البطالة في عُمان: خطوات إصلاحية لا تكفي
يعاني العمانيون من ارتفاع في معدل البطالة الذي أصبح سمة بارزة في الاقتصاد العُماني، ورغم ما اتخذته الحكومة من إجراءات لمعالجة هذه المشكلة إلا أن هذه الاجراءات غير كافية. يبلغ تعداد القوة العاملة في سلطنة عُمان نحو 2.5 مليون شخص موزعين على النحو التالي: 0.8 مليون عُماني و1.7 مليون وافد، وعليه، يشكل العُمانيون نسبة 32% من العدد الكلي.
يعمل 43.6% من العُمانيين في القطاع الحكومي و56.4% منهم في القطاع الخاص، أي أن نسبة العاملين في القطاع الحكومي مرتفعة مقارنة بالسعودية (33.3%) ومنخفضة قياساً بالكويت (83.6%)، لكن هذا الاختلاف الكبير لا يخفي تفضيل غالبية المواطنين في دول الخليج التوظيف في المؤسسات الحكومية.
أما عدد العاطلين عن العمل فيبلغ 85.3 ألف عُماني: 33.9 آلاف من الذكور و51.4 آلاف من الإناث. تمثل بطالة الإناث في السلطنة نحو 60.2% في حين تصل في السعودية إلى 72.4% بعد أن بذلت الرياض في الآونة الأخيرة جهوداً في تشغيل النساء.
ستقتصر هذه المقالة على بطالة العُمانيين، أما بطالة الوافدين فتكاد تكون منعدمة ليس فقط في عُمان بل كذلك في جميع بلدان الخليج لأن العمل هو المبرر الوحيد لإقامة الوافد.
مؤشرات سوق العمل
لا تنشر مسقط معلومات إحصائية كافية ودقيقة حول سوق العمل ولا يوجد تحديث مستمر لها، خاصة فيما يتعلق بالبطالة. لذلك لابد من وضع معادلات لاستخراج معدلات السوق. عندئذ، يمكن التعرف على حقيقة المشكلة التي يعاني منها المواطنون. بحسب إحصاءات السكن والمساكن والأسر لعام 2022 بلغ العدد الكلي لسكان عُمان نحو 4.93 مليون نسمة، منهم 2.86 مليون عُماني.
والسكان في سن العمل هم الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة. وبهذا المعنى المتفق عليه دولياً يصبح عدد السكان المؤهلين للعمل نحو 1.65 مليون عُماني.
ينقسم السكان إلى قسمين: نشيطون وغير نشيطين. يتكون النشيطون من العاملين والعاطلين. في عُمان بلغ عدد العاملين 801.0 ألف عُماني وعدد العاطلين 85.3 ألف عُماني. وبذلك يصبح النشيطون 886.3 ألف شخص.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن وضع المؤشرات الثلاثة الرئيسية التالية لسوق العمل:
المؤشر الأول معدل المشاركة، ويسمى كذلك معدل النشاط الاقتصادي. وهو العلاقة بالنسبة المئوية بين النشيطين والسكان بالمفهوم الوارد أعلاه. أي (886.3 ألف شخص ÷ 1.65 مليون شخص) × 100 = 53.7%.
هنا تبرز المشكلة الأساسية للسوق لأن هذه النسبة متدنية. في البلدان المتقدمة يتراوح معدل المشاركة بين 70% و90%. بمعنى أن عدداً كبيراً من العُمانيين في سن العمل خارج السوق. عُماني واحد من أثنين لا هو عامل ولا هو عاطل.
المؤشر الثاني معدل التشغيل. وهو نسبة العاملين إلى السكان. أي (801.0 ألف شخص ÷ 1.65 مليون شخص) × 100 = 48.5%.
وهو أيضاً ضعيف. ففي بلدان الاتحاد الأوروبي يبلغ متوسط المعدل 69.9%. بمعنى أن قدرة الاقتصاد العُماني ضعيفة على استقطاب الطاقات البشرية واستخدامها في إنتاج السلع والخدمات.
ونلاحظ أن السياسات العُمانية المتمثلة في رؤية عُمان 2040 والخطة الخمسية العاشرة 2021-2025 لا تعتمد على هذا المؤشر المهم، علماً بأنه أكثر مصداقية من معدل البطالة. لأن معدل البطالة مبني على عدد العاطلين الذي يمكن التلاعب فيه من الناحية الإحصائية في حين أن عدد العاملين محدد بدقة.
المؤشر الثالث هو معدل البطالة، وهو الأكثر شيوعاً لأنه يشير بصورة مباشرة إلى العاطلين. ورغم عيوبه فهو غالباً ما يستخدم في الخطط الاقتصادية والاجتماعية.
معدل البطالة هو نسبة العاطلين إلى النشيطين أي (85.3 ألف عُماني ÷ 886.3 ألف عُماني) × 100 = 9.6%. أما المعدل المنشور في الإحصاءات الرسمية (03.5%) فيتعلق بالبطالة الكلية التي تشمل العُمانيين والوافدين. سبق أن ذكرنا بأن البطالة شبه منعدمة لدى العمال الوافدين. كما أن عدد هؤلاء يعادل ضعف العمال العُمانيين. لذلك، يصبح من البديهي أن تنخفض نسبة البطالة الكلية مقارنة ببطالة المواطنين. وعلى هذا الأساس تقتضي المصداقية الفصل تماماً وبصورة واضحة بين البطالة الكلية وبطالة المواطنين.
من خلال هذه البيانات والمعادلات، يظهر أن بطالة العُمانيين عالية بمختلف المقاييس، وبالنتيجة، فإن لها تداعيات خطيرة اقتصادية واجتماعية. تزداد الخطورة إذا علمنا أن أكثر من نصف العاطلين عن العمل هم شباب من حملة الشهادات الجامعية. يدل هذا الوضع على عدم مواكبة قطاع التعليم لحاجات سوق العمل بالدرجة الأولى. نلاحظ أن وزارة العمل صرحت بأن الدولة تستهدف إحداث عشرة آلاف فرصة عمل في القطاع الحكومي خلال العام الجاري. مع العلم أن عدد الخريجين الجامعيين يتجاوز ضعف هذا العدد. إن معالجة البطالة في السلطنة تستوجب إجراء تعديلات هيكلية على برامج التعليم.
لكن ما هو دور الحكومة في التصدي لأزمة البطالة؟
التدابير الحكومية
يعود تراجع قدرة الحكومة في إحداث فرص عمل جديدة لأسباب عديدة، وهي مالية بالمقام الأول. نُظمت ميزانية السلطنة عام 2025 بعجز قدره 620 مليون ريال. نجم هذا العجز عن انخفاض عوائد النفط والغاز من جهة وتصاعد النفقات الاعتيادية من جهة أخرى. بلغت مصروفات الدفاع والأمن 3070 مليون ريال أي 26% من نفقات الدولة، في حين لا تتعدى النفقات الاستثمارية 900 مليون ريال أي 7% من نفقات الدولة.
فعليًا، تتركز الإجراءات الحكومية في معالجة البطالة على تشجيع العمل في القطاع الخاص.
التعمين: أدخلت هذه السياسة في 1988 بهدف استبدال العمال الأجانب بعمال عُمانيين. واستندت إلى قوانين هدفها زيادة حصص توظيف العُمانيين في مختلف أنشطة القطاع الخاص. واعتباراً من العام المنصرم أصبحت الشركات الأجنبية العاملة في عُمان ملزمة بتوظيف عُماني واحد على الأقل.
ولكن تقريرًا صادرًا عن صندوق النقد الدولي (مشاورات المادة الرابعة) كان قد أكد أن الدولة أحرزت تقدماً في تشغيل الوافدين في حين تراجع تشغيل العُمانيين في النصف الأول من 2023.
البرنامج الوطني للتشغيل: وهو أحد أبرز برامج خطة التنمية الخمسية العاشرة. يسعى إلى تشجيع التشغيل في قطاع الأعمال الحرة. ويتضمن البرنامج منح عدة مزايا: الاستفادة من نظام التأمينات الاجتماعية، الحصول على مساعدات لدعم الأجور وإعفاءات ضريبية.
ومن أهم التدابير المشجعة في هذا البرنامج تقديم القروض للشباب لتنفيذ مشاريعهم بسعر فائدة قدره 2% في القروض التي تزيد على خمسة آلاف ريال و0% في القروض التي تقل عن هذا المبلغ.
رغم ذلك، لم يحقق هذا البرنامج نتائج إيجابية دائماً لأن القروض منحت لشباب لا يتمتعون بالخبرة اللازمة في ميدان الأعمال الحرة وإدارتها.
منصة توطين: أحدثت وزارة العمل هذه المنصة الرقمية لإعلام العاطلين بالوظائف الشاغرة في مختلف المؤسسات. وتهدف المنصة إلى جعل البحث عن العمل عملية سهلة ولا يقتصر الأمر على القطاع الحكومي بل يشمل أيضاً شركات القطاع الخاص. وبذلك، تقوم المنصة بمساعدة الباحثين عن العمل وكذلك تقدم خدمة مهمة لأرباب العمل وهي التعرف على أصحاب المهارات.
حتى منتصف 2025 بلغ عدد المؤسسات المسجلة في منصة توطين 1396 شركة من القطاع الخاص قامت بالإعلان عن 2376 وظيفة شاغرة.
لجان حوكمة التشغيل: يبلغ عدد هذه اللجان 17 لجنة في مختلف الميادين كالسياحة والصحة والصناعات التحويلية والنقل. مهمتها حسب اختصاصها جمع وتحليل المعلومات التي تستقيها من منصة توطين من اجل تحديد التخصصات المطلوبة في السوق. عندئذ، تتولى توجيه برامج التدريب المهني وكذلك التعليم بما يتناسب مع هذه التخصصات.
الأمان الوظيفي: إعانة حكومية تدفع للعُماني العاطل بموجب المرسوم السلطاني رقم 82/2020 المتعلق بإصدار نظام الأمان الوظيفي. يتولى صندوق الحماية الاجتماعية دفع هذه الإعانة. يحصل الصندوق على إيراداته من عدة مصادر أهمها ما يلي: نسبة من الأجر الشهري للمؤمن عليه تدفع من قبله ومن قبل رب العمل والمبالغ التي يحصل عليها الصندوق من خزينة الدولة، وكذلك الهبات والقروض.
يساعد هذا النظام على تحمل تكاليف المعيشة لكن الإعانة تتسم بضعف مبلغها وقصر مدتها وضيق نطاقها. فهي تمثل 60% من الأجر، كما أن مدتها القصوى ستة أشهر فقط. أضف إلى ذلك أن هذا النظام لا يشمل العاملين لحسابهم الخاص ولا ينطبق على من ترك عمله بمحض إرادته.
من الملاحظ أن عدد المستفيدين من هذه الإعانة يزداد سنويًا، فقد انتقل من 13 ألف شخص في منتصف 2022 إلى 16 ألف شخص في منتصف 2025. وتعكس هذه الزيادة أهمية الصندوق في مواجهة تبعات البطالة لكنها تعني كذلك أن أزمة البطالة تتعقد بمرور الزمن. الأمر الذي يدعو إلى اتخاذ إجراءات ترتبط بهيكلة الاقتصاد.
إجراءات غير كافية
لا شك أن التدابير الحكومية أعلاه مهمة وضرورية لزيادة فرص العمل وبدونها تتفاقم البطالة على نحو كبير، لكنها أيضًا، غير كافية. بدليل أن عدد العاطلين في السلطنة لم ينخفض بل بالعكس تماماً. في عام 2020 كان عددهم 65.4 ألف شخص وتصاعد في 2022 إلى 85.3 ألف شخص. يعود هذا الوضع إلى تراجع مقدرة القطاع الحكومي على التشغيل لعدة أسباب، من بينها مالية الدولة، كما ذكرنا.
وبالنظر لهذا التراجع يصبح من البديهي أن تنصرف الإجراءات الحكومية إلى القطاع الخاص. لكن العُمانيين كغيرهم من الخليجيين يفضلون العمل في القطاع الحكومي لعدة أسباب.
يحصل الموظف الحكومي على مرتب يفوق ما يحصل عليه نظيره في القطاع الخاص. كما تعتبر الوظيفة الحكومية أكثر أماناً من عدة جوانب، ولها مزايا ترتبط بالتأمينات الاجتماعية. كما أن حجم التقاعد في القطاع الحكومي أعلى من حجم التقاعد في القطاع الخاص. مع الإشارة إلى أن المرسوم السلطاني رقم 52/2023 (قانون الحماية الاجتماعية) يسعى إلى المساواة بين المعاشات التقاعدية للعاملين في القطاعين الحكومي والخاص.
ومن زاوية أخرى، يصطدم استبدال الوافد بعُماني بعقبة كبيرة وهي حجم الراتب وعدد ساعات العمل. يفضل رب العمل تشغيل اليد العاملة الوافدة الرخيصة نسبيًا. ولذلك، نجد عدداً كبيراً من المؤسسات الخاصة تشغل الوافدين فقط. وبهذا الصدد يبين تقرير صادر عن وزارة العمل أن 245 ألف منشأة لا تشغل عُماني واحد في حين أنها تستخدم أكثر من مليون وافد.
يقود ضعف فاعلية الإجراءات الحكومية إلى استياء المواطنين، ومن ذلك احتجاجات 2011 و2018 و2019 و2021 التي اندلعت كلها بسبب البطالة.
أدى هذا الضعف إلى تذمر العُمانيين من السياسة الاقتصادية المعتمدة في ميدان العمل. فحسب وثيقة رسمية صادرة عن “المركز الوطني للإحصاء والمعلومات” المتضمنة استطلاعات الرأي العام لعام 2025 يتبين بأن نسبة رضا العُمانيين عن توفر فرص عمل للشباب لا تتعدى 36%. ولم تتغير هذه النسبة المنخفضة في السنوات المنصرمة. وهي تشمل الذكور والإناث في مختلف المحافظات.
إن ارتفاع البطالة وتدني التشغيل وهبوط المشاركة الاقتصادية مؤشرات تدل دلالة واضحة على ضعف فاعلية الإجراءات الحكومية المتعلقة بسوق العمل. لا يمكن التصدي للبطالة بفاعلية إلا عن طريق تحسين معدل النمو وتقرير المزيد من الاعتمادات للاستثمارات الحكومية وتنويع الاقتصاد، وهو الإجراء الهيكلي الذي يمكن له أن يغير من المعادلات وملامسة عمق الأزمة وإيجاد الحلول المناسبة لها.