إيران بين ميزان القوة وكلفة الانهيار: كيف ابتلع التسلّح مقدّرات الدولة؟

تهتم إيران اهتماماً منقطع النظير بقطاعها العسكري لأسباب ترتبط بأمنها الداخلي ودورها في المنطقة. لم يعد هذا القطاع مستهلكاً ومستورداً للأسلحة فقط بل أصبح منتجاً ومصدراً لها أيضا. ولم تكتف الدولة بالأسلحة التقليدية بل أحرزت تقدماُ كبيراً في برنامجها النووي. أدى هذا الوضع إلى ارتفاع هائل للنفقات العسكرية من جهة وإلى فرض عقوبات اقتصادية أمريكية وأوربية من جهة ثانية وإلى هجمات إسرائيلية وأمريكية من جهة ثالثة. عندئذ تدهورت الأوضاع المالية والنقدية والاستثمارية فتراجع بشدة مستوى معيشة المواطنين.

تعتبر إيران في مقدمة البلدان المنتجة للطاقة ويبلغ الاحتياطي النفطي فيها 212 مليار برميل. أي أنها ثالث أغنى بلد نفطي في العالم بعد فنزويلا والسعودية. تنتج إيران نحو أربعة ملايين ب/ي، كما تستحوذ على المرتبة العالمية الثانية بعد روسيا في احتياطي الغاز الطبيعي البالغ 32 ترليون متر مكعب، ويصل إنتاجها السنوي إلى 266 مليار متر مكعب.

لذلك، تعتمد الميزانية اعتماداً كبيراً على هذه الموارد في تمويل نفقاتها العامة، في ميزانية 2025 تبلغ إيرادات النفط والغاز 45% من الإيرادات الكلية.

وإذا كانت زيادة أسعار النفط والغاز في السوق العالمية تقود إلى ارتفاع الإيرادات العامة. الأمر الذي يشجع على زيادة النفقات العسكرية. فإن هبوطها لا يفضي بالضرورة إلى انخفاض هذه النفقات. ولا يعود ذلك لأسباب عسكرية فقط بل لأسباب مالية أيضًا، فميزانية الدولة تعتمد أيضاً وبصورة كبيرة على الضرائب: 33% من إيرادات إيران تتأتى من الضرائب في 2025. أضف إلى ذلك وجود إيرادات أخرى مهمة غير ضريبية وغير نفطية.

وبسبب هذه السياسة تسجل ميزانية الدولة عجزاً مزمناً وكبيراً. لا تلجأ إيران إلى القروض الخارجية لتغطيته، لذلك لا تتجاوز الديون الخارجية أربعة مليارات دولار أي 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي. في حين تتصاعد هذه الديون في دول مجلس التعاون كالسعودية.

وعلى هذا الأساس تعتمد الميزانية الإيرانية على مصدرين أساسيين لتمويل عجزها:

المصدر الأول الإصدارات النقدية (طبع نقود جديدة). وهو ما تسبب في تضخم الكتلة النقدية خاصة في السنوات الأخيرة وكذلك ارتفع معدل التضخم من جهة وتدهور سعر صرف الريال من جهة أخرى.

المصدر الثاني السحب من صندوق التنمية الوطني. تأسس هذا الصندوق السيادي في 2011 وتبلغ أصوله 161 مليار دولار. وهو بذلك يحتل المرتبة العالمية رقم 19، وهو مستقل عن ميزانية الدولة وأغلب أنشطته داخلية ترتبط بالبنية التحتية وتقديم القروض للقطاع الخاص. ويُخصص للصندوق 20% من إيرادات النفط.

في 2024 اقترضت السلطات العامة قسطاً كبيراً من هذا الصندوق، وتجد الحكومة صعوبات بالغة في سداد ديونها.

بتفاعل هذه العوامل (زيادة الضغط الضريبي وتفاقم التضخم وانهيار سعر صرف الريال وتراجع القدرة الاستثمارية للصندوق السيادي) انخفض بشدة مستوى معيشة المواطنين فأصبح الفقر الذي يمثل ثلث عدد السكان سمة أساسية من سمات المجتمع الإيراني. ويمكن القول إن تزايد الإنفاق العسكري كان في مقدمة الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة.

ارتفاع الإنفاق العسكري

للمصروفات العسكرية علاقة وطيدة بالتصنيع الحربي من زاويتين متناقضتين:

الزاوية الأولى: يقود التصنيع المحلي إلى تخفيض النفقات العسكرية لأن أسعار الأسلحة المنتجة محلياً أرخص من أسعار الأسلحة المماثلة المستوردة. ينعكس هذا الأمر بصورة إيجابية على ميزانية الدولة التي تعاني من عجز مزمن.

الزاوية الثانية: يستوجب التصنيع المحلي رصد الأموال لاستيراد المعدات ونقل التكنولوجيا، وهو ما يتسبب في ارتفاع الواردات العسكرية في ميزان المدفوعات.

على الصعيد العملي انتقل الإنفاق العسكري من 7.3 مليار دولار في 2022 إلى 10.3 مليار دولار في 2023. أي بزيادة هائلة قدرها 41%.

وبسبب الاعتداءات الإسرائيلية على عدة بلدان في المنطقة بما فيها إيران، ارتفعت النفقات العسكرية الإيرانية لتصل إلى 15.4 مليار دولار في 2024 أي بزيادة قدرها 49% مقارنة بالعام السابق. وواصلت هذه النفقات ارتفاعها في 2025 بسبب استمرار التوتر في المنطقة.

لكن هذه التقديرات تقتصر على تمويل القوات العسكرية من قبل ميزانية الدولة. في حين يتسم التمويل العسكري الإيراني بتعدد مصادره وصعوبة تقديره بدقة.

تتكون القوات المسلحة في إيران من الجيش وقوات الأمن والحرس الثوري. يملك هذا الأخير شتى أنواع الأسلحة بما فيها الثقيلة وفي جميع الميادين. لكن تمويله لا يقتصر على الميزانية العامة بل يشمل أيضاً مصادره الخاصة.

للحرس الثوري مؤسسة اقتصادية عملاقة وهي خاتم الأنبياء. تأسست هذه المؤسسة لإعادة الاعمار بعد الحرب ضد العراق (1980-1988). كانت تهتم بالبنية التحتية كالطرق والجسور التي أصابها الدمار لكن توسعت أنشطتها فيما بعد فأصبحت حالياً تشمل النفط والغاز والموانئ والنقل البري والتكنولوجيا والمناجم والزراعة. لديها حوالي ألف شركة.

هنالك تقارير تشير إلى أن نفقات الحرس الثوري تفوق نفقات الجيش. لذلك فأن النفقات العسكرية الإيرانية الكلية قد تتجاوز العشرين مليار دولار.

البرنامج النووي: خسائر فادحة

توجه اتهامات إلى إيران بسعيها إلى امتلاك السلاح النووي رغم التأكيدات الرسمية على سلمية برنامجها وتحريم أسلحة الدمار الشامل بفتوى دينية.

من المؤكد أن نسبة تخصيب اليورانيوم وصلت إلى 60% منذ أكثر من عام. وبالتالي إن لم تمتلك حالياً هذا السلاح الذي يتطلب نسبة تخصيب قدرها 90% فمن المتوقع أنها سوف تنتجه في وقت لاحق رغم ما أصاب المنشآت النووية في 13 و22 يونيو المنصرم.

التشبث بسلمية البرنامج النووي تحوم حوله الشكوك. حسب الخبراء لا يوجد برنامج نووي سلمي في العالم يتطلب تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%. كما أن جميع الدول التي مرت بهذه النسبة انتهى بها الأمر إلى إنتاج السلاح النووي.

من الزاوية المالية يمكن رصد أربع نتائج سلبية للبرنامج النووي:

النتيجة الأولى: الخسائر جراء العقوبات الدولية المفروضة على إيران. هنالك تقديرات رسمية تشير الى خسائر قدرها 150 مليار دولار في الفترة بين 2018 و2020.

النتيجة الثانية: تجميد الأرصدة الإيرانية المودعة في بنوك خارجية. حسب البنك المركزي الإيراني بلغت هذه الأموال حوالي 100 مليار دولار. وتتضمن أرصدة حكومية وأموال مملوكة لشركات تابعة للقطاع الخاص.

النتيجة الثالثة: هبوط الاحتياطي النقدي. في 2018 بلغ حجمه 122 مليار دولار. وعلى إثر انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وفرض عقوبات على طهران وما ترتب عليها من تردي القدرة المالية الإيرانية هبط بشدة هذا الاحتياطي خلال سنة واحدة إلى 15 مليار دولار. لكنه ارتفع تدريجياً ليصل إلى 34 مليار دولار في 2025.

النتيجة الرابعة: الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. في يونيو 2025 شنت إسرائيل ثم الولايات المتحدة هجمات واسعة النطاق ضد مواقع صاروخية ونووية في أصفهان ونطنز وآراك وفوردو. أدت إلى خسائر إيرانية فادحة يصعب تقدير حجمها بدقة. علماً بأن وزارة الخارجية الإيرانية طالبت واشنطن بتعويض إيران عن الإضرار التي أصابتها، ولكن دون أن تذكر حجمه.

يعتقد كثير من الإيرانيين والمراقبين أن السلاح النووي أفضل وسيلة للدفاع عن الدولة وعن نظامها السياسي. لذلك، يراهن البعض على أن طهران لن تقبل التخلي عنه. عندئذ، قد يتحول اقتصادها برمته إلى اقتصاد حرب وسترتفع نفقاتها العسكرية لمواجهة التدخل الأمريكي الإسرائيلي. يترتب على ذلك تداعيات اقتصادية خطيرة، منها ارتفاع غير مسبوق للعجز المالي وتراجع الصادرات النفطية وتزايد العقوبات الاقتصادية. عندئذ يتدهور سعر صرف الريال المتدهور أساسا، وتتفاقم معدلات التضخم والبطالة والفقر.

أما إذا تخلت طهران عن برنامجها النووي فسوف يحدث خلل كبير في قدراتها العسكرية. وعليه، تظهر تحليلات تشير إلى ضرورة معالجة هذا الوضع عن طريق تقوية قدرتها العسكرية التقليدية البرية والبحرية والجوية. وهو ما يتطلب زيادة هائلة للنفقات العسكرية.

في هذه الحالة من المتوقع أن تجد طهران التمويل اللازم لتغطية هذا التزايد في النفقات. فالإعراض عن البرنامج النووي سيفضي بالضرورة إلى إلغاء العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأصول المالية المحتجزة بالخارج وتصدير كميات إضافية من النفط والغاز. يترتب على ذلك تحسن النمو وارتفاع القدرة المالية للدولة على مواجهة الأعباء الجديدة. عندئذ ستنخفض معدلات التضخم والبطالة كما ستنتعش الصادرات المدنية والعسكرية.

بالنتيجة النهائية سوف تستمر النفقات العسكرية الإيرانية في الارتفاع في جميع الحالات. لكن التداعيات الاقتصادية ستختلف حسب الموقف الإيراني من البرنامج النووي.

ازدهار صادرات الأسلحة

تنتج إيران أسلحة وتصدرها إلى عدة مناطق من العالم. وفي مقدمة الدول المستوردة للأسلحة الإيرانية روسيا والعراق وفنزويلا واليمن ولبنان (بشكل غير رسمي) وبوليفيا وأثيوبيا والسودان، إضافة إلى سوريا تحت نظامها السابق.

وتتعلق هذه الصادرات بمختلف أصناف الأسلحة خاصة المسيرات. وتسعى طهران إلى أن تصل صادراتها من المسيرات إلى حجم الصادرات التركية المماثلة.

حسب تصريح لمسؤول إيراني وصلت حصيلة صادرات الأسلحة في 2023 إلى مليار دولار. وتهدف الدولة إلى زيادتها إلى 6.5 مليار دولار في 2028. عندئذ ستكون إيران ضمن قائمة كبار الدول المصدرة للأسلحة في العالم.

هنالك عدة عوامل أدت إلى ازدهار هذه الصادرات أهمها تزايد النفقات العسكرية المخصصة للإنتاج الحربي والاهتمام بالبحوث التكنولوجية العسكرية. أضف إلى ذلك الأسعار المنخفضة للأسلحة الإيرانية مقارنة بالأسلحة الأخرى المماثلة. تشير التقارير إلى أن كلفة مسيرة شاهد 136 حوالي 20 ألف دولار. وتدل الحرب الروسية الأوكرانية على أن التصدي لهذه المسيرة يتطلب صاروخاً سعره أكثر من 140 ألف دولار.

كما لا تفرض طهران شروطاً على بيع أسلحتها ولا تضع قيوداً على استخدامها. وذلك على خلاف مبيعات غالبية الدول الصناعية الكبرى.

كما تقدمت صادرات إيران العسكرية بسبب غزارة الإنتاج المحلي، ولا يقتصر هذا الإنتاج على الأسلحة الخفيفة كالمسدسات والبنادق. بل يشمل كذلك الأسلحة الثقيلة والمعدات الحربية التي تتطلب تكنولوجيا متطورة.

أحرزت إيران تقدما في صناعة الصواريخ (خيبر وسجيل وشهاب وميثاق واعتماد وفتاح) والمسيرات (ابابيل ومهاجر وشاهد وغيرها) والأقمار الصناعية (نور وكوثر وهدهد وثريا وبارس).

لا شك أن هذا الإنتاج يعتمد على الصناعات الروسية والصينية لكن لا يجوز تهميشه لأنه يستوجب تقدماً تكنولوجياً لا يستهان به. إيران هي الدولة الوحيدة في الخليج التي تنتج 85% من الأسلحة التي تستخدمها.

تجدر الإشارة في تقدم الصادرات الإيرانية إلى تطور التعاون العسكري بين إيران والصين من جهة وإيران وروسيا من جهة أخرى. الأمر الذي أدى إلى تنمية التصنيع العسكري الإيراني بصورة سريعة. فقد أبرمت إيران مع هاتين الدولتين اتفاقات عسكرية تتناول عدة جوانب أمنية وصناعية. هنالك الاتفاقية الشاملة للتعاون الاستراتيجي لعام 2021 بين إيران والصين ومدتها 25 عاماً وتتناول شتى الميادين الاستثمارية والعسكرية. وهنالك اتفاقية عسكرية لعام 2025 بين إيران وروسيا. تنص مادتها الخامسة على التعاون بين الطرفين في مختلف الميادين العسكرية.

ولعل من المناسب هنا إجراء مقارنة بين إيران والإمارات. والسبب في اختيار الإمارات كونها أكبر بلد مصدر للأسلحة في العالم العربي.

خلال الفترة بين 2014 و2018 كانت صادرات الإمارات 0.4% من صادرات الأسلحة في العالم، في حين هبطت صادراتها خلال الفترة 2019 و2023 إلى 0.3% منها. وتعتبر الأردن ومصر والجزائر أهم البلدان المستوردة للأسلحة من الإمارات.

أما صادرات إيران فقد انتقلت خلال هاتين الفترتين من 0.1% من الصادرات العسكرية في العالم إلى 0.2% منها، أي أن صادراتها تتجه نحو الارتفاع.

ونلاحظ أن حصيلة الصادرات العسكرية الإيرانية ارتفعت بنسبة 279%. وهذه هي ثالث أكبر نسبة للارتفاع بعد بولندا وبلجيكا. في حين هبطت الصادرات الروسية والصينية.

تعتمد إيران اعتماداً أساسياً في صادراتها على روسيا حيث أن 75% من صادرات الأسلحة الإيرانية تذهب إلى روسيا.

هنالك فرق جوهري آخر بين البلدين: الإمارات من كبار البلدان المستورة للأسلحة في العالم وهي تحتل المرتبة العالمية رقم 14 مع ملاحظة أن أكثر من نصف وارداتها أمريكية. كما تعتمد على استيراد الأسلحة الفرنسية والتركية. في حين لا تظهر إيران في قائمة أكبر أربعين دولة مستوردة للأسلحة في العالم.

انطلاقاً من هذين المؤشرين نستنتج بأن الصادرات الإماراتية تعتمد بالدرجة الأولى على الاستيراد وأن الصادرات الإيرانية تعتمد على التصنيع المحلي.

كنتيجة، تتجه صادرات الأسلحة الإيرانية نحو الارتفاع لكن مستقبل هذه الصادرات يعتمد اعتماداً كبيراً على نتائج المفاوضات حول الاتفاق النووي الجديد.

يستحوذ القطاع العسكري على الأولوية في إيران لا سيما من الناحية المالية.

يرتفع الإنفاق العسكري باستمرار لأسباب أمنية واقتصادية حتى وإن هبطت إيرادات الدولة وانخفض مستوى معيشة المواطنين. لكن هذا الإنفاق ليس استهلاكياً فقط، فقد ساهم مساهمة فاعلة في تطوير الصناعة العسكرية حتى بات إنتاج الأسلحة يغطي القسط الأكبر من حاجات البلد. بل أصبحت إيران من بين الدول المصدرة للأسلحة. ومن المتوقع أن تزداد في السنوات المقبلة النفقات والصناعات والصادرات العسكرية.

منشورات أخرى للكاتب
البيت الخليجي للدراسات والنشر
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.