنوية المخصصة في الميزانية.
أما الخسائر المالية الإماراتية فتسجل الرقم القياسي الخليجي من حيث حجمها. فقد اعترض الإماراتيون خلال الفترة المذكورة أعلاه 1740 مسيرة و356 صاروخا. فأنفقوا 9072 مليون دولار. أي ما يعادل تقريباً نصف الاعتمادات السنوية المخصصة للدفاع في الميزانية.
انطلاقاً من هذه المعطيات يتعين إبداء الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: الحسابات أعلاه التي أجراها كاتب هذه المقالة تقريبية من جهة وترتفع يومياً من جهة أخرى.
الملاحظة الثانية: في حين أن الأسلحة الإيرانية محلية الصنع، تستخدم دول مجلس التعاون أسلحة اعتراضية مستوردة. فعلى سبيل المثال صاروخ باتريوت تنتجه شركة آر تي أكس الأمريكية وصاروخ ثاد تنتجه شركة لوكهيد مارتن الأمريكية.
الملاحظة الثالثة: خلال 23 يوماً أطلقت إيران على دول مجلس التعاون الست 1013 صاروخاً و3194 مسيرة. قيمتها الكلية 1375 مليون دولار. في حين تصدت لها هذه الدول بأسلحة مستوردة قيمتها 19314 مليون دولار.
لا شك ان المقدرة المالية الإيرانية ضعيفة ومنهارة بسبب العقوبات الاقتصادية والحرب، في مقابل قدرات مالية هائلة لدى دول الخليج لكن الفرق شاسع في الإنفاق العسكري.
الملاحظة الرابعة: عندما يطلق صاروخ اعتراضي تفقد الدولة قيمته ولا يتوقف عند هذا الحد، إذ يتعين استيراد صاروخ اعتراضي جديد لتعويض الصاروخ المستخدم. عندئذ، ترتفع كلفة الدفاع مرة أخرى. في منتصف مارس 2026 اشترت الإمارات والكويت أسلحة من الولايات المتحدة بمبلغ 16 مليارات دولار وتدخل هذه المشتريات في نطاق تجديد الصواريخ الاعتراضية والأنظمة المرتبطة بها.
الملاحظة الخامسة: تتعلق بالالتزامات المالية المترتبة على المسؤولية الدولية. بمقتضى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 لسنة 1974 تدخل جميع الهجمات الإيرانية على دول الخليج في باب العدوان. لأنها استخدمت قوة عسكرية ضد دول ذات سيادة. والعدوان جريمة ضد السلام العالمي بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وهذه الجريمة تتطلب دفع التعويضات. ستعتمد التعويضات على قرار مجلس الأمن رقم 2817 الصادر في 11 مارس 2026 الذي ينص صراحة على إدانة هذه الهجمات.
ولا تقتصر الخسائر المالية الخليجية على تزايد الإنفاق العسكري بل تشمل كذلك هبوط الإيرادات العامة بفعل غلق مضيق هرمز.
غلق مضيق هرمز
يستهلك العالم 101 مليون برميل من النفط يومياً، وتمر بمضيق هرمز 20 مليون ب/ي. يقود إغلاقه إذن إلى حرمان العالم من خُمس حاجاته النفطية، كما يمر به خُمس حاجات العالم من الغاز الطبيعي المسال.
قررت طهران غلق المضيق أمام الملاحة الدولية، وبفعل عوامل العرض والطلب ارتفع سعر الخام في السوق العالمية، فقد انتقل سعر برنت من 71.5 دولاراً للبرميل في 27 فبراير (قبل اندلاع الحرب بيوم واحد) إلى 106.4 دولاراً في 22 مارس 2026. أي بزيادة قدرها 48.8% خلال ثلاثة أسابيع.
تفترض طهران أن يقود هذا الارتفاع إلى استياء شعبي واسع النطاق في الدول الصناعية لا سيما الولايات المتحدة، وهو ما يحدث فعلاً، وتفترض أيضاً بان هذا الاستياء سيسهم في إيقاف الحرب، وهذا لم يحدث لحد الآن.
يمكن تقسيم دول الخليج إلى مجموعتين من حيث تداعيات غلق المضيق:
المجموعة الأولى المتأثرة بشدة من الغلق وهي قطر والبحرين والكويت. ويتصدر العراق هذه المجموعة بسبب خصوصياته السياسية والجغرافية والمالية والنفطية، لذلك، سوف نخصص له فقرة منفصلة.
يتأتى تأثر هذه الدول من عدم وجود منفذ نفطي آخر لصادراتها، لذلك تعاني بشدة من الغلق.
يعتمد اقتصاد قطر اعتماداً كبيراً على صادرات الغاز الطبيعي، ويقود هبوطها إلى تردي الأوضاع المالية لكن للدولة قدرات مالية ضخمة ناجمة عن صندوقها السيادي العملاق.
أما مالية البحرين فتعتمد بنسبة عالية على الإيرادات غير النفطية لكن انخفاض العوائد النفطية بسبب غلق مضيق هرمز وتحت ظل مالية عامة تعاني من عجز مزمن وكبير يقود بالضرورة إلى تدهور خطير للوضع الاقتصادي وإلى تفاقم جديد للديون العامة.
المجموعة الثانية المتأثرة جزئياً بغلق المضيق، وهي الإمارات والسعودية بسبب وجود منافذ بديلة صممت للطوارئ.
تصدر الإمارات 2.8 مليون ب/ي ولديها أنبوب حبشان الفجيرة الذي ينقل نفطها إلى بحر عُمان بطول 360 كلم وطاقة استيعابية 1.5 مليون ب/ي.
أما السعودية فتحتل المرتبة العالمية الأولى في صادرات النفط إذ تصدر سبعة ملايين ب/ي. وهذا يعادل 7% من الاستهلاك النفطي العالمي. بمعنى أن لهبوط الصادرات السعودية تداعيات مباشرة وقوية على أسعار النفط في السوق العالمية. للسعودية منفذ نفطي بديل يبدأ من شرق البلاد وينتهي بغربها اسمه بترولاين، ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. انجز الخط في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية لمواجهة احتمال غلق مضيق هرمز بطول 1200 كلم. وتبلغ طاقته الاستيعابية 5 ملايين ب/ي. وتستطيع آرامكو زيادتها باستخدام مواد كيماوية لتسريع التدفق، عندئذ، تصل طاقته إلى حوالي سبعة ملايين ب/ي.
بمعنى آخر لم يؤثر غلق المضيق على الصادرات النفطية السعودية إلا على نحو ضئيل. الأمر الذي يفسر عدم ارتفاع أسعار النفط إلى المستوى المستهدف من قبل طهران. ولذلك، تعرض ميناء ينبع وكذلك ميناء الفجيرة وموانئ خليجية أخرى لهجمات إيرانية.
ارتفاع أسعار الخام إلى أكثر من 200 دولار للبرميل يستوجب مواصلة الهجمات الإيرانية على المنشآت النفطية الخليجية من جهة واستمرار غلق مضيق هرمز من جهة أخرى. ولابد أيضاً من استنفاذ “الخزين النفطي الاستراتيجي” للدول الصناعية، وهو ما يتطلب على الأقل ثلاثة أشهر.
العراق المتضرر الأكبر
للعراق خصوصيات عديدة تجعله البلد الخليجي الأكثر تضرراً من الحرب ضد إيران.
بين العراق وإيران حدود طولها 1458 كلم وما يترتب عليها من تداعيات عسكرية. وفي ظل الاتهامات بأن الحكومة المركزية في بغداد وعدة فصائل مسلحة تابعة للحشد الشعبي بالارتباط مع طهران، أصبح العراق عرضة لهجمات أمريكية وإسرائيلية. وبالنتيجة، فإن القواعد العسكرية الأمريكية في العراق تعرضت للاستهداف.
وعلى خلاف دول مجلس التعاون، لا يملك العراق صناديق سيادية عملاقة يمكنها تعويض هبوط الإيرادات النفطية. تعتمد ميزانية العراق اعتماداً شبه كلي على العوائد النفطية التي تمثل 81% من الإيرادات العامة. ولذلك، يقود انخفاض هذه العوائد المتأتية من الصادرات إلى تأخر تنفيذ الالتزامات المالية وفي مقدمتها المرتبات.
العراق من كبار البلدان المصدرة للنفط في العالم، وبلغت صادرات الحكومة المركزية وإقليم كردستان أربعة ملايين ب/ي، أي ما يعادل 4% من الاستهلاك النفطي العالمي.
من الناحية العملية، فإن المنفذ الوحيد لنفط الحكومة المركزية هو مضيق هرمز، أما بالنسبة لنفط كردستان فالمنفذ هو خط كركوك في شمال البلاد إلى ميناء جيهان التركي، ويقع هذا الأنبوب تحت سيطرة حكومة اربيل.
من مجموع عشرة براميل مصدرة من العراق تمر تسعة براميل عبر المضيق، وتتأتى هذه البراميل التسعة من حقول الجنوب: الرميلة وغرب القرنة ومجنون.
غلق المضيق يقود إلى توقف صادرات الحكومة المركزية. يترتب عليه ما يلي:
تأخر دفع المرتبات.
وهو من أخطر نتائج الحرب لأن هنالك أكثر من أربعة ملايين موظف حكومي وثلاثة ملايين متقاعد حكومي وثلاثة ملايين مستفيد من برامج الرعاية الاجتماعية، أي أكثر من عشرة ملايين شخص وأسرهم يحصلون على مرتبات حكومية متأخرة.
كما يقود هبوط العوائد النفطية إلى ارتفاع العجز المالي المزمن المرتفع أساساً. عندئذ، يزداد الاقتراض الداخلي والخارجي فترتفع المديونية العامة. ويتم اللجوء إلى السحب من الاحتياطي النقدي فتتراجع المقدرة المالية للدولة. كما تسعى الحكومة إلى تأجيل تنفيذ المشاريع الإنمائية.
أضف إلى ذلك أن غلق المضيق فترة طويلة لا يؤثر فقط على الإيرادات العامة بل يخلق كذلك مشكلة تقنية خطيرة. لأن توقف عمل حقول الجنوب العملاقة يفضي إلى تراجع قدرتها الإنتاجية لاحقا.
بغض النظر عن الإمكانات والنتائج المحدودة لنقل الخام عن طريق الشاحنات إلى الأردن وتركيا وضع غلق مضيق هرمز بغداد أمام خيارين:
الخيار الأول موافقة حكومة كردستان على مرور نفط الجنوب عبر خط كركوك جيهان. وهنالك مفاوضات متعثرة حول هذه النقطة لكن الطاقة الاستيعابية لهذا الخط لا تتحمل نقل نفط العراق.
الخيار الثاني هو موافقة طهران على مرور النفط العراقي عبر المضيق. وهذا يقود إلى ضخ كميات لا يستهان بها من النفط فتتجه أسعار الخام نحو الهبوط، وهذه نتيجة لا تتفق مع السياسة الإيرانية الحالية لكنها قد تسمج بها لأسباب جيوسياسية.
ومعاناة العراق من الحرب ضد إيران لا تقتصر على الصادرات النفطية. فقد تعرضت منشآت الغاز الإيرانية لاعتداءات عسكرية إسرائيلية أدت إلى تدميرها، وبالتالي توقف تصدير الغاز لأيام قبل أن تعود إيران إلى ضخ الغاز مجددًا.
ويعتبر العراق في مقدمة البلدان المتضررة من هذا التدمير لأنه يستورد كميات كبيرة من الغاز الإيراني، أكثر من ثلث حاجات العراق من الكهرباء يعتمد على الغاز الإيراني. القسط الأكبر من كهرباء البصرة وديالى وخانفين والعمارة يتأتى من الغاز المستورد من إيران.
ونلاحظ أن واردات العراق من إيران لا تقتصر على الغاز الطبيعي بل تشمل أيضاً مواد طاقية أخرى وكذلك مواد غذائية وصناعية وأسلحة.
كخاتمة، تمخضت عن الحرب ضد إيران عن خسائر فادحة فقد زادت النفقات العسكرية لجميع دول الخليج وارتفعت وارداتها من الأسلحة المتطورة باهظة الثمن. وانخفضت إيراداتها النفطية وجميع صادراتها، كما تراجعت حصيلة السياحة وهبطت التدفقات الاستثمارية الأجنبية بشدة. بالتوازي مع تفاقم الديون الداخلية والخارجية وتدهور تجارة النقل البحري والجوي. وبالنتيجة، ستكون معدلات النمو سلبية وسوف تعتمد نسب هذه المعدلات على مدة الحرب وتطور عملياتها.