الكويت في اختبار العجز: حين لا تكفي القروض ولا تنقذ الضرائب
طبقت الكويت سياسة مالية جديدة لتمويل عجز الميزانية المزمن. فقد لجأت للمرة الأولى منذ ثماني سنوات إلى القروض الداخلية والخارجية. كما فرضت ضريبة على أرباح الشركات المتعددة الجنسيات، كما أجرت تعديلات على تنظيم صندوقها السيادي. رغم ذلك، لا تبدو هذه السياسة والقرارات كافية، والسبب هو ضخامة العجز المالي. ولذلك، يتعين اتخاذ إجراءات أخرى تتناول جميع الأدوات المالية.
بلغ حجم العجز المالي في السنة الحالية 2025\2026 (تبدأ السنة المالية الكويتية في 1 أبريل وتنتهي في 31 مارس) 6306 مليون دينار، وهو ما يعادل 12.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وهي نسبة عالية بمختلف المقاييس، ويترتب عليها تداعيات مالية ونقدية واستثمارية سلبية.
من الناحية المبدئية، يتطلب الإصلاح المالي في الكويت تقليص النفقات وزيادة الإيرادات العامة في آن واحد. في دول مجلس التعاون، وعلى وجه الخصوص في الكويت، يصعب التأثير على النفقات لأسباب اجتماعية وسياسية. فهذه النفقات هي في غالبها مرتبات للموظفين وإعانات ومنح ومصروفات عسكرية وأمنية. ولذلك، غالباً ما تتم معالجة العجز المالي عن طريق زيادة الإيرادات، لكن الجزء الأكبر من هذه الإيرادات هي عوائد نفطية تتأتى من الصادرات التي تعتمد على عوامل خارجية لا علاقة لها بالسياسات المالية المحلية.
ومن جانب آخر لا يمكن زيادة الإيرادات العامة عن طريق السحب من الصندوق السيادي (الهيئة العامة للاستثمار). لا شك أن القانون رقم 18 لسنة 2020 أجرى تعديلات جوهرية على تنظيم هذا الصندوق الذي كان قبل هذا التاريخ يسهم بقوة في إرهاق الميزانية العامة، خصوصًا وأنه يقتطع سنوياً على الأقل 10% من إيراداتها حتى وإن كانت في حالة عجز. وبموجب هذا القانون، لم يعد الاقتطاع ممكناً إلا إذا كان الحساب الختامي للميزانية في حالة فائض. رغم ذلك، هذا القانون كسابقه، لا يسمح إطلاقاً بالسحب من الصندوق لتغطية عجز الميزانية.
انطلاقاً من هذه الاعتبارات يكاد الإصلاح المالي الحكومي يقتصر على الضرائب والقروض.
حصيلة الضرائب ضعيفة
يتكون النظام الضريبي في الكويت من ست أنواع من الضرائب:
أولاً: الزكاة: تسري على الشركات الكويتية المساهمة. عند الرجوع إلى الميزانية العامة، نلاحظ أن الميزانية تفرق بين الزكاة ومساهمة الشركات في خدمات الدولة، حصيلة الأولى هي 10 ملايين دينار وحصيلة الثانية تبلغ نحو 29.5 مليون دينار، وكأن الشركات الكويتية تخضع لهاتين الضريبتين.
الواقع، هو أنه لا توجد سوى ضريبة واحدة وهي الزكاة بسعر 1% من الأرباح الصافية، وللشركة عندما تدفع مبلغ الضريبة الخيار بين أمرين: الأول هو دفع المبلغ دون تحديد الجهة المستفيدة منه، وعندئذ يدرج هذا المبلغ ضمن تسمية الزكاة في الميزانية. الأمر الثاني أن تحدد الشركة خدمة معينة من الخدمات العامة (كالتعليم أو الصحة أو الدفاع) وتطلب تخصيص جزء أو كل المبلغ الضريبي المترتب عليها لهذه الخدمة، وعندئذ، يدرج المبلغ ضمن تسمية مساهمة الشركات في خدمات الدولة.
ثانيًا: ضريبة الدخل على الشركات الكويتية المساهمة لدعم العمالة الوطنية: تفرض بسعر 2.5% وقدرت حصيلتها بمبلغ 50 مليون دينار، وتصرف هذه الضريبة للكويتيين العاملين في القطاع الخاص.
ثالثاً: ضريبة الدخل على الشركات الأجنبية. تفرض بسعر 15%. وبلغت حصيلتها 95 مليون دينار، ونلاحظ الفرق الشاسع في الأعباء بين هذه الشركات والشركات الكويتية.
رابعًا: الضريبة على الملكية: من المتعارف عليه أن الضريبة على الملكية كما يتضح من تسميتها تفرض على امتلاك العقارات، وأنها ضريبة سنوية، لكنها ليست هكذا في الكويت. هي عبارة عن رسوم قدرها 0.5% من قيمة العقار وتفرض عند بيعه. الضريبة على البيع وليس على الملكية، ولذلك تبدو التسمية غير دقيقة والصحيح أنها ضريبة التصرفات العقارية كما تسمى في السعودية أو رسوم تحويل الملكية كما تسمى في الإمارات. إيرادات هذه الضريبة الكويتية تبلغ نحو 26 مليون دينار.
خامسًا: الرسوم الجمركية: وهي أهم الضرائب في الكويت حيث بلغت حصيلتها 420 مليون دينار. تفرض على الواردات بموجب الاتفاقية الخليجية الموحدة التي أنشأت الاتحاد الجمركي الخليجي بسعر عام قدره 5%.
سادسًا: الضريبة على مجموعة الكيانات متعددة الجنسيات: فرضت بموجب المرسوم بقانون رقم 157 لسنة 2024. وهي أحدث ضريبة في الكويت سارية المفعول اعتباراً من مطلع 2025. تطبق هذه الضريبة أيضاً في غالبية بلدان العالم بما فيها جميع دول مجلس التعاون، وكانت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من وضعتها لمنع التهرب الضريبي. يطلق على هذه الضريبة أيضّا مسمى الضريبة العالمية وتخضع لها أرباح الشركات المتعددة الجنسيات المتحققة في كل دولة بسعر لا يقل عن 15%. تفرض الضريبة عندما تزيد إيرادات الشركة على 750 مليون يورو في السنة.
حسب وزارة المالية الكويتية تمت الموافقة على هذه الضريبة لإصلاح مالية الدولة. هنالك (وفق الوزارة) حوالي 300 شركة متعددة الجنسيات عاملة في الكويت، وتتوقع الوزارة أن تصل عوائدها إلى 250 مليون دينار. وبذلك، ستكون ثاني أهم ضريبة كويتية بعد الرسوم الجمركية.
ضعف النظام الضريبي
يتبين من هذا العرض أن النظام الضريبي الكويتي يعاني من عدة مشاكل، وهو لا يستجيب للأهداف الأساسية للضرائب المتمثلة بالحصيلة والعدالة والتنمية الاقتصادية.
في الميزانية الحالية تبلغ حصيلة الضرائب والرسوم 631 مليون دينار أي 3.4% فقط من الإيرادات العامة. وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بالغالبية العظمى من الدول بما فيها العربية: العراق 10.2% وعُمان 18.1% والسعودية 32.0% والمغرب 87.2% وتونس 90.4%.
النظام الضريبي غير عادل لأنه يفرق في المعاملة بين الشركات، لا بحسب مقدرتها بل حسب جنسيتها: الشركة الكويتية تخضع لضريبتين: الزكاة بسعر 1% والضريبة لدعم العمالة الوطنية بسعر 2.5%. في حين يسري سعر 15% على الشركات الأجنبية العاملة في الكويت. وبسبب ضعف حصيلتها، لا تلعب الضرائب الكويتية دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية.
لا يعرف النظام الضريبي في الكويت ضريبة القيمة المضافة والضريبة الانتقائية. في نوفمبر 2016 وقعت جميع دول مجلس التعاون على اتفاقيتين: اتفاقية ضريبة القيمة المضافة بسعر عام قدره 5% واتفاقية الضريبة الانتقائية المفروضة على السلع المضرة بالصحة كالسجائر والمشروبات الغازية.
الهدف من هاتين الضريبتين تنويع مصادر الإيراد العام من جهة وتقليص العجز المالي من جهة أخرى.
صادقت السعودية وعُمان والبحرين والإمارات على الاتفاقيتين. ثم قررت السعودية رفع سعر ضريبة القيمة المضافة إلى 15% وتبعتها البحرين بسعر 10%. ولا يزال سعرها 5% في الإمارات وعُمان. أما قطر فقد صادقت على الضريبة الانتقائية فقط. أما الكويت فلم تصادق على الاتفاقيتين بسبب موقف مجلس الأمة.
كان أعضاء مجلس الأمة السابقون يجدون صعوبة في تطبيق هذه الضريبة في الكويت لأسباب إدارية. هذا المبرر الذي كان سائداً قبل عقود في البلدان النامية لم تعد له قيمة بسبب تطور البرامج الرقمية التي يمكنها تذليل الصعوبات الإدارية. والواقع يؤكد أن رفض مجلس الأمة لهذه الضريبة كان يعود إلى أسباب انتخابية.
وبذلك فقدت الكويت مصدراً أساسياً من مصادر الإيراد العام الذي حقق نجاحاً في دول الخليج الأخرى. في السعودية، أصبحت حصيلة ضريبة القيمة المضافة تعادل حوالي ربع الإيرادات الكلية للدولة.
وبالنظر لهذا الوضع الضريبي، تحاول الحكومة إصلاح المالية العامة عن طريق القروض.
التمويل بالاقتراض غير كاف
في عام 1987 صدر مرسوم بقانون رقم 50 يسمح للحكومة بعقد قرض محلي لمواجهة الأعباء المالية. ثم صدرت مراسيم أخرى في 1989 و1991 و2009 رفعت حجم الاقتراض وأجازت اللجوء إلى السوق العالمية للحصول على قروض خارجية إضافة إلى القروض الداخلية. انتهى العمل بهذه المراسيم في منتصف 2017.
خلال الفترة بين 20 يونيو 2017 و24 يونيو 2025 لم تستطع الحكومة عقد أي قرض بسبب غياب الترخيص البرلماني الناجم عن اختلاف جوهري في وجهات نظر المؤسستين التشريعية والتنفيذية.
كان مجلس الأمة يرى أن على الحكومة القيام بإصلاحات مالية تهدف إلى تنويع مصادر الإيرادات العامة بدلاً من اللجوء إلى الاقتراض فترتفع مديونية الدولة. قبالة ذلك، كانت الحكومة تعتقد أن عدم السماح لها بالاقتراض يحول دون الوفاء بالتزاماتها المالية ويعطل المشاريع الاستثمارية.
في 10 مايو 2024 تم حل مجلس الأمة من قبل أمير الكويت، وفي 27 مارس 2025 صدر المرسوم بقانون رقم 60 في شأن التمويل والسيولة ليمنح المرسوم الجديد الحق للحكومة في عقد قروض داخلية وخارجية قيمتها الكلية 30 مليار دينار كحد أقصى خلال فترة استحقاق مدتها 50 سنة.
صرحت وزارة المالية بأن هذه القروض ستخصص للمشاريع الإنمائية. ونلاحظ أن المادة الرابعة من المرسوم ذكرت أربعة أهداف للقروض وهي: تمويل الميزانية العامة وإعادة تمويل دين عام وسداد التزامات مالية حكومية والوفاء بديون مترتبة على وزارة المالية لصالح هيئات حكومية أخرى.
لا يوجد إذن في المرسوم نص يلزم الحكومة على استخدام الأموال المقترضة في المشاريع الإنمائية.
في 25 يونيو 2025، صدر أول قرض بموجب هذا المرسوم بقانون مدته سنة واحدة بمبلغ 500 مليون دينار وبسعر فائدة 4.3%. ثم توالت الإصدارات خلال النصف الثاني من 2025 فبلغ عددها 13 قرضاً تتراوح قيمتها بين 50 مليون دينار و250 مليون دينار بسعر فائدة يتراوح بين 4.0% و5.3% حسب مدة القرض.
القيمة الإجمالية لهذه القروض بلغت 2200 مليون دينار، ووصل حجم الطلب عليها إلى أكثر من عشرين مليار دينار. يشير هذا الطلب إلى كثرة المستثمرين وثقتهم بمالية الدولة لأن حجم الطلب يعادل تسعة أضعاف العرض (القيمة الكلية للقروض خلال الفترة المذكورة).
يمكن النظر إلى هذا المرسوم بقانون من خلال المؤشرات الثلاثة التالية التي تبين ضعف سقف الدين العام مقارنة بالحاجة إلى الأموال.
المؤشر الأول: عقدت الحكومة كما ذكرنا قروضاً قيمتها 2200 مليون دينار خلال النصف الثاني من 2025، وعلى افتراض استمرار الاقتراض على هذا المنوال سيصل سقف الدين العام إلى حده الأقصى بعد اقل من خمس سنوات فقط.
المؤشر الثاني: صرح مسؤول حكومي أن الدولة ستقترض بموجب هذا المرسوم بقانون مبلغاً يتراوح بين 3 و6 مليارات دينار خلال السنة المالية الحالية، وإذا اعتمدنا على المعدل العام لهذين المبلغين فسوف نصل تقريباً إلى نفس النتيجة أعلاه.
المؤشر الثالث: يفترض المؤشران الأول والثاني استمرار الإيرادات النفطية على حجمها الحالي خلال السنوات القادمة، لكن صندوق النقد الدولي يرى بأن أسعار النفط ستتجه نحو التراجع نتيجة تباطؤ النمو العالمي. ولذلك، ستحتاج الكويت إلى مبالغ إضافية لتغطية العجز المالي المتزايد. وبحسب تقديرات الصندوق، تتطلب تغطية العجز للفترة بين 2026 و2032 أموالاً قدرها 39.1 مليار دينار، أي حوالي ضعف الحد الأقصى للسقف المحدد في المرسوم بقانون.
ومن زاوية أخرى، أجرى القانون رقم 18 لسنة 2020 تعديلات جوهرية على تنظيم الصندوق السيادي، لكنه كما ذكرنا، يمنع السحب منه منعاً باتاً لتمويل العجز المالي.
في السابق كان الصندوق يأخذ ولا يعطي كما يقول الكويتيون. أي أنه يحصل على نسبة معينة من الإيرادات العامة للميزانية دون أن يسمح بالسحب منه لصالحها في حالة عجزها. حاليًا، أصبح الصندوق لا يأخذ ولا يعطي. بل بات خارج الدائرة المالية للدولة.
بعد أن وافق مجلس الأمة على قانون التمويل والسيولة أصبح العجز المالي يمول بالدرجة الأولى عن طريق القروض الداخلية والخارجية. وهذه القروض التي يستفيد منها الجيل الحالي تنقلب في مرحلة استحقاقها إلى ديون واجبة الأداء تتحملها الأجيال القادمة. بمعنى أن العجز المالي ينقل الأعباء المالية من الجيل الحالي إلى الأجيال القادمة. ستتوارث إذن الأجيال القادمة مالية غير سليمة مثقلة بالديون في حين تستوجب الحكمة العكس تماماً. ولذلك، يتعين بذل قصارى الجهود ليس لتمويل العجز بل لتجنب حدوثه.
والإصلاح بهذا المعنى الذي يصب في خدمة جميع الأجيال الحالية والمستقبلية، يتطلب إلغاء منع السحب من الصندوق. قبل ذلك، لابد من وضع قواعد دقيقة وواضحة للسحب تعتمد على التوفيق بين رغبة الكويتيين في عدم التفريط بحقوق الأجيال القادمة وضرورة إصلاح المالية العامة الحالية.
لذلك، ينبغي إجراء تعديل آخر على تنظيم الهيئة العامة للاستثمار يتناول تحديد نسبة معينة من السحب لا تتجاوز حجم الأرباح السنوية. وهذه الطريقة معتمدة في النرويج التي تملك أكبر صندوق سيادي في العالم يهتم بالأجيال القادمة.
رغم هبوط الإيرادات النفطية بفعل تراجع الأسعار يمكن تفادي العجز المالي في الكويت بسياسة مالية جديدة. يقترح هذا المقال أن تقوم على النقاط التالية: فرض ضريبة القيمة المضافة والضريبة الانتقائية، توحيد أسعار الضرائب على الشركات الكويتية والأجنبية، وتقليص النفقات الجارية وزيادة النفقات الاستثمارية، وإجراء تعديل على أهداف قانون التمويل والسيولة من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وإعادة النظر في تنظيم الصندوق السيادي من حيث السحب.
ختامًا، لا توجد عراقيل اقتصادية تحول دون تحقيق هذه النقاط التي يتطلبها المنطق السليم.